شكلت الأحداث التي طالت قرية الغور الغربية في ريف حمص الغربي لحظة كاشفة في مسار العمليات الأمنية التي تشهدها المنطقة؛ ليس فقط بفعل ما انطوت عليه من اقتحامات واعتقالات ونزوح قسري للسكان، بل بسبب ما تكشفه من استخدام واع للمجال الجغرافي بوصفه أداة حكم.
توثيقات المنظمات دولية وحقوقية، تضع قراءة مختلفة فالعمليات تعيد تعريف القرية من كونها فضاء اجتماعيا مأهولا إلى مجال خاضع لإجراءات ضبط قسرية، حيث لا تُمارس السلطة عبر القانون أو المؤسسات، بل عبر إعادة تنظيم العلاقة بين السكان والمكان باستخدام العنف والخوف.
تتجاوز حادثة الغور الغربية طابعها المحلي لتغدو مثالا على منطق أوسع يمكن وصفه بـ”الضبط المكاني”، والتحكم بالمجال عبر السيطرة على سكانه، وليس عبر إدارتهم بل إزاحتهم أو تفكيك حضورهم الجماعي، فلا يعود النزوح نتيجة عرضية للاشتباكات، بل مخرجا متوقعا ومُنتجا سلفا ضمن منطق أمني يرى في السكان أنفسهم متغيرا قابلا لإعادة التوزيع.
من إنفاذ الأمن إلى إعادة تشكيل المجال
تشير تقارير حقوقية دولية إلى أن العمليات التي نُفذت في ريف حمص الغربي اتسمت بنمط متكرر عبر تطويق جغرافي، واقتحامات واسعة، واعتقالات تعسفية، واستخدام مفرط للقوة، ثم فراغ سكاني جزئي أو كامل، وهذا التسلسل، حين يُقرأ من زاوية حقوقية بحتة، يكشف انتقالا من مفهوم الأمن بوصفه حماية للسكان إلى الأمن كآلية لإعادة هندسة المجال.
الضبط المكاني، وفق هذا التصور، لا ينصرف إلى ملاحقة أفراد بعينهم بقدر ما يستهدف الجماعة في صلتها العضوية بالمكان، فالعقاب لا يُبنى على الفعل، بل على الوجود الجغرافي ذاته، حيث يُعاد تعريف البيت والقرية والحي من فضاءات للعيش والاستقرار إلى وحدات اشتباه دائمة، فلا يعود السكن حقا، بل عبئا أمنيا، وتغدو الجغرافيا قرينة إدانة بحد ذاتها، وهذا ما يفسر، كما تشير المنظمات الحقوقية، الطابع الجماعي للعقاب، وذوبان الحدود بين المدني والمقاتل، وبين السلوك الفردي والانتماء المكاني، في منطق يُجرد السكان من صفتهم المدنية ويحولهم إلى كتلة قابلة للعقاب والإزاحة بوصفها جزءا من المجال لا من المجتمع.
التهجير بوصفه تقنية حكم
تؤكد تقارير أممية أن التهجير القسري، عندما يكون نتيجة متوقعة لسلسلة من الإجراءات القمعية، لا يمكن فصله عن نية سياسية أو أمنية، ففي الغور الغربية وقرى أخرى مجاورة، وثقت منظمات حقوق الإنسان نزوحا جماعيا أعقب عمليات أمنية متكررة، ترافق مع نهب ممتلكات، وتدمير جزئي للمنازل، وغياب أي ضمانات للعودة الآمنة.
لا يظهر التهجير كفشل في حماية المدنيين، بل كأداة فعالة لإعادة ترتيب المجال، فإفراغ المكان من سكانه، ولو مؤقتا، يخلق واقعا جديدا، فتظهر قرى صامتة وفضاءات خاضعة وسكان موزعين في حالة هشاشة دائمة، وهذا ما تصفه تقارير حقوقية بأنه أحد أخطر أشكال انتهاك الحق في السكن، لأنه لا يقتصر على فقدان المنزل، بل يقطع الصلة بين الفرد ومجاله الاجتماعي.
الطابع الممنهج والانتهاكات المركبة
ما يمنح هذه العمليات خطورتها الخاصة هو طابعها الممنهج، كما تؤكد منظمات دولية مستقلة، فالتكرار الجغرافي والزماني، وتشابه الأساليب، وغياب المساءلة، كلها عناصر تشير إلى سياسة أمر واقع، لا إلى تجاوزات فردية، وتضع هذه المنظمات ما جرى ضمن إطار “الانتهاكات المركبة”، حيث تتقاطع الاعتقالات التعسفية مع القتل خارج نطاق القانون، والتهجير القسري مع تدمير الممتلكات.
من منظور القانون الدولي الإنساني، تكتسب هذه الممارسات خطورتها القصوى لأنها تنقل العنف من استهداف الأفراد إلى استهداف المكان بوصفه حاملا للحياة المدنية، فحين تتحول القرية إلى مجال للعقاب، لا عبر أفعال محددة بل عبر إخضاعها الشامل، يصبح المجال الجغرافي ذاته أداة عنف، وهذا النمط يتعارض مباشرة مع مبدأ حماية السكان المدنيين المنصوص عليه في المادة (27) من اتفاقية جنيف الرابعة، التي تكفل احترام الأشخاص المدنيين وحقوقهم الأساسية، كما يصطدم بحظر العقاب الجماعي الوارد في المادة (33) من الاتفاقية نفسها.
القرية، في هذه الحالة، لا تُعاقب فقط عبر ما يلحق بسكانها من قتل أو اعتقال أو تهجير، بل عبر تفكيك بنيتها الاجتماعية وتقويض شروط الحياة الجماعية فيها، ودفع سكانها إلى الرحيل تحت ضغط الخوف المستدام وانعدام الأمان، في انتهاك واضح للالتزامات الدولية التي تحظر التهجير القسري، إلا في أضيق الظروف الاستثنائية، كما نصت المادة (49) من اتفاقية جنيف الرابعة.
الجغرافيا بوصفها مسرحا للحكم
تحذر تقارير أممية من أن مناطق مثل ريف حمص الغربي، بحكم موقعها الجغرافي، تتحول إلى فضاءات اختبار لسياسات الضبط المكاني، فالتحكم بهذه المناطق لا يعني فقط السيطرة العسكرية، بل ضمان إخضاعها اجتماعيا عبر كسر الروابط بين السكان وأرضهم.
لا يعود المجال الجغرافي مجرد إطار تجري داخله ممارسة السلطة، بل يتحول إلى أحد عناصرها التكوينية، فالمكان يُدمج في معادلة الحكم بوصفه أداة فرز وإخضاع، وتغدو القرى وحدات أمنية غير مُعلنة، تُدار بمنطق استثنائي خارج القواعد القانونية الناظمة، فيُعاد تعريف السكان لا بوصفهم أصحاب حقوق، بل بوصفهم عناصر قابلة للتصنيف عبر من يُسمح له بالبقاء ومن يُدفع إلى النزوح، لا استنادا إلى أفعال فردية مثبتة، بل إلى معايير فضفاضة مرتبطة بالانتماء المكاني ذاته، فيُستبدل القانون بإجراءات أمنية مفتوحة، وتُدار حياة السكان ضمن حالة دائمة من التعليق القانوني، حيث يُنتج القرار الأمني خريطة سكانية جديدة دون رقابة قضائية أو مساءلة مؤسسية.
الأثر الإنساني: ما بعد النزوح
في هذا المعنى، لا يعود المجال الجغرافي مجرد إطار محايد تُمارس داخله السلطة، بل يتحول إلى أحد عناصرها التكوينية وأدواتها المباشرة، فالمكان يُدمج في معادلة الحكم بوصفه وسيلة فرز وإخضاع، وتغدو القرى وحدات أمنية غير مُعلنة، تُدار وفق منطق استثنائي يتجاوز القواعد القانونية الناظمة ويعلقها عمليا، فلا تُدار الجغرافيا باعتبارها مجالا للحياة المدنية، بل بوصفها فضاء قابلا لإعادة الضبط وفق مقتضيات أمنية مفتوحة.
يُعاد تعريف السكان لا بوصفهم أصحاب حقوق ثابتة، بل كعناصر قابلة للتصنيف والإزاحة، وتقرر من يُسمح له بالبقاء ومن يُدفع إلى النزوح، لا استنادا إلى أفعال فردية مثبتة أو مسؤوليات قانونية محددة، بل إلى معايير فضفاضة ترتبط بالانتماء المكاني ذاته. هكذا يُستبدل القانون بسلسلة من الإجراءات الأمنية غير المقننة، وتُدار حياة السكان ضمن حالة دائمة من التعليق القانوني، حيث لا ينتج القرار الأمني استجابة ظرفية، بل يعيد رسم الخريطة السكانية على نحو تدريجي، خارج أي رقابة قضائية أو مساءلة مؤسسية.
عندما يتحول المكان إلى ضحية
تكشف حادثة الغور الغربية، كما توثقها المنظمات الدولية وحقوق الإنسان، عن تحول عميق في طبيعة الصراع من نزاع على السلطة إلى نزاع على المجال، ففي هذا النموذج، لا تُمارس القوة فقط ضد الأفراد، بل ضد علاقتهم بالمكان، وضد حقهم في الاستقرار والانتماء.
الضبط المكاني هنا ليس مجرد سياسة أمنية، بل شكل من أشكال الحكم عبر الإزاحة، وحين يغيب الردع الدولي والمساءلة، يتحول هذا النموذج إلى سابقة قابلة للتكرار، لا في ريف حمص وحده، بل في أي فضاء يُعاد تعريفه بوصفه “مشكلة أمنية”.
ويبقى السؤال مفتوحا: إلى أي حد يمكن أن تتحول الجغرافيا، من فضاء للحياة والاستقرار، إلى أداة للعقاب والإزاحة، يُعاد من خلالها إنتاج العنف بوصفه بنية دائمة لا حدثا عارضا؟
الضبط المكاني كأداة سلطة
قراءة حقوقية في عمليات ريف حمص الغربي – تحليل تفاعلي لتوثيقات المنظمات الدولية والحقوقية
التطويق الجغرافي
المرحلة الأولى: تطويق القرى والمناطق المستهدفة عسكرياً، وعزل المجال الجغرافي عن محيطه.
الاقتحامات الواسعة
المرحلة الثانية: اقتحام المنازل والمباني العامة، وفرض السيطرة المباشرة على الفضاءات الحضرية.
الاعتقالات التعسفية
المرحلة الثالثة: اعتقالات جماعية تستهدف الذكور البالغين بشكل أساسي، دون تهم محددة أو ضمانات قانونية.
استخدام القوة المفرطة
المرحلة الرابعة: استخدام غير متناسب للقوة، وإطلاق نار عشوائي، وتهديد مباشر لحياة المدنيين.
التدمير الجزئي للممتلكات
المرحلة الخامسة: تدمير منازل وممتلكات المدنيين، ونهب محتوياتها، وحرق المحاصيل الزراعية.
إفراغ المكان من السكان
المرحلة السادسة: نزوح قسري للسكان، وخلق فراغ ديموغرافي، وإعادة رسم الخريطة السكانية للمنطقة.
النتائج الرئيسية للتحليل الحقوقي
الانتقال من حماية السكان إلى هندسة المجال
تتحول عمليات الضبط المكاني من مفهوم الأمن التقليدي كحماية للسكان إلى آليات لإعادة تشكيل المجال الجغرافي وعلاقة السكان به.
المجال الجغرافي كقرينة إدانة
في منطق الضبط المكاني، يتحول الانتماء الجغرافي ذاته إلى أساس للعقاب، دون الحاجة إلى إثبات أفعال فردية.
التهجير كتقنية حكم
لا يظهر التهجير كفشل في حماية المدنيين، بل كأداة فعالة لإعادة ترتيب المجال وخلق واقع ديموغرافي جديد.
الانتهاكات المركبة والممنهجة
تشير الأدلة إلى طابع ممنهج لهذه العمليات، مع تداخل انتهاكات متعددة تشكل خروقات مركبة للقانون الدولي الإنساني.
الانتهاكات القانونية في إطار الضبط المكاني
انتهاك المادة 27 من اتفاقية جنيف الرابعة
خرق مبدأ حماية السكان المدنيين واحترام حقوقهم الأساسية، حيث تحولت القرى إلى مجالات للعقاب الجماعي.
انتهاك المادة 33 (حظر العقاب الجماعي)
العقاب الجماعي للسكان بناء على انتمائهم الجغرافي دون تمييز بين المدنيين والمقاتلين.
انتهاك المادة 49 (حظر التهجير القسري)
التهجير القسري للسكان خارج الظروف الاستثنائية الضيقة التي يسمح بها القانون الدولي الإنساني.
انتهاك الحق في السكن اللائق
التعدي على الحق في السكن لا عبر تدمير المنازل فقط، بل عبر تقويض شروط الحياة الجماعية والاستقرار الاجتماعي.
الخاتمة: الجغرافيا بوصفها مسرحاً للحكم
تكشف عمليات الضبط المكاني في ريف حمص الغربي عن تحول عميق في طبيعة ممارسة السلطة، حيث لم يعد المجال الجغرافي مجرد إطار محايد تُمارس داخله السلطة، بل تحول إلى أحد عناصرها التكوينية وأدواتها المباشرة. في هذا النموذج، يُعاد تعريف السكان لا بوصفهم أصحاب حقوق ثابتة، بل كعناصر قابلة للتصنيف والإزاحة وفق منطق أمني مفتوح.
“إلى أي حد يمكن أن تتحول الجغرافيا، من فضاء للحياة والاستقرار، إلى أداة للعقاب والإزاحة، يُعاد من خلالها إنتاج العنف بوصفه بنية دائمة لا حدثا عارضا؟”

