الفجوة الرقمية في مخيم الهول: أين اختفى آلاف الأجانب بعد تسليم المخيم؟

في النزاعات المعاصرة، لا تكون السيطرة على الأرض وحدها هي ما يحدد موازين القوى، بل السيطرة على السردية، وفي ملف مخيم الهول شمال شرقي سوريا، تبدو الأرقام اليوم أقل استقرارا من الجغرافيا نفسها، فالمخيم الذي كان أكبر تجمع لعائلات تنظيم “داعش” في العالم، يشهد تحولا عدديا دراماتيكيا يطرح أسئلة أكثر مما يقدم إجابات.

المعطيات الأخيرة الصادرة عن مصادر إنسانية تشير إلى أن قسم الأجانب في المخيم بات “شبه فارغ”، وأنه لم يتبق سوى 20 عائلة في ما كان يُعرف بـ”قسم المهاجرات”، وهو القسم الأكثر تحصينا أمنيا، والذي ضم سابقا آلاف النساء والأطفال من روسيا والقوقاز وآسيا الوسطى وأوروبا.

هذه الرواية، إذا قُرئت حرفيا، تعني أن أكثر من 98٪ من العائلات الأجنبية غادرت المخيم، لكن المشكلة ليست في الرقم بحد ذاته، بل في الفجوة التي يخلقها بين الماضي القريب والحاضر الغامض.

من 6300 إلى 20 عائلة: تحول غير مسبوق

حتى وقت قريب، كان عدد النساء والأطفال الأجانب في المخيم يُقدر بنحو 6300 شخص من 42 جنسية؛ يمثلون كتلة حساسة سياسيا وأمنيا، نظرا لرفض معظم دولهم استعادتهم، فإذا كان المتبقي اليوم لا يتجاوز 20 عائلة، ما بين 100 و120 شخصا وفق متوسط حجم الأسرة، فإننا أمام انكماش عددي هائل لم تُرافقه إعلانات رسمية متوازية من الدول المعنية.

تظهر هنا أولى ملامح الفجوة الرقمية، فكيف يغادر آلاف الأشخاص دون أن يتركوا أثرا سياسيا معلنا؟ عمليات الإعادة إلى آسيا الوسطى وأوروبا كانت تُعلن عادة بدقة، وغالبا ما تُستخدم داخليا في تلك الدول لإظهار الحزم أو المسؤولية، أما أن يحدث تفريغ شبه كامل دون موجة بيانات رسمية مقابلة، فذلك يستدعي التوقف.

هل غادروا… أم أُعيد توزيعهم؟

العبارة المفتاحية في السردية الحالية هي “غادروا المخيم”، لكنها لا تعني بالضرورة “عادوا إلى بلدانهم”، وهناك ثلاثة سيناريوهات محتملة:

  1. إعادة دولية موسعة جرت بصمت سياسي.
    وهو احتمال ضعيف، لأن حجم العملية كان سيستدعي تنسيقا علنيا، ولو تدريجيا.
  2. نقل داخلي إلى مراكز احتجاز أخرى داخل سوريا.
    هذا السيناريو أكثر اتساقا مع طبيعة التحولات الأخيرة، خصوصا بعد انسحاب “قوات سوريا الديمقراطية” وتسليم المخيم إلى القوات الحكومية السورية، وإعادة توزيع المحتجزين جزءا من إعادة هيكلة أمنية أوسع.
  3. إعادة تصنيف إداري.
    أي نقل بعض الأفراد من خانة “أجانب” إلى فئات أخرى نتيجة تسويات قانونية أو تغير في الوضع القانوني.

كل سيناريو من هذه السيناريوهات يحمل دلالات مختلفة، لكن القاسم المشترك بينها هو غياب الشفافية الكاملة.

السياق الأوسع: انكماش شامل في عدد سكان المخيم

لم تتوقف المفاجآت عند قسم الأجانب، فالمعطيات تشير إلى أن إجمالي سكان المخيم انخفض إلى نحو 24 ألف شخص، بينهم 15 ألف سوري، وقبل سنوات قليلة فقط، كان العدد يتجاوز 40 ألفا، بل وصل إلى أكثر من 70 ألفا بعد سقوط الباغوز في شرق سوريا عام 2019.

هذا الانخفاض يمكن تفسير جزء منه بعمليات نقل العراقيين إلى الداخل العراقي، حيث تم ترحيل ما بين 10 إلى 13 ألفا على دفعات، إضافة إلى عمليات لاحقة بعد تسليم المخيم للقوات الحكومية السورية، والتي يُقدر أنها شملت 1500 إلى 2500 شخص إضافي. ومع ذلك، لا تزال التقديرات تشير إلى وجود ما بين 10,500 و13,000 عراقي في المخيم.

إذا جمعنا هذه الأرقام، يتضح أن المخيم لم يُفرغ بالكامل، بل تغيرت تركيبته، ما يعيدنا إلى النقطة الجوهرية؛ الفجوة الرقمية ليست مجرد خطأ إحصائي، بل تعبير عن تحول في إدارة الملف.

من ملف دولي إلى عبء محلي

عندما كان “الملحق الأجنبي” مكتظا، كان مخيم الهول قضية دولية بامتياز، وشكل اختبارا لسياسات مكافحة الإرهاب، ولإرادة الدول في تحمل مسؤولية رعاياها، أما اليوم، فإذا كان القسم الأجنبي شبه فارغ فعلا، فإن المخيم يتحول تدريجيا إلى ملف عراقي–سوري.

هذا التحول يخفف الضغط السياسي عن العواصم الأوروبية، لكنه يضاعف العبء على بغداد ودمشق، فالعائلات العراقية المتبقية، إلى جانب آلاف السوريين، تمثل تحديا اجتماعيا وأمنيا طويل الأمد، وإعادة الإدماج ليست عملية إدارية، بل مسار معقد يتداخل فيه القانون بالعشائر بالاقتصاد المحلي.

ماذا تعني “الفجوة الرقمية” أمنيا؟

في ملفات الإرهاب، الغموض ليس تفصيلا ثانويا، فعندما تختفي آلاف الأسماء من سجل علني دون تفسير مفصل، فإن ذلك يفتح الباب أمام أسئلة مشروعة:

  • هل تمت إعادة تقييم المخاطر الفردية؟
  • هل نُقل بعض الأفراد إلى منظومات احتجاز أكثر صرامة؟
  • هل تم الإفراج عن بعضهم بشروط غير معلنة؟

الخبرة في التعامل مع شبكات متطرفة تُظهر أن البيئات المغلقة، حين تُعاد هيكلتها، تنتج مسارات غير متوقعة، وتفكيك تجمع كبير مثل “الملحق” يقلل من خطر التجنيد الجماعي، لكنه يُشتت العناصر الأكثر تشددا في أماكن أخرى أقل مراقبة.

بين السياسة والبيانات

الفجوة الرقمية في مخيم الهول تكشف مفارقة أوسع، فكلما تقلص الرقم، زادت الحاجة إلى الشفافية، فالمخيم لم يكن مجرد مساحة جغرافية، بل كان رمزا لفشل دولي في معالجة تداعيات “داعش”، وإذا كان هذا الرمز يتلاشى عدديا، فإن غيابه لا يجب أن يمر دون تفسير.

السؤال ليس كم تبقى في المخيم، بل أين أصبح الذين غادروه، وهل انتقلوا من أزمة مرئية إلى أزمة كامنة؟ وهل يعكس الانخفاض العددي حلا حقيقيا أم إعادة توزيع للمشكلة؟

الأرقام الجديدة، مهما بدت مطمئنة ظاهريا، لا تُغلق الملف، بل تعيد فتحه من زاوية مختلفة تتطلب تدقيقا منهجيا، ومقاطعة بين بيانات إنسانية وأمنية، وفهما بأن الفراغ الإحصائي يكون أحيانا أخطر من الاكتظاظ نفسه.

في عالم ما بعد “داعش”، لا تختفي التحديات عندما تختفي من الجداول، إنها فقط تغير موقعها، ومخيم الهول، في نسخته الحالية، يقدم مثالا صارخا على ذلك.

مخيم الهول: تطور السكان 2019–2025 · رسم بياني مباشر

مخيم الهول · انخفاض السكان 2019–2025

بيانات موحدة من جداول النقاش تقديرات + مؤكدة فجوة الأجانب 98%
إجمالي السكان (تقدير)
سوريون
عراقيون
أجانب
⚠️ خط منقط: ما بعد التسليم

نقل العراقيين

2021–2024 مرحّلون10,000 – 13,000
متبقي قبل التسليم13,000 – 15,000
بعد التسليم (نقل)1,500 – 2,500
متبقّي حاليًا10,500 – 13,000
حالات أمنية معلقة1,200 – 2,000
فاقدو الوثائق500 – 1,000

فجوة الأجانب

الرقم السابق (2024)~6,300
الرقم الحالي (2025)100 – 120
نسبة الانخفاضأكثر من 98%
نسبة من المخيم سابقًا15-18%
نسبة حاليًاأقل من 1%
عائلات أجنبية متبقية20 عائلة

فجوة غير معلنة

ملفات أمنية معلقة1,200 – 2,000
فاقدو هوية/توثيق500 – 1,000
منطقة رمادية سابقة3,000 – 5,000
مصير آلاف الأجانبغير موثق
75k → 24k (6 سنوات) · تغير هيكلي
فجوة الأجانب 6,300 → ~100 شخص (أكثر من -98%) 24,000 المتبقي: ~15k سوري + ~11.7k عراقي + 0.11k أجنبي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *