ثمة شيء مريب، وهذا التعبير مقصود، في الطريقة التي تُروى بها الأحداث الثقافية في سوريا عام 2025؛ ليس لأنها كاذبة، ولا لأنها دعائية بالمعنى الساذج، بل لأنها مريحة أكثر مما ينبغي، وهنا سنضطر إلى طرح السؤال غير اللائق:
لماذا يبدو أن الثقافة تقول ما نعرفه سلفا، وبالطريقة التي تتيح للجميع أن يكونوا على الجانب “الصحيح” من التاريخ؟
لا أحد يُنكر أهمية استعادة الذاكرة، ولا ضرورة مساءلة الماضي، فالمشكلة ليست في ماذا يُقال، بل في كيف، ومتى، ولصالح أي حركة في الحاضر، فالأيديولوجيا لا تعمل عبر الأكاذيب الفجّة، بل عبر الحقائق التي تأتي في التوقيت المناسب لتؤدي وظيفة غير معلنة.
الذاكرة بوصفها عملة تداول ثقافي
يمكن النظر إلى المعارض التوثيقية التي تتناول الاعتقال أو الغياب، فالصور مؤثرة والشهادات صادقة، واللغة إنسانية إلى حد لا يمكن الاعتراض عليه، ولكن ثمة انتظام لافت، فالماضي يُستدعى دائما بوصفه ماضيا منتهياً، لا صيرورة، ولا امتداد، ولا أسئلة عن التحوّل.
هنا لا تعمل الذاكرة كحقل صراع، بل كـعملة تداول رمزي، والجميع يستطيع استخدامها من الفنان إلى المؤسسة والمنظّم للفعالية الثقافية وحتى المتلقّي، فالجميع يخرج بعد أن أدى واجبه الأخلاقي، وبهذه الصورة تصبح الذاكرة قابلة للاستهلاك الجماعي دون توتّر، فهي تؤدي وظيفة تطمين أكثر مما تفتح أفق مساءلة.
الندوة الثقافية: كيف نتفق دون أن نختلف؟
في الندوات التي تُعقد تحت عناوين عامة عن “العدالة” و “التسامح” أو “السلم الأهلي” نلاحظ شيئاً غريباً، فالنقاش حاد ظاهرياً، لكنه لا يفضي إلى أي انقسام حقيقي، والجميع يتفق على الإدانة، وعلى ضرورة التعلّم من الماضي، ثم ينتهي اللقاء.
هذا النوع من الفعاليات يذكّرنا بالإجماع الفارغ، فهناك لحظة يبدو فيها الخلاف حاضراً، لكنه في الحقيقة مُفرغ من قدرته على إنتاج موقف، والإدانة هنا لا تُستخدم لتفكيك بنية، بل لتأكيد أن الجميع دون استثناءيقف في المكان الصحيح الآن.
السينما الوثائقية: الشهادة التي تُنهي السؤال
في عروض الأفلام الوثائقية التي تتمحور حول قصة فردية من الماضي، فيلم عن تجربة اعتقال، أو عن أمّ فقدت أبناءها، أو عن رحلة نزوح طويلة؛ يحدث شيء متطابق في معظم العروض من الصمت في القاعة، والتأثّر والدموع أحياناً، ثم تصفيق طويل.
أدّى الفيلم مهمته الأخلاقية كاملة، فالمشاهد يشعر أنه شهد “الحقيقة”، ولا أحد يخرج مشوَّشاً أو غاضباً، بل مطمئناً أخلاقياً، الفيلم قال ما يجب بالطريقة الصحيحة، وفي الزمن الصحيح.
هذا بالضبط ما يثير الريبة حين يخرج المتلقي مرتاح الضمير بعد مشاهدة عمل عن العنف، وعلينا أن نسأل ما الذي لم يُقَل؟ فهذه الأفلام تُغلِق المعنى، فالألم يُعرض بوصفه تجربة مكتملة، لها بداية ونهاية، ولها “درس”، وتتحوّل الشهادة من مدخل للسؤال إلى نقطة إشباع أخلاقي، فهناك تأثير في المشاهد لكنه لا يدفع إلى التفكير في الشروط التي جعلت هذه القصة ممكنة، ولا في إمكانية تكرارها.
المفارقة الأعمق أن الشهادة، حين تُقدَّم بوصفها كافية بذاتها، تُعطّل التحليل بدل أن تستدعيه، وكأحد الأمثلة فيلم وثائقي يعتمد بالكامل على صوت واحد؛ سجين سابق يروي ما جرى له، أو لاجئة تحكي عن الرحلة، فلا سياق اقتصادي، ولا بنية سلطة، ولا شبكة علاقات، فهناك فقط الألم الخام.
هذا الخيار يبدو “نقياً” و”محترماً” لكنه يؤدي وظيفة أيديولوجية دقيقة؛ فصل العنف عن شروط إنتاجه، فنحن أمام ألم منزوع السياسة؛ يُقدَّس ويُحاط بالاحترام، ثم يُترك في مكانه، كأن مهمتنا هي أن نشهد لا أن نفهم، وهنا تُغلَق الدائرة، فالفيلم لا يقول لنا إن السؤال غير مسموح، بل يوحي بأن السؤال لم يعد ضرورياً.
لا تكمن مشكلة هذه الأفلام في صدقها، بل في اكتمالها المفرط، فهي تُنهي ما كان يجب أن يبدأ، فتحويل الشهادة من لحظة تعاطف إلى أداة تفكير، ومن تجربة فردية إلى مدخل لفهم البنية التي ما زالت قائمة بأشكال أخرى.
المهرجان التراثي: الماضي الذي لا يُحرج أحداً
لننظر إلى المهرجانات التراثية التي تُنظم في الفضاءات التاريخية، فالتراث هنا ليس مجرد احتفاء بالهوية، بل لغة ثقافية بلا مخاطر، فلا أحد يعترض على الدبكة، ولا على الموسيقى التقليدية، ولا على الحِرَف، وهذه العودة المكثّفة إلى التراث ليست بريئة، فهي تتيح للثقافة أن تكون نشطة ومرئية ومقبولة، دون أن تضطر إلى التورّط في أسئلة الحاضر الثقيلة، فالماضي، في هذه الحالة، ليس موضوع مساءلة، بل ملجأ رمزي.
أما في الأمسيات الشعرية والحفلات الموسيقية، تهيمن لغة الإيحاء، وهذه لغة جميلة، لكن السؤال هنا ليس عن جمالها، بل عن تحوّل الحساسية إلى بديل عن التفكير.
حين يصبح التعبير الحساس هو الذروة، يُختزل الفعل الثقافي في قدرته على لمس الشعور، لا على إزعاج الفهم، وهنا تتحقّق إحدى أخطر وظائف الأيديولوجيا المعاصرة بأن تجعلنا نشعر بعمق… كي لا نفكّر بعمق مماثل.
البيانات الافتتاحية: أين تُصاغ الشرعية؟
في لغة البيانات التي ترافق افتتاح المعارض والفعاليات، تتكرر الخلفية الدينية مع مفردات مثل “القيم” و “الوعي” “المسؤولية” و”المرحلة الدقيقة”، وهذه لغة لا يمكن الاعتراض عليها، لكنها أيضاً لا يمكن مساءلتها.
الشرعية الحديثة لا تُفرض بالقوة، بل تُبنى عبر لغة أخلاقية عامة تجعل أي اعتراض يبدو غير لائق، فمن يعترض على القيم؟ ومن يشكّك في الوعي؟ وتتحوّل الثقافة إلى فضاء يكتسب فيه الجميع شرعية متبادلة، دون أن يُسأل أحد: شرعية ماذا؟ ولصالح أي انتقال؟
حين تصبح الإدانة لغة العبور
المشكلة ليست أن الثقافة السورية في 2025 تُدين الماضي، بل أنها تفعل ذلك بطريقة تجعل العبور إلى الحاضر سلساً جداً، فالإدانة هنا لا تُستخدم كسلاح تفكيك، بل كلغة توافق عام، تسمح بإعادة التموضع دون صدام.
والخطر الحقيقي ليس في النفاق، بل في ادعاء الصدق الذي يؤدي وظيفة خاطئة، فحين نقول الحقيقة، ونشعر بالراحة بعدها مباشرة، علينا أن نتساءل:
أي حقيقة هذه التي لا تُربك أحداً؟
ربما، في نهاية المطاف، لا تحتاج الثقافة اليوم إلى مزيد من الجرأة في الإدانة،
بل إلى الجرأة على جعل الإدانة غير كافية.

