في مطلع شباط 2026، تصدرت تصريحات المدير العام لهيئة الاستثمار السورية، طلال الهلالي، عناوين الأخبار الاقتصادية، حين أعلن عبر قناة CNBC عربية أن حجم الاستثمارات في سوريا بلغ 56 مليار دولار خلال عام 2025، وأن البلاد تستهدف الوصول إلى 100 مليار دولار من الاستثمارات بحلول عام 2026.
أشار الهلالي أيضا إلى أن قطاع التطوير العقاري يستحوذ على 50% من هذه الاستثمارات، بينما يضيف قطاع النفط والغاز نحو 20 مليار دولار إلى الاقتصاد السوري.
يبدو هذا التصريح بمقاييس الأرقام إعلان عن ولادة معجزة اقتصادية في قلب منطقة أنهكتها الحرب لأكثر من عقد، وحين نخضع هذه الأرقام للتحليل الموضوعي، ونقارنها بالواقع الاقتصادي والسياسي والاستثماري السوري، يبرز سؤال جوهري هل تعكس هذه الأرقام حقيقة اقتصادية راسخة، أم أنها تعبير عن طموحات سياسية مغلفة بلغة استثمارية براقة؟
بين الأرقام المُعلنة والبيانات المستقلة
في تحليل الرقم الأبرز، 56 مليار دولار كحجم للاستثمارات خلال عام 2025، نجد وفق قواعد البيانات الدولية، كقاعدة بيانات البنك الدولي (World Bank) وقاعدة بيانات الاستثمار الأجنبي المباشر (FDI) التابعة للأمم المتحدة(UNCTAD)، فإن سوريا لم تسجل تدفقات نقدية تذكر من الاستثمار الأجنبي، كانت التدفقات صفرية أو غير منشورة لعدم توافر بيانات موثوقة من الداخل السوري.
حجم الاستثمار الأجنبي المباشر في سوريا وفقا لمصادر مستقلة مثل البنك الدولي و”Statbase.org”، يوضح أن السنوات الأخيرة لم يتجاوز بضع مئات من ملايين الدولارات في أفضل السيناريوهات، وبمقارنة سريعة، فإن استقطاب 56 مليار دولار من الاستثمارات في عام واحد سيضع سوريا في مصاف الدول الكبرى في جذب رؤوس الأموال الأجنبية، وهو أمر لا يتفق مع الواقع الجيوسياسي والاقتصادي للبلاد.
من أين أتى هذا الرقم؟ المؤشرات تفيد بأن الرقم يشمل ما يُعرف بـ”قيمة الاتفاقيات ومذكرات التفاهم” التي تم توقيعها خلال العام، وليس الاستثمارات التي تم تنفيذها وضخها فعليا في الاقتصاد، وهذا منهج شائع في بعض الدول النامية، حيث تُحتسب قيمة المشاريع المحتملة أو الوعود الاستثمارية ضمن إجمالي الاستثمار، حتى إن لم يُنفذ منها شيء ملموس بعد.
هدف الـ100 مليار: طموح أم تضليل؟
الحديث عن استهداف 100 مليار دولار من الاستثمارات بحلول عام 2026، فهو يبدو من الناحية السياسية محاولة لبناء سردية تفاؤلية عن انتعاش اقتصادي مرتقب، لكنه يفتقر إلى مرتكزات واقعية، فعلى سبيل المثال، السعودية التي تعد واحدة من أكبر الاقتصادات في المنطقة، اجتذبت استثمارات أجنبية مباشرة بنحو 32 مليار دولار في عام 2022، رغم استقرارها السياسي والاقتصادي وانخراطها في مشاريع رؤية 2030 الجذابة.
فهل يمكن لسوريا التي تفتقر إلى بنية تحتية مصرفية فعالة، وتعاني من نزيف سكاني وهجرة جماعية للكفاءات، أن تحقق أكثر من ثلاثة أضعاف ما تحققه دول الخليج في ظرف زمني لا يتجاوز السنة؟ الجواب الواقعي: من غير المرجح.
قطاع العقارات والنفط: الأرقام والواقع
يستحوذ قطاع العقارات بحسب تصريح الهلالي على 50% من الاستثمارات، أي ما يعادل 28 مليار دولار من أصل الـ56 مليار، وهذا يبدو متسقا مع محاولات سلطة دمشق جذب رؤوس الأموال الخليجية والسورية المهاجرة للمشاركة في مشاريع إعادة الإعمار.
هذا الرقم يفترض أن هناك طلبا كبيرا على التطوير العقاري في سوريا، في وقت تُسجل فيه الليرة السورية انخفاضات تاريخية، وتتقلص القدرة الشرائية للمواطن العادي، ويعيش أكثر من 90% من السكان تحت خط الفقر بحسب تقارير الأمم المتحدة.
أما قطاع النفط والغاز، فذكر أنه يضيف 20 مليار دولار إلى الاقتصاد، وهذا الرقم يحتاج لقراءة، فمنذ خروج معظم الحقول النفطية عن سيطرة الحكومة السورية خلال السنوات الماضية، خصوصا في شرق الفرات، فإن الإنتاج الفعلي للنفط لا يزال محدودا للغاية، ورغم عودة سيطرة الدولة على هذه الحقول بعد اتفاق دمشق وقسد، فمن غير الممكن تصدير كميات كبيرة من النفط، والحديث عن عوائد بـ20 مليار دولار يبدو بعيدا عن الواقع، ما لم يكن يشمل تقديرات مستقبلية أو صفقات مع أطراف خارجية لم تُنفذ بعد.
الأرقام الرسمية الأخرى: ماذا تقول؟
مراجعة لبيانات 2025 الصادرة من الصحافة الاقتصادية الإقليمية تكشف أن سوريا وقعت خلال العام اتفاقيات ومذكرات تفاهم بقيمة تقارب 28 مليار دولار، معظمها في مجالات الطاقة والبنية التحتية والعقارات، ومن بينها اتفاقيات مع شركات سعودية وقطرية، إلا أن تنفيذ هذه المشاريع مرهون بظروف كثيرة، منها التمويل الفعلي، وتوافر بيئة قانونية آمنة للمستثمرين.
الرقم الأكثر واقعية الذي يمكن توثيقه هو الـ28 مليار دولار، وهي قيمة المشاريع المُعلنة لا المُنفذة، ومن هنا يمكننا استنتاج أن الرقم الحكومي المُعلن (56 مليار) هو مجموع التزامات محتملة، وربما مضاعفة غير مبررة لرقم الاتفاقيات المُعلنة فعلا.
ما وراء الأرقام: سياسة الرسائل الاستثمارية
في ظل عدم توافر بيانات دقيقة من المؤسسات السورية، وعدم وجود شفافية مالية، فإن التصريحات من هذا النوع تؤدي دورا سياسيا بامتياز، فهي محاولة لإرسال رسائل اطمئنان للمستثمر المحلي والدولي، لا سيما بعد محاولات متكررة لإعادة دمج سوريا في المنظومة الاقتصادية العربية من خلال المؤتمرات والمعارض الاستثمارية.
لكن الرسائل وحدها لا تصنع واقعا اقتصاديا، فالمستثمر الجاد بحاجة إلى نظام قضائي مستقل، وبنية تحتية مالية فاعلة، وسوق حر وآمن، وكلها عناصر لا تزال بعيدة المنال في سوريا اليوم.
تفاؤل رسمي يواجه واقعا قاتما
تصريحات طلال الهلالي تعكس رغبة الحكومة السورية في تصدير صورة متفائلة عن الاقتصاد الوطني، وربما أيضا رغبة في إثارة اهتمام مستثمرين محتملين في الخارج، لكن الواقع الاقتصادي لا يدعم هذه الأرقام بشكل فعلي.
تحتاج سوريا إلى استثمارات ضخمة لإعادة الإعمار، تُقدر وفق تقارير مستقلة بما يتجاوز 250 مليار دولار على مدى عقدين، ولتحقيق ذلك يجب البدء بإصلاحات هيكلية، قانونية وسياسية، تتجاوز حدود التصريحات الإعلامية.
الأرقام المعلنة أقرب إلى الأمنيات منها إلى الإنجازات، والتحدي الأكبر أمام سوريا في السنوات المقبلة ليس في توقيع المزيد من مذكرات التفاهم، بل في تحويل الوعود إلى مشاريع فعلية، والبيانات المُعلنة إلى تدفقات نقدية حقيقية، تُحدث فرقا ملموسا في حياة السوريين.
الاستثمار في سوريا: أرقام التفاؤل الرسمي في مواجهة واقع اقتصادي مقلق
الأرقام الأساسية المعلنة
مقارنة: الأرقام الرسمية مقابل الواقع
- استثمارات فعلية في 2025
- يشمل جميع القطاعات
- مستثمرون محليون وأجانب
- تنفيذ فعلي للمشاريع
- قيمة اتفاقيات ومذكرات تفاهم فقط
- لم يتم تنفيذ معظمها
- بيانات البنك الدولي: صفر أو غير منشورة
- تناقض مع المؤشرات الاقتصادية
مقارنة الأرقام الرسمية مع الواقع
توزيع الاستثمارات حسب القطاعات (حسب التصريحات الرسمية)
28 مليار دولار
20 مليار دولار
8 مليار دولار
مشاكل الأرقام الرسمية حسب القطاع
التحليل النقدي للأرقام
الرقم 56 مليار دولار يشمل “قيمة الاتفاقيات ومذكرات التفاهم” وليس الاستثمارات المنفذة فعلياً. هذا منهج شائع في الدول النامية لحساب المشاريع المحتملة كاستثمارات فعلية.
البنك الدولي وUNCTAD لا يسجلان أي تدفقات استثمارية تذكر لسوريا. بل إن البيانات غير منشورة لعدم توفر معلومات موثوقة من الداخل السوري.
السعودية (أكبر اقتصاد في المنطقة) جذبت 32 مليار دولار استثمار أجنبي مباشر في 2022. سوريا تعلن ضعف هذا الرغم لافتقارها للاستقرار السياسي والاقتصادي.
أكثر من 90% من السوريين تحت خط الفقر، والليرة السورية في انهيار مستمر، والبنية التحتية معطلة. لا يوجد طلب حقيقي على عقارات بقيمة 28 مليار دولار.
السياق الاقتصادي المقلق
يتم الإعلان عن هذه الأرقام في وقت:
- يعيش أكثر من 90% من السوريين تحت خط الفقر (تقارير الأمم المتحدة)
- الليرة السورية تواصل الانهيار التاريخي وتقلص القدرة الشرائية
- وجود نزيف سكاني وهجرة جماعية للكفاءات
- افتقار سوريا لـ بنية تحتية مصرفية فعالة
- عدم توفر بيئة قانونية آمنة للمستثمرين
الأهداف المستقبلية مقابل الواقع الإقليمي
الاستثمارات في قطاع النفط والغاز: الواقع المرير
20 مليار دولار إضافة للاقتصاد
- قطاع نفطي وغازي نشط
- إنتاج وتصدير كبير
- عوائد مالية ضخمة
- تطوير حقول نفطية
إنتاج محدود للغاية
- خروج معظم الحقول عن السيطرة لسنوات
- إنتاج فعلي محدود للغاية
- عدم إمكانية تصدير كميات كبيرة
- الحقول بحاجة لاستثمارات ضخمة لإعادة التشغيل
الخلاصة: بين الطموحات السياسية والواقع الاقتصادي
تصريحات المسؤولين السوريين تعكس رغبة في تصدير صورة متفائلة عن الاقتصاد الوطني، وإثارة اهتمام مستثمرين محتملين في الخارج. لكن هذه الأرقام أقرب إلى الأمنيات منها إلى الإنجازات.
سوريا تحتاج فعلياً إلى استثمارات تقدر بـ 250 مليار دولار على مدى عقدين لإعادة الإعمار، ولتحقيق ذلك يجب البدء بإصلاحات هيكلية، قانونية وسياسية، تتجاوز حدود التصريحات الإعلامية.
التحدي الأكبر ليس في توقيع المزيد من مذكرات التفاهم، بل في تحويل الوعود إلى مشاريع فعلية، والبيانات المُعلنة إلى تدفقات نقدية حقيقية.

