العدالة الانتقالية في سوريا: تفكيك مشروع القانون بين الطموح والمخاطر البنيوية

يمثل مشروع قانون العدالة الانتقالية السوري محاولة تشريعية طموحة للإجابة عن سؤال ما بعد الصراع، لكنه يكشف منذ بدايته إشكالية جوهرية، فكيف تُبنى عدالة جديدة في مجتمع منكوب من دون أن تتحول أدوات المحاسبة نفسها إلى إعادة إنتاج للعنف والهيمنة؟

من حيث الشكل، يقدم المشروع نفسه بوصفه إطارا قانونيا متكاملا لمعالجة إرث الانتهاكات الجسيمة، جامعا بين المحاسبة وكشف الحقيقة وجبر الضرر وإصلاح المؤسسات، وحفظ الذاكرة، وهي، المفردات الكبرى التي شكلت قاموس العدالة الانتقالية في تجارب دولية عديدة.

غير أن الإشكالية لا تكمن في طموح الوثيقة ولا في اتساع نطاقها، بل في المنطق الذي يحكم بنيتها، والتوازنات التي تختارها بين العدالة والسياسة، وبين التأسيس القانوني والاندفاع العقابي، فالسؤال الحقيقي الذي يفرض نفسه منذ السطور الأولى ليس ما إذا كان المشروع عادلا في نواياه، بل ما إذا كان قادرا بتركيبته الحالية على أن يتحول من نص تشريعي كثيف إلى إطار تأسيسي قابل للحياة في مجتمع منقسم، ومثقل بالذاكرة وحساس تجاه أي إعادة إنتاج للسلطة باسم العدالة.

الإفراط العقابي… حين تُستنسخ الدولة القديمة بأدوات جديدة

أبرز مواطن الضعف في المشروع هو النزوع العقابي المفرط، فالوثيقة لا تكتفي بتجريم واسع النطاق لانتهاكات جسيمة بل تذهب إلى حد الإبقاء على عقوبة الإعدام، وتوسيع دائرة الجرائم التي تستوجبها.

في أدبيات العدالة الانتقالية المقارنة، يتبلور على نحو متزايد إدراك مفاده أن الشرعية الجديدة لا يمكن أن تُبنى بالأدوات القصوى ذاتها التي اعتمدتها الدولة المنهارة، لأن ما يُفترض أن يكون قطيعة أخلاقية وقانونية مع الماضي يتحول، عند استنساخ منطق العقاب السيادي، إلى استمرار غير معلن له، فالدولة التي تسعى إلى استعادة ثقة مواطنيها لا تؤسس مشروعيتها عبر تضخيم سلطة العقاب، بل عبر إعادة تعريف حدودها، وإخضاعها لمنطق قانوني يُقيد القوة بدل أن يُعيد إطلاقها باسم العدالة.

عقوبة الإعدام ليست مجرد تفصيل جنائي؛ إنها تعبير عن فلسفة سيادية ترى في الدولة سلطة نهائية على الحياة والموت، وعندما يُعاد إنتاجها في قانون يُفترض أنه يؤسس لقطيعة أخلاقية مع الماضي، فإن الرسالة تصبح ملتبسة، فهل نحن أمام مشروع عدالة يقيد السلطة باسم القانون، أم أمام منطق محاسبة مفتوح قد يعيد تعريف الشرعية من خلال القوة بدل أن يضبطها؟

لغة الانتصار بدل لغة التأسيس

القانون، بطبيعته، ليس بيانا سياسيا، لكنه في مشروع القانون مشبع بخطاب إدانة سياسي مباشر؛ من “النظام البائد” و”الشعب الثائر” إلى “الظلم الأسدي”.
هذه اللغة مفهومة في سياق الذاكرة والصراع، لكنها إشكالية حين تُدرج في نص تشريعي يُفترض أن يكون إطارا جامعا.

التجارب الناجحة للعدالة الانتقالية من جنوب إفريقيا إلى تشيلي أظهرت أن القوانين التأسيسية تنجح حين تفصل بين واجب كشف الحقيقة كاملة، وبين إغراء تحويل القانون إلى أداة انتصار رمزي، لأن العدالة التي تُبنى على الغلبة تفقد قدرتها على التحول إلى شرعية مشتركة.

الخطورة هنا ليست أخلاقية بل سياسية، فالقانون الذي يُكتب بلغة المنتصر، يُقرأ دائما بوصفه قانون إقصاء من قبل الخاسرين أو المترددين، وفي مجتمع منقسم مثل سوريا، هذا ليس تفصيلا بل قنبلة شرعية مؤجلة.

مركزية مفرطة للهيئة… وعدالة تتحول إلى بيروقراطية

ينشئ المشروع هيئة وطنية للعدالة الانتقالية بصلاحيات واسعة، من تنسيق وإشراف وإنشاء لجان وقبول تمويل وإصدار توصيات ومتابعة تنفيذ، وحتى التأثير في المسارات القضائية وغير القضائية.

من حيث المبدأ، التنسيق ضروري، ولكن من حيث البنية، نحن أمام خطر واضح في تحويل العدالة الانتقالية إلى جهاز بيروقراطي مركزي، يحتكر الحقيقة والذاكرة والقرار.

العدالة الانتقالية تحتاج إلى تعددية مؤسساتية، وتوازن دقيق بين القضاء والمجتمع المدني والذاكرة المجتمعية، و التمركز الزائد لا يسرع العدالة، بل يجعلها عرضة للتسييس، ولتبدل المزاج السياسي، وربما للشلل الكامل عند أول أزمة.

خلط غير محسوب بين العدالة الانتقالية والشرعية الثورية

الوثيقة تفترض، ضمنيا، أن العدالة الانتقالية هي امتداد مباشر للشرعية الثورية، وهذا الافتراض مفهوم سياسيا، لكنه إشكالي قانونيا.

العدالة الانتقالية، في جوهرها، ليست عدالة المنتصر ولا امتدادا لصراع انتهى شكليا، بل هي المرحلة الرمادية بين الانهيار والتأسيس، حيث تُعاد صياغة معنى الدولة والشرعية والقانون في مجتمع ما زال مثقلا بالذاكرة والانقسام، وعندما تُربط هذه العدالة بكليتها بسردية واحدة، مهما بدت عادلة أخلاقيا، فإنها تفقد قدرتها على التحول إلى عقد اجتماعي جديد، لأنها تنتقل من كونها إطارا جامعا لإدارة الخلاف والذاكرة إلى أداة لتكريس قراءة واحدة للماضي، بما يحد من قابليتها للقبول والاستدامة.

هنا تبرز المعضلة؛ فهل الهدف هو تصفية الماضي أم إعادة تعريف الدولة؟
المشروع يميل بقوة إلى الخيار الأول، ويظهر ذلك على سبيل المثال في الإبقاء على عقوبة الإعدام ضمن منظومة العدالة الانتقالية وتوسيع نطاق الجرائم التي تُطبق عليها، ما يجعل من العقاب الغاية المركزية للمسار الانتقالي، ويتعزز هذا الميل من خلال لغة الإدانـة المكثفة التي يعتمدها المشروع، ولا سيما توصيفاته السياسية المباشرة، التي تُدرج في صلب مواد قانونية يُفترض أن تؤسس لإطار جامع.

العدالة الانتقالية الناجحة تفعل العكس، فلا تتجاهل الماضي ولا تُخفف من جسامة الانتهاكات، لكنها تستخدمه بوصفه مادة لإعادة هندسة المستقبل، عبر ضبط اللغة، وتقييد سلطة العقاب، وإعادة تعريف الشرعية على أسس دستورية ومجتمعية أوسع.

الغائب الأكبر… الدستور

رغم الإشارة إلى “الإعلان الدستوري” فإن المشروع لا يقدم تصورا واضحا لكيفية:

  • ترجمة نتائج لجان الحقيقة إلى نصوص دستورية.
  • ربط الإصلاح المؤسساتي بضمانات دستورية دائمة.
  • تحويل الذاكرة الوطنية إلى التزام دستوري لا إلى سياسة عامة قابلة للتغيير.

هذه فجوة خطيرة لأن العدالة الانتقالية إن لم تُستثمر دستوريا، تتحول إلى مرحلة مؤقتة بلا أثر تأسيسي، وتصبح كل “الإنجازات” من المحاكمات والتعويضات والذاكرة عرضة للانتكاس عند أول تحول سياسي.

قانون قوي… لكنه مثقل بنفسه

مشروع قانون العدالة الانتقالية السوري يعاني من مأزق كلاسيكي، فهو يريد أن يفعل كل شيء، فيفقد القدرة على اختيار ما هو تأسيسي فعلا.

الإفراط العقابي واللغة السياسية والمركزية المؤسسية، وغياب الأفق الدستوري كلها عناصر تُضعف قدرة القانون على أن يكون جسرا بين سوريا التي انهارت وسوريا التي لم تولد بعد.

العدالة الانتقالية ليست اختبارا للأخلاق، بل امتحان للسياسة الذكية، وفي سوريا لا يكفي أن يكون القانون عادلا؛ يجب أن يكون قابلا للعيش، والاستمرار، والتحول إلى شرعية مشتركة.

العدالة الانتقالية في سوريا – رسم بياني تحليلي

العدالة الانتقالية في سوريا: تحليل بياني

تحليل مرئي للإشكاليات البنيوية في مشروع القانون الانتقالي

توزيع الإشكاليات البنيوية

نسبة التركيز على الجوانب

مستوى خطورة الإشكاليات

مقارنة مع التجارب الدولية

مقارنة منهجيات العدالة

تحليل مقارن

المعيار جنوب إفريقيا المشروع السوري
التركيز الرئيسي المصالحة العقاب
لغة النص محايدة تشاركية انتصارية
الأفق الدستوري قوي ومتكامل ضعيف/غائب

تحليل الفجوات والتحديات

فجوات المشروع مقابل المتطلبات

توقعات استدامة النتائج

الخلاصة والتوصيات

إعادة التوازن

تقليل التركيز على الجانب العقابي وزيادة التركيز على الجوانب التأسيسية.

تحييد اللغة

استبدال اللغة الانتصارية بلغة قانونية محايدة تسمح بقبول أوسع.

ربط دستوري

ربط نتائج العدالة الانتقالية بضمانات دستورية دائمة.

تأثير التوصيات على نجاح العدالة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *