في أدبيات الحروب الجوية، غالباً ما تُقرأ الاشتباكات الصغيرة بوصفها هوامش لا لتستحق التوقف، غير أن الضباط المحترفين يدركون أن الهوامش هي المكان الذي تُختبر فيه الجيوش قبل أن تُختبر في المعارك الكبرى.
هذا بالضبط ما كانت عليه الاشتباكات الجوية السورية–الإسرائيلية الخمسة الأولى بين عامي 1976 و1980، فهي مواجهات محدودة من حيث العدد والنطاق، لكنها غنية بالدلالات، وكشفت الكثير عن طبيعة القوة الجوية السورية، وحدودها، وقدرتها على الاستمرار والتكيّف.
لم تكن تلك الاشتباكات حروب مفتوحة، بل مواجهات على حافة التصعيد، حيث تتقاطع السياسة مع التكتيك، ويُطلب من الطيار أن يوازن بين الردع والانضباط، وبين الاستعداد للقتال وضبط النفس.
معركة بلا صواريخ: ربيع 1976
حين أقلعت طائرات الاعتراض السورية في ربيع 1976 لمواجهة اختراقات جوية فوق لبنان، لم يكن الهدف إسقاط طائرة معادية، بل فرض الحضور، وفي مفردات القوى الجوية، يُعرف هذا بإثبات السيادة دون الذهاب إلى نقطة اللاعودة.
ما ميّز هذا الاشتباك لم يكن ماحدث في الجو فحسب، بل ما لم يحدث:
- لم يُطلق صاروخ.
- لم تُكسر قواعد الاشتباك.
- لم يُترك المجال الجوي دون رد.
في ميزان الاحتراف العسكري، تعكس هذه اللحظة قوة جوية تدرك موقعها داخل الاستراتيجية الوطنية، وتعمل ضمنها، لا خارجها، ولم تكن دمشق تبحث عن معركة، بل عن منع تحوّل السماء اللبنانية إلى فضاء مفتوح لطرف واحد.
إطلاق النار كتجربة لا كقرار: خريف 1976
في الاشتباك الثاني تغيّر شيء أساسي حيث تم استخدام السلاح، فالصاروخ الذي أُطلق لم يُصب هدفه، لكن قيمته ليست تقنية لكنها اختبارية، ومثّل انتقالا محسوبا من الردع الرمزي إلى الردع العملي، دون الانزلاق إلى تصعيد غير مرغوب، فلم يكن الهدف تحقيق إصابة، بل قياس:
- رد الفعل “الإسرائيلي”.
- هامش الحركة السياسي.
- قدرة الطيارين على تنفيذ أوامر تحت قيود صارمة.
القوة التي لا تختبر سلاحها تتآكل، والقوة التي تختبره دون حساب تفقد السيطرة، وبين هذين الحدّين، حاولت القوة الجوية السورية أن تعمل.
دخول جيل جديد… دون تغيير كامل في الذهنية: تموز 1978
حين دخلت المقاتلة الأحدث الخدمة (ميغ 23)، دخلت معها توقعات بتغيير قواعد الاشتباك، غير أن المواجهة الجوية في صيف 1978 أظهرت حقيقة تتكرر في تاريخ الجيوش؛ التحديث التقني لا يساوي تلقائيا تحديثا في طريقة التفكير.
في هذه المواجهة، لم تُسجل خسائر مباشرة، لكن الرسالة كانت واضحة:
- الرادار لايصنع تفوقا إذا لم يُدمج ضمن منظومة.
- الطيار الماهر لا يعوّض غياب القيادة والسيطرة.
- المنصة الحديثة يمكن أن تصبح عبئا إن لم تُستخدم وفق فلسفتها.
ومع ذلك، لم يكن هذالاشتباك علامة عجز، بل لحظة احتكاك قاسية بين الطموح والواقع.
الخسارة الصامتة: آذار 1979
تمر كل قوة جوية بلحظة تُدار في الصمت، حيث طائرة لا تعود ودون بيان يشرح ما جرى، في هذا الاشتباك، يُرجّح أن طائرة فُقدت دون إعلان، لا لأن الخسارة كانت جسيمة، بل لأن الإعلان ذاته كان سيحمل تصعيدا لا تريده الحسابات الاستراتيجية في ذلك الوقت.
الأهم أن هذه الخسارة لم تُترجم إلى انسحاب من السماء أو شلل عملياتي، فاستمرت الطلعات، واستمر الانتشار، مع إدخال حذر إضافي في التخطيط والتنفيذ.
القوة التي تتوقف بعد أول خسارة ليست قوة جوية، والقوة التي تواصل العمل بعد خسارة غير معلنة تملك درجة من التماسك المؤسسي، حتى لو لم تكن بلغت مرحلة التفوق.
اشتباك 1980: التحسن غير المكتمل
في صيف 1980، بدا أن شيئاً ما يتغير ببطء:
- طلعات أكثر تنظيما.
- تنسيق أفضل بين الطيارين.
- إدراك أعمق لأسلوب الخصم.
لم يكن هذا تحولا جذريا، لكنه مؤشرا على أن التجربة بدأت تترك أثرها، فالقوى الجوية لا تتغير بقرارات مفاجئة، بل عبر تراكم الاحتكاك والخطأ والتصحيح الجزئي.
ماذا تقول هذه المعارك الخمس مجتمعة؟
من السهل بعد أحداث 1982 أن يُعاد تفسير هذه الاشتباكات باعتبارها مقدمات لهزيمة، لكن القراءة المهنية ترى فيها صورة أكثر تعقيداً:
- قوة جوية حاضرة في مسرح العمليات، وليست غائبة أو مشلولة.
- طيارون يعملون ضمن قيود سياسية ثقيلة دون فقدان الجاهزية.
- فجوة واضحة بين الإمكانات التقنية والبنية العقائدية، لا بين الإرادة والقدرة.
وهذه سمات قوة في حالة سعي إلى التحول، لا قوة منهارة أو خاملة.
الخلاصة التحليلية (1976–1980)
| العنصر | الواقع السوري |
| الرؤية | دفاع سيادي لا هيمنة جوية |
| القرار | سياسي أكثر منه عسكري |
| التحديث | منصات بلا منظومات |
| الطيار | قوي فرديًا، معزول شبكيًا |
| العدو | يُفكّر قبل أن يُطلق |
ما بين المحاولة والنتيجة
لا تُقاس الجيوش فقط بما تحققه، بل بكيفية إدارتها للفشل الجزئي، وبقدرتها على الاستمرار تحت الضغط، فلم تكن الاشتباكات الجوية السورية قبل 1982 سجل إخفاقات بقدر ما كانت سجل محاولات جادة في بيئة استراتيجية شديدة التعقيد.
كانت سماء لبنان في أواخر السبعينيات ميدان اختبار قاس، دخلته سوريا بقوة جوية تعمل وتناور وتتعلم وخرجت منه بدروس لم تُستثمر في الوقت المناسب، لكن التجربة نفسها كانت حاضرة وثقيلة ومكلفة، والتاريخ العسكري، في النهاية، لا يحاسب الجيوش فقط على ما انتصرَت فيه، بل على كيفية خوضها الطريق نحو ما أرادت أن تصبحه.
بين السماء والسياسة: الاشتباكات الجوية السورية–الإسرائيلية (1976-1980)
نظرة عامة على الاشتباكات الخمسة
تطور طبيعة الاشتباكات (1976-1980)
المسار الزمني للاشتباكات
مواجهة فوق لبنان بهدف إثبات السيادة دون الوصول لنقطة اللاعودة. لم يُطلق صاروخ واحد، ولم تُكسر قواعد الاشتباك، لكن المجال الجوي لم يُترك دون رد. لحظة تعكس قوة جوية تدرك موقعها داخل الاستراتيجية الوطنية.
الصاروخ الذي أُطلق لم يُصب هدفه، لكن قيمته كانت اختبارية. انتقال محسوب من الردع الرمزي إلى الردع العملي لقياس رد الفعل الإسرائيلي وهامش الحركة السياسي.
مع دخول المقاتلات الأحدث، أظهرت المواجهة أن التحديث التقني لا يساوي تلقائيًا تحديثًا في طريقة التفكير. الرادار لا يصنع تفوقًا إذا لم يُدمج ضمن منظومة متكاملة.
خسارة طائرة دون إعلان، لكن مع استمرار الطلعات والانتشار. القوة التي تواصل العمل بعد خسارة غير معلنة تملك درجة من التماسك المؤسسي، حتى لو لم تكن بلغت مرحلة التفوق.
طلعات أكثر تنظيمًا، تنسيق أفضل بين الطيارين، وإدراك أعمق لأسلوب الخصم. لم يكن تحولًا جذريًا، بل مؤشرًا على أن التجربة بدأت تترك أثرها التدريجي.
تحليل الاستراتيجية والتكتيك
الدروس المستفادة من كل اشتباك
لم تكن الاشتباكات تهدف لإسقاط طائرات بقدر ما كانت تهدف لفرض الحضور وإثبات السيادة الجوية، مع الحفاظ على هامش سياسي للتصعيد المتدرج.
عمل الطيارون ضمن قيود سياسية ثقيلة، حيث كان المطلوب الموازنة بين الردع والانضباط، وبين الاستعداد للقتال وضبط النفس.
أظهرت الاشتباكات فجوة بين الإمكانات التقنية الجديدة والبنية العقائدية القائمة. المنصة الحديثة تصبح عبئًا إن لم تُستخدم وفق فلسفتها التصميمية.
القدرة على الاستمرار في العمليات بعد خسائر، ومواصلة التعلم من كل اشتباك، تعكس درجة من الصلابة المؤسسية رغم التحديات.
قراءة مهنية متعمقة
من السهل – بعد أحداث 1982 – أن يُعاد تفسير هذه الاشتباكات باعتبارها مقدمات لهزيمة، لكن القراءة المهنية ترى فيها صورة أكثر تعقيدًا:
- قوة جوية حاضرة في مسرح العمليات، وليست غائبة أو مشلولة
- طيارون يعملون ضمن قيود سياسية ثقيلة دون فقدان الجاهزية
- فجوة واضحة بين الإمكانات التقنية والبنية العقائدية، لا بين الإرادة والقدرة
وهذه سمات قوة في حالة سعي إلى التحول، لا قوة منهارة أو خاملة.
تقييم الأداء عبر الزمن
الاستنتاج النهائي
كانت سماء لبنان في أواخر السبعينيات ميدان اختبار قاسٍ. دخلته سوريا بقوة جوية تعمل وتناور وتتعلم وخرجت منه بدروس لم تُستثمر في الوقت المناسب، لكن التجربة نفسها كانت حاضرة وثقيلة ومكلفة.
والتاريخ العسكري، في النهاية، لا يحاسب الجيوش فقط على ما انتصرَت فيه، بل على كيفية خوضها الطريق نحو ما أرادت أن تصبحه.


إذاً كان يوجد قادة وطيارون يجيدون السياسة ويتقنون الردع