في الزمن الراهن، تبدو السماء السورية مفتوحة على نحو يكاد يكون مطلقا: طائرات تعبر، وصواريخ تُطلق، ومسارات جوية تُرسم من خارج الحدود أكثر مما تُفرض من داخلها، هذا الانفتاح، الذي يُقرأ اليوم بوصفه نتيجة حروب واستنزاف طويل، لم يكن دائما واقعا مسلما به، قبل سنوات قليلة فقط، كانت السماء ذاتها تُدار بمنطق مختلف، أكثر حذرا وأثقل كلفة، حيث لم يكن العبور فعلا تقنيا بحتا، بل قرارا سياسيا–عسكريا يُحسب بميزان الرد والتبعات.
في صباح شتوي صاف من10 شباط 2018، عادت تلك السماء لتكشف، ولو لحظة، عن طبقة أعمق من تاريخها، لم تكن مجرد مسرح لطلعة جوية عابرة، بل مرآة مكثفة لذاكرة طويلة من الاحتكاك والحدود الصلبة والمعادلات غير المتكافئة، ما جرى في ذلك اليوم لم يكن حادثا تقنيا، ولا اشتباكا تكتيكيا معزولا، بل لحظة جيوستراتيجية كثيفة، تُفهم بدقة أكبر حين تُقرأ من زاوية المكان والزمن، لا من زاوية عدد الطائرات أو نوع الصواريخ.
مسار الدخول… ودلالته
دخلت الطائرات الإسرائيلية الأجواء السورية في ذلك الصباح من الاتجاه الغربي، عبر المجال الجوي اللبناني، وهو مسار مألوف في العمليات الجوية الإسرائيلية، يتيح العمل من عمق جغرافي آمن نسبيا، ويُبقي مسافة عن خطوط التماس المباشر فوق الجولان، لكن اختيار هذا المسار لم يكن مجرد قرار طيراني؛ بل طريقة إدارة الصراع عبر الضرب من الأطراف، وتجنب الاحتكاك المباشر حيث تكون الرمزية السياسية أعلى.
غير أن الدخول من الغرب لا يعني الدخول إلى فراغ، فالسماء السورية، حتى في أكثر مراحل الحرب تعقيدا، لم تكن بلا ذاكرة، فهي فضاء رُصد طويلا، وتعلم الدفاع الجوي السوري أن يتعامل معه بوصفه ممرا محتملا للتهديد، لا مجرد هوامش بعيدة عن المركز.
الجنوب السوري: الجغرافيا التي لا تسمح بالحياد
الجنوب السوري، الممتد من محيط دمشق حتى تخوم الجولان، ليس مجرد مسرح عمليات؛ إنه عقدة جغرافية حيث تتقاطع الجبال بالسهول، وتضيق المسافات بين الرادار والهدف، والقرار السياسي ورد الفعل العسكري، في هذا الحيز، لا مجال للخطأ المريح، ولا للانسحاب الصامت.
عندما اقتربت الطائرات من مواقع عسكرية سورية حساسة — قواعد، مراكز قيادة، وبنى دفاعية — لم تكن هذه المواقع مجرد نقاط على خريطة، بل تمثل جوهر فكرة الدولة عن نفسها في حماية العمق، ولو بوسائل محدودة، ولو تحت ضغط التفوق الجوي المعادي.
لحظة القرار: إطلاق النار كفعل سيادي
إطلاق صواريخ الدفاع الجوي لم يكن رد فعل عشوائيا، ففي العقيدة السورية، كما في معظم الجيوش التي عاشت تجربة التفوق الجوي المعادي، لا يُفتح نيران الدفاع الجوي إلا حين تتقاطع ثلاثة عناصر: التهديد والقدرة والقرار، في 10 شباط 2018، التقت العناصر الثلاثة.
الصواريخ التي انطلقت لم تكن وعدا بالنصر، ولا محاولة لقلب ميزان القوى، بل كانت فعلا سياديا صامتا بأن السماء ليست مباحة، حتى لو كان الثمن تصعيدا محسوبا، وفي الشرق الأوسط، كثيرا ما يكون الفعل المحدود أبلغ من الخطاب المطول.
إسقاط الطائرة الإسرائيلية لم يكن هدفا مُعلنا بحد ذاته، لكنه أصبح نتيجة ليست تقنية، بل رمزية، فللمرة الأولى منذ عقدين تقريبا، لم تُنه طائرة مقاتلة إسرائيلية مهمة فوق سوريا بالعودة سالمة إلى قاعدتها.
الطائرة الساقطة… والسؤال الأعمق
في القراءة السطحية، يُختزل الحدث في سؤال واحد: كيف أُسقطت الطائرة؟
أما القراءة الجيوستراتيجية فتطرح سؤالا مختلفا، لماذا أُطلقت الصواريخ أصلا؟
الدفاع الجوي السوري في 2018 لم يكن في أفضل حالاته، ومنظوماته تعرضت لضربات متكررة، وراداراته تعمل في بيئة تشويش معقدة، ومع ذلك، اختار أن يعمل، وهذا الاختيار هو الأساس.
الدول التي تفقد إرادتها في المواجهة تتوقف عن المحاولة، أما الدول التي ما زالت ترى في نفسها كيانا سياديا، فتقبل بالمخاطرة المحدودة، حتى وهي تعلم أن الكلفة قد تكون أعلى من المكسب المباشر.
الرد الواسع… والمعنى الضيق
الرد الإسرائيلي اللاحق كان واسعا، كما هو متوقع في معادلات الردع الإقليمي، واستُهدفت مواقع عسكرية سورية، من بطاريات دفاع جوي إلى منشآت قيادة، لكن الرد الواسع لا يُلغي حقيقة أن اللحظة الأولى كسرت نمطا مستقرا للعمل الجوي بلا خسائر مباشرة.
في منطق القوة، لا تُقاس الأحداث فقط بما تُدمره، بل بما تُغيره في الحسابات، فبعد 10 شباط 2018، لم تعد كل طلعة جوية فوق سوريا تمر دون أخذ احتمال الخسارة في الاعتبار، حتى لو بقي هذا الاحتمال منخفضا.
الإرادة كفعل لا كشعار
لم تُحول دمشق الحادثة إلى خطاب دعائي طويل، ولم تُعلن نصرا أو تُغرق الحدث في البلاغة، وهذا في ذاته، جزء من المعنى، فالإرادة هنا لم تُرفع كشعار، بل تجلت كسلوك في تشغيل المنظومات، وتحمل تبعات الرد، والبقاء داخل معادلة ردع غير متكافئة.
في الجغرافيا السياسية، الإرادة لا تُقاس بالصوت العالي، بل بالاستمرار في الموقع نفسه رغم الضغط، وسوريا، في ذلك اليوم، لم تغير موقعها، ولم تتخل عن فكرة أن سماءها جزء من معركتها على البقاء كدولة.
السماء بوصفها مرآة للأرض
ما يجعل معركة 10 شباط 2018 مختلفة ليس فقط أنها أسقطت طائرة، بل أنها أعادت التذكير بحقيقة أقدم بأن الصراع في هذه المنطقة لا يُحسم دفعة واحدة، فهو صراع إدارة، لا صراع نهاية، وإدارة للمخاطر، وللحدود، وللهوامش الضيقة بين الحرب الشاملة والاحتكاك المحسوب.
في هذا السياق، لم يكن الدفاع الجوي السوري يسعى إلى التفوق، بل إلى منع الاستباحة المطلقة، وهذا فارق جوهري، فالتفوق هدف الدول الصاعدة، أما منع الاستباحة فهو هدف الدول التي تقاتل من موقع الدفاع عن الوجود.
ما الذي يبقى في الذاكرة؟
بعد سنوات تُنسى التفاصيل التقنية من نوع الصاروخ، وزاوية الاشتباك، ومسار الطائرة، لكن ما يبقى في الذاكرة الجيوستراتيجية هو أن الدولة التي قيل إنها منهكة إلى حد العجز، اختارت أن تردر ضمن حدودها، وبأدواتها، ووفق حساباتها الخاصة.
في الشرق الأوسط، لا تُقاس القوة فقط بما تحققه من انتصارات واضحة، بل بما ترفض أن تتنازل عنه، وفي سماء سوريا خلال شباط 2018، لم يكن إسقاط الطائرة هو الرسالة الوحيدة، إنما الأعمق بأن السماء، مثل الأرض، لا تزال جزءا من صراع لم يُحسم، ولن يُحسم بسهولة.
كما في كثير من لحظات هذا الإقليم، لم تكن تلك المعركة نهاية فصل، بل تأكيدا على أن الفصول ما زالت تُكتب—ببطء، وبكلفة، وبإرادة لا تُقال صراحة، لكنها تُمارس.
سماء الجنوب السوري: معركة 10 شباط 2018
في صباح شتوي صاف من 10 شباط 2018، كشفت سماء الجنوب السوري عن طبقة أعمق من تاريخها. لم تكن مجرد مسرح لطلعة جوية عابرة، بل مرآة مكثفة لذاكرة طويلة من الاحتكاك والحدود الصلبة والمعادلات غير المتكافئة. ما جرى في ذلك اليوم لم يكن حادثاً تقنياً، بل لحظة جيوستراتيجية كثيفة.
مسار الدخول ودلالته
دخلت الطائرات الإسرائيلية الأجواء السورية من الاتجاه الغربي عبر المجال الجوي اللبناني. هذا المسار لم يكن مجرد قرار طيراني، بل طريقة إدارة الصراع عبر الضرب من الأطراف، وتجنب الاحتكاك المباشر حيث تكون الرمزية السياسية أعلى.
الجنوب السوري: الجغرافيا التي لا تسمح بالحياد
الجنوب السوري ليس مجرد مسرح عمليات، بل عقدة جغرافية حيث تتقاطع الجبال بالسهول، وتضيق المسافات بين الرادار والهدف، والقرار السياسي ورد الفعل العسكري. في هذا الحيز، لا مجال للخطأ المريح، ولا للانسحاب الصامت.
لحظة القرار: إطلاق النار كفعل سيادي
إطلاق صواريخ الدفاع الجوي لم يكن رد فعل عشوائياً. في العقيدة السورية، يُفتح نيران الدفاع الجوي فقط حين تتقاطع ثلاثة عناصر: التهديد والقدرة والقرار. في 10 شباط 2018، التقت العناصر الثلاثة.
الإرادة كفعل لا كشعار
لم تُحول دمشق الحادثة إلى خطاب دعائي طويل. الإرادة هنا لم تُرفع كشعار، بل تجلت كسلوك في تشغيل المنظومات، وتحمل تبعات الرد، والبقاء داخل معادلة ردع غير متكافئة.
العوامل الجغرافية الحاسمة
- التضاريس الجبلية في الجنوب السوري
- القرب من الحدود اللبنانية والجولان
- مواقع الرادارات الدفاعية الاستراتيجية
- خطوط التماس الجوية المراقبة
- قواعد الدفاع الجوي المتقدمة
عناصر القرار العسكري
- تقييم مستوى التهديد
- حساب القدرة على المواجهة
- توقيت التدخل الأمثل
- تقييم التبعات السياسية
- حساب كلفة عدم الفعل
الدلالات الجيوستراتيجية
- كسر نمط العمل الجوي بلا خسائر
- تأكيد السيادة على المجال الجوي
- تغيير حسابات المخاطرة
- إرسال رسالة ردع محدودة
- تأكيد الاستمرارية كدولة
مقارنة: القدرات والاستراتيجيات
📊 الجانب الإسرائيلي
📊 الجانب السوري
مصفوفة القرار: ثلاثية الاشتباك
التهديد
تقيم مدى خطورة الهدف وأولويات استهدافه
القدرة
تقييم الإمكانيات التقنية والبشرية المتاحة
القرار
الموازنة بين المخاطر والفوائد المحتملة
التحليل الجيوستراتيجي: ما وراء الحادثة
منع الاستباحة ليس التفوق
الدفاع الجوي السوري لم يسع للتفوق، بل لمنع الاستباحة المطلقة. هذا فارق جوهري في فهم طبيعة الصراع.
السماء مرآة للأرض
المعركة الجوية تعكس المعركة الأرضية: صراع إدارة لا صراع نهاية، وإدارة للمخاطر وللحدود.
الذاكرة الجيوستراتيجية
ما يبقى ليس التفاصيل التقنية، بل أن دولة قيل إنها منهكة اختارت أن ترد ضمن حدودها وبأدواتها.
إعادة رسم الحدود
الحادثة كسرت نمطاً مستقراً للعمل الجوي بلا خسائر، وغيرت حسابات المخاطرة في كل طلعة لاحقة.

