الفنانون السوريون والسياسة بعد 2024: قراءة نقدية في الموقف والصمت

في لحظات التحول الكبرى، لا يعود السؤال ماذا قال الفنان؟ بل ما الذي جعل قوله ممكنا الآن؟ فالكلام لا يُقاس هنا بجرأته أو حدته، بل بشروط ظهوره؛ باللحظة التي سمحت له أن يُقال وبالبنية التي احتوته، فالتصريح لا يولد من فراغ، بل من تصدع في النظام الثقافي، ومن إعادة ترتيب للعلاقة بين القول والسلطة، والصوت والذاكرة، والفرد والزمن.

لا تُقرأ تصريحات الفنانين بوصفها آراء فردية أو مواقف معزولة، بل علامات؛ إشارات داخل نظام دلالي أوسع، تتجاوز نوايا قائلها لتدخل في لعبة المعنى العام، فيصبح الفنان نصا قابلا للتأويل، وموقفه هامشا يُعاد قراءته، وصمته جملة كاملة مكتفية بذاتها، فحتى الامتناع عن الكلام لا يعود حيادا، بل يتحول إلى بلاغة مخصوصة، تقول بغيابها أكثر مما يقوله الحضور، وتكشف—من حيث لا تقصد—حدود الممكن وحدود الاعتراف.

تحول شروط القول: من لحظة النطق إلى أفق القراءة

ما شهدته الساحة السورية في عام 2025 ليس انفجارا مفاجئا للكلام، بل انتقالا هادئا في شروط ظهوره وتلقيه، فالموقف السياسي للفنان، الذي تشكل تاريخيا ضمن منظومة معقدة من الأعراف والسياقات والاعتبارات العامة، وجد نفسه في لحظة مختلفة، لا لأن ما كان سابقا انهار، بل لأن الإطار الذي يمنحه معناه تبدل، ولم يعد القول يُقاس فقط بما يقوله، بل بما يتيحه الزمن الجديد من إمكانات للفهم والتأويل، وبالمسافة التي تفصل بين لحظة النطق ولحظة الاستقبال.

صار كل تصريح أو امتناع عنه مادة قراءة أكثر منه حدثا بحد ذاته، فالقراءة هنا لا تبحث عن الاتهام، بل عن الدلالة؛ لماذا قيل هذا الكلام بهذه الصيغة؟ ولماذا في هذا التوقيت تحديدا؟ وكيف يُعاد إدراجه ضمن مسار سابق لم يعد يُستدعى بوصفه ماضيا مغلقا، بل بوصفه طبقة من المعنى تُعاد قراءتها على ضوء الحاضر؟ فيتحول الموقف السياسي للفنان من فعل آني إلى نص زمني، تتداخل فيه الاستمرارية مع التحول، دون أن يُختزل أحدهما في نفي الآخر.

ثبات الموقف أم تغير اللغة؟ من الاحتجاج إلى التقنين

الفنان السوري لم يعد ذاتا حرة تتكلم، بل ذاتا مُستعادة، يُعاد تأويلها بأثر رجعي، فماضيه يُستدعى لا بوصفه أرشيفا، بل كاتهام؛ وأعماله تُقرأ لا كإبداع، بل كقرائن، ويصبح التصريح السياسي ليس موقفا آنيا، بل حلقة ضمن سردية طويلة عن التواطؤ، أو المقاومة، أو المواربة.

لنتأمل نموذج الفنان الذي حافظ على موقفه المعارض منذ بدايات الاضطراب، ثم وجد نفسه في عام 2025 يتحدث عن العدالة الانتقالية، فلا تكمن المسألة في مضمون الموقف، بل في اللغة التي اختار أن يصوغ بها موقفه، فالفنان، وهو يدخل معجم السياسة، لا ينقل رأيا فحسب، بل يستعير جهازا لغويا كاملا من مفردات وإيقاع ومنطق في الحُجة، فما كان يُقال سابقا بلغة أخلاقية أو وجدانية، بات يُقال بلغة إجرائية أقرب إلى الخطاب السياسي–القانوني.

هذا التحول لا يعني بالضرورة نضجا أو تراجعا، بل يكشف انتقال الفنان من موقع الشاهد إلى موقع المتدخل في المجال العام، وهذا الانتقال ليس بلا ثمن؛ فحين يعتمد الفنان لغة السياسة، فإنه يخضع لقواعدها، ويقبل ولو ضمنيا بمقاييسها في الوضوح والاتساق والمسؤولية وعند هذه النقطة، لم يعد كافيا أن يكون الموقف صادقا أو منسجما مع سيرة سابقة، بل يصبح مطالبا بأن يكون قابلا للمساءلة، تماما كما تُساءل الخطابات السياسية نفسها، فلا تتغير القناعة، لكن يتغير موقعها من تعبير رمزي مفتوح، إلى خطاب عام يُطالب بأن يبرر نفسه داخل حقل السلطة والمعنى.

الدفاع المشروط: القانون بوصفه درعا لغويا

فئة أخرى من الفنانين انتقلت من الدفاع المطلق عن السلطة إلى دفاع مشروط بلغة القانون، وهذا التحول، في ظاهره، يُقرأ بوصفه مراجعة أو تقدما في الوعي، لكنه في العمق يكشف انزلاقا من موقع أخلاقي مهما كان محل خلاف إلى توظيف تقني للخطاب القانوني الذي يستخدم أداة ضبط لغوي لإعادة تنظيم الموقف لا لمساءلته.

تتحول عبارة من قبيل “ليحاكم الجميع بقانون عادل” إلى صيغة محايدة ظاهريا، لكنها مشبعة سياسيا؛ صيغة تُفرغ الموقف من توتره الأخلاقي، وتؤجل السؤال الجوهري بدل مواجهته، وهنا تكمن مفارقة تسييس الفن فبدل أن يحافظ الفنان على مسافته النقدية من السلطة، يستعير لغة السلطة نفسها ولو في صورتها القانونية فيخضع لمنطقها، ويحول القانون من أداة مساءلة إلى مظلة رمزية تتيح إعادة ترتيب الزمن، لا فتحه على ما لم يُحسم بعد.

الأكثر دلالة، موقف الصمت، فهو ليس غيابا للكلام، بل امتلاء بالمعنى، فحين يختار فنان ذو رمزية عالية ألا يقول شيئا بعد سقوط النظام، فإن هذا الامتناع لا يُقرأ كحذر، بل كاستمرار لوظيفة “الرمز المعلق”، فالصمت يصبح تصريحا مؤجلا إلى أجل غير مسمى، لكنه في الوقت ذاته اعتراف ضمني بالعجز عن إنتاج خطاب جديد يتناسب مع الزمن الجديد.

الانسحاب من السياسة: حين تصبح السلامة الفردية موقفا عاما

أما الفنانون الذين أعلنوا انسحابهم من السياسة، فهنا نكون أمام مفارقة دلالية، فالانسحاب موقف سياسي، وإعلان عن أولوية السلامة الفردية على الذاكرة الجمعية، لكنه أيضا إعادة تعريف لدور الفنان من شاهد إلى محترف، ومن ذات أخلاقية إلى مزاول مهنة، وهذا التحول لا يمكن فصله عن اقتصاد ما بعد الحرب، حيث تعود السوق لتفرض شروطها، ويُعاد ترتيب القيم وفق منطق الإنتاج لا الموقف.

كثير من التصريحات في 2025 لم تأت عبر مقابلات رسمية، بل عبر منصات التواصل الاجتماعي، وهذه المساحة، التي تبدو حرة، هي في الواقع فضاء كثيف الدلالة، فالجملة القصيرة والمشحونة بالعاطفة وغير المؤطرة نظريا، تسمح للفنان بأن يقول دون أن يلتزم، إنها لغة متأرجحة؛ ليست بيانا سياسيا، ولا صمتا، بل إيماءة في زمن يصبح التحول أخطر من الخطاب، فهي قابلة للتأويل اللانهائي.

 الجمهور بوصفه قاضيا: من الاستهلاك إلى المساءلة

هناك أسطورة جديدة للفنان بوصفه كائنا أخلاقيا مُطالبا بالتبرير، فلم يعد يكفي أن يكون موهوبا، أو محبوبا، أو مؤثرا، وعليه أن يشرح ويبرر ويضع مسافة واضحة بينه وبين ماضيه، والجمهور لم يعد مستهلكا، بل قاضيا والذاكرة لم تعد خلفية، بل أداة مساءلة.

لكن الخطر في هذا المسار يكمن في تحويل الفن إلى محكمة، والفنان إلى متهم دائم، فبين المحاسبة الضرورية، والتطهير الرمزي، مسافة دقيقة، فحين يُطلب من الفنان أن يعتذر كي يُسمح له بالكلام، نكون أمام إعادة إنتاج لسلطة جديدة صرامة وبشعارات مختلفة.

ما تكشفه ظاهرة الموقف السياسي للفنانين السوريين في 2025 ليس فقط انقساما في الآراء، بل أزمة في المعنى تتعلق بسؤال ما وظيفة الفن بعد الأزمات؟ هل هو ذاكرة؟ أم عزاء؟ أم شهادة؟ أم سلعة؟ كل موقف سياسي، في هذا السياق، هو إجابة جزئية على هذا السؤال، أو محاولة للتهرب منه.

 لا يمكن قراءة هذه الظاهرة بلغة الأبيض والأسود، فالتاريخ لا يُكتب بخط مستقيم، والمواقف لا تتغير دفعة واحدة، وما نراه فسيفساء من التحولات، لكن الأكيد أن الفنان السوري صار جزءا من نص أكبر يحاول مجتمع بأكمله إعادة كتابته، وسط ركام الذاكرة، وتحت ضغط السؤال الذي لا يهدأ؛ أين كنت؟ وماذا تفعل الآن؟

الفنان السوري بين الصمت والاعتراف: تفكيك الموقف السياسي

الفنان السوري بين الصمت والاعتراف: تفكيك الموقف السياسي بعد لحظة السقوط

تحليل تفاعلي لتحولات الخطاب الفني في السياق السياسي المتغير
“في لحظات التحول الكبرى، لا يعود السؤال ماذا قال الفنان؟ بل ما الذي جعل قوله ممكنا الآن؟”

الكلام لا يُقاس بجرأته، بل بشروط ظهوره؛ باللحظة التي سمحت له أن يُقال وبالبنية التي احتوته. كل تصريح أو صمت أصبح مادة قراءة، علامة داخل نظام دلالي أوسع يتجاوز نوايا قائله.

تحول شروط القول: من لحظة النطق إلى أفق القراءة

كيف تغيرت شروط الخطاب الفني بين 2011 و2025؟

📊 قراءة التحول

ما شهدته الساحة السورية في 2025 ليس انفجاراً مفاجئاً للكلام، بل انتقالاً هادئاً في شروط ظهوره وتلقيه. الموقف السياسي للفنان تشكل تاريخياً ضمن منظومة معقدة من الأعراف والسياقات، ووجد نفسه في لحظة مختلفة لأن الإطار الذي يمنحه معناه تبدل. لم يعد القول يُقاس فقط بما يقوله، بل بما يتيحه الزمن الجديد من إمكانات للفهم والتأويل.

أنماط المواقف: من الاحتجاج إلى التقنين

توزيع المواقف السياسية للفنانين السوريين في 2025

المعارض المتحول

حافظ على معارضته لكن بصيغة قانونية-إجرائية. انتقل من لغة أخلاقية إلى خطاب سياسي-قانوني، من موقع الشاهد إلى موقع المتدخل في المجال العام.

المدافع المشروط

انتقل من الدفاع المطلق إلى دفاع مشروط بلغة القانون. يستعير الخطاب القانوني كأداة ضبط لغوي لإعادة تنظيم الموقف لا لمساءلته.

الصامت الرمزي

صمت ليس غياباً للكلام بل امتلاء بالمعنى. يحافظ على وظيفة “الرمز المعلق” ويعترف ضمنياً بالعجز عن إنتاج خطاب جديد.

أعلن انسحابه من السياسة كموقف سياسي. أعاد تعريف دوره من شاهد إلى محترف، ومن ذات أخلاقية إلى مزاول مهنة.

ثبات الموقف أم تغير اللغة؟ تحولات الخطاب

كيف تغيرت لغة التعبير عن الموقف السياسي؟

من الأخلاقي إلى القانوني

ما كان يُقال بلغة وجدانية أو أخلاقية، بات يُقال بلغة إجرائية أقرب إلى الخطاب السياسي-القانوني.

من الرمزي إلى المسؤول

لم يعد كافياً أن يكون الموقف صادقاً، بل أصبح مطالباً بأن يكون قابلاً للمساءلة داخل حقل السلطة والمعنى.

من البيان إلى الإيماءة

التصريحات عبر منصات التواصل أصبحت إيماءات قابلة للتأويل اللانهائي، ليست بياناً سياسياً ولا صمتاً.

ديناميكيات القول والصمت: مقارنة تفاعلية

العلاقة بين أنواع الخطاب ودرجة المساءلة المجتمعية
قبل 2011
الفنان كرمز وطني

الخطاب ضمن أطر رسمية، الصمت كتواطؤ ضمني، المسافة النقدية محدودة

2011-2018
تسييس الخطاب الفني

انقسام حاد، لغة الاحتجاج والأخلاقيات، الموقف كقيمة وجودية

2019-2024
مرحلة التمهل والمراجعة

بحث عن صيغ جديدة، بداية التحول نحو الخطاب القانوني، استعادة الذاكرة

2025
لحظة السقوط وإعادة التشكيل

تحول في شروط القول، الجمهور كقاضٍ، الصمت كموقف، الانسحاب كخيار

سياقات التأثير: العوامل المؤثرة في تشكيل الموقف

كيف تؤثر السياقات المختلفة على خطاب الفنان؟

القراءة النقدية

ما تكشفه ظاهرة الموقف السياسي للفنانين السوريين في 2025 ليس فقط انقساماً في الآراء، بل أزمة في المعنى تتعلق بسؤال: ما وظيفة الفن بعد الأزمات؟ هل هو ذاكرة؟ أم عزاء؟ أم شهادة؟ أم سلعة؟ كل موقف سياسي هو إجابة جزئية على هذا السؤال، أو محاولة للتهرب منه.

الخطر الأكبر: تحويل الفن إلى محكمة، والفنان إلى متهم دائم. بين المحاسبة الضرورية والتطهير الرمزي مسافة دقيقة.

خطاب المعارضة والاحتجاج
خطاب القانون والمراجعة
الصمت كموقف رمزي
الانسحاب والمهنية
الخطاب الأخلاقي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *