هل تتحمل دمشق كلفة تحلية البحر؟

عندما تعجز الدول عن إدارة مواردها الطبيعية بكفاءة، فإنها تلجأ إلى حلول ضخمة ومكلفة تمنح انطباعا بالحسم، لكنها تؤجل الأسئلة البنيوية بدل أن تجيب عنها، ما يفرض مقاربة نقدية لمشروع تحلية مياه البحر على الساحل السوري بالتعاون مع أكوا باور، لا سيما أن ما جرى توقيعه حتى الآن لم يتجاوز “الأحرف الأولى”، فهو أقرب إلى مذكرة تفاهم منه إلى عقد ملزم مكتمل الأركان، وفي السياقات الاقتصادية الهشة، الفارق بين مذكرة نوايا ومشروع قابل للتنفيذ ليس تفصيلا إجرائيا، بل فجوة تمتد بين التصور السياسي والقدرة الواقعية.

الفكرة في ظاهرها مغرية؛ محطة تحلية حديثة على الساحل، وخط نقل يقارب 300 كيلومتر، يصعد بالمياه نحو 700 متر لتغذية دمشق، في بلد يعاني شحا مائيا وتراجعا في منسوب نبع الفيجة، يبدو المشروع استجابة حاسمة لأزمة متفاقمة.

لكن الاقتصاد لا يكافئ حسن النوايا، ولا يتأثر ببلاغة الإعلان، فهو يحاسب الكلفة الرأسمالية، وفاتورة التشغيل، واستدامة الطاقة، وقدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها طويلة الأجل، وبين الإعلان بالأحرف الأولى والحساب بالأرقام الكاملة، تبدأ الأسئلة الصعبة التي لا يجوز تجاوزها تحت ضغط الحاجة أو إغراء العنوان الكبير.

حساب بسيط… يكشف التعقيد

لنبدأ بما يسميه الاقتصاديون “رياضيات الدرجة الأولى”، فرفع متر مكعب واحد من المياه 700 متر يتطلب طاقة نظرية تقارب 1.9 كيلوواط ساعي، وبعد احتساب فاقد الكفاءة في المضخات، نقترب من 3 كيلوواط ساعي فقط لعملية الرفع، يضاف إلى ذلك 3–4 كيلوواط ساعي لعملية التحلية نفسها، فنحن أمام 6–7 كيلوواط ساعي لكل متر مكعب.

إذا افترضنا تزويد دمشق بـ 200 ألف متر مكعب يوميا، وهو رقم متواضع مقارنة باحتياجات مدينة يتجاوز عدد سكانها أربعة ملايين، فإننا نتحدث عن قدرة تشغيلية مستمرة تقارب 60 ميغاواط على الأقل، وهذه ليست أرقاما نظرية في كتاب جامعي؛ إنها فاتورة كهرباء في بلد يعاني من عجز مزمن في الإنتاج وتكاليف تشغيل مرتفعة.

في الاقتصاد، هناك مفهوم بسيط لكنه حاسم؛ “تكلفة الفرصة البديلة”، فكل ميغاواط يذهب لضخ المياه هو ميغاواط لا يذهب للصناعة أو المستشفيات أو الاستهلاك المنزلي، في بلد منهك، وهذه المقايضة ليست هامشية.

الجولان كمورد محتمل: حدود الواقع والسيادة

تتكرر في النقاش العام مقارنة تبدو، للوهلة الأولى، بديهية فلماذا لا يستثمر جزء من مياه الجولان، الأقرب جغرافيا إلى دمشق والأعلى منها بنحو 150 مترا في مناطق واسعة؟ من منظور هندسي صرف، تبدو الفكرة جذابة؛ المسافة أقصر، والانحدار الطبوغرافي يعمل نظريا لصالح التدفق الطبيعي أو يقلل كلفة الضخ مقارنة برفع المياه من مستوى البحر.

هذه المقارنة تغفل تعقيد الواقع الميداني، فهضبة الجولان ليست كتلة جغرافية موحدة من حيث السيطرة الفعلية، وجزء منها ما يزال خاضعا للدولة السورية، بينما يخضع الجزء الأكبر، بما فيه مناطق مائية حساسة، لسيطرة “إسرائيل” منذ عام 1967، ما يعني أن أي تصور لاستثمار شامل لموارد الجولان المائية يظل محكوما باعتبارات سيادية وأمنية وقانونية بالغة التعقيد.

المسألة ليست فرق ارتفاع فحسب، بل تفاوت في القدرة على الوصول الآمن والمستدام إلى الموارد، فحتى في المناطق غير الخاضعة للسيطرة “الإسرائيلية”، يبقى الاستثمار المائي مرتبطا بحسابات أمنية وبنية تحتية متضررة ومخاطر جيوسياسية مستمرة، وتصوير الجولان كـ“بديل سهل” يتجاهل أن العقبة الأساسية ليست تقنية بحتة، بل سياسية-سيادية بامتياز.

اقتصاد التحلية: حين تصبح التكنولوجيا تعويضا عن الإدارة

التحلية ليست اختراعا جديدا، فدول الخليج، حيث تعمل أكوا باور، بنت نماذج اقتصادية كاملة على الطاقة الرخيصة المدعومة والقدرة المالية السيادية، لكن نجاح التحلية هناك قائم على شرطين غير متوفرين بالضرورة في سوريا:

  1. وفرة الطاقة الرخيصة.
  2. استقرار مؤسسي يسمح بعقود شراء طويلة الأجل مضمونة السداد.

في بيئة تعرفة الكهرباء فيها مرتفعة جدا قياسا بالدخل، والبنية التحتية متضررة، يصبح نقل نموذج خليجي إلى اقتصاد منهك مغامرة مكلفة.

هنا يجب طرح سؤال غير مريح: هل تحلية البحر هي الخيار الأقل كلفة، أم أنها الخيار الأكثر قابلية للتمويل السياسي؟

ما لا يناقش: فاقد الشبكات

تقديرات غير رسمية تشير إلى أن فاقد المياه في شبكات بعض المدن السورية يتجاوز 30%، فثلث المياه المنتجة يتسرب قبل أن يصل إلى المستهلك، في اقتصاد عقلاني، إصلاح الفاقد هو الاستثمار الأول، لأنه يحقق “مياها إضافية” بتكلفة أقل بكثير من إنتاج مياه جديدة.

إذا كان بإمكان تأهيل الشبكات توفير 100 ألف متر مكعب يوميا بكلفة أقل من بناء خط أنابيب بطول 300 كيلومتر، فإن تجاهل هذا الخيار ليس قرارا تقنيا بل أولويات سياسية.

الطاقة… الحلقة الأضعف

رفع المياه 700 متر يعني محطات ضخ متدرجة، وخزانات موازنة، وأنظمة تحكم بالضغط، وصيانة مستمرة لمواجهة التآكل، فأي انقطاع كهربائي سيعطل التدفق فورا في بلد يعاني تقنينا قاسيا، فهل سيعطى المشروع أولوية كهربائية دائمة؟ وإذا كان الجواب نعم، فمن سيدفع ثمن إعادة توزيع الحصص؟

هنا تتجلى المفارقة؛ المشروع يبدو “تنمويا”، لكنه يعيد توزيع الموارد من قطاعات أخرى نحو قطاع واحد، دون نقاش علني حول هذه المفاضلة.

البعد المالي: من يدفع ومن يستفيد؟

كلفة إنتاج المتر المكعب من التحلية عالميا تتراوح بين 0.5 و1 دولار في الظروف المثالية، مع النقل والرفع، تتجاوز الكلفة 1.5 دولار، عند 200 ألف متر مكعب يوميا، تصل الكلفة التشغيلية السنوية إلى أكثر من 100 مليون دولار، دون احتساب خدمة الدين.

هل ستباع المياه بسعر يغطي التكلفة؟ إذا كان الجواب نعم، فنحن أمام ضغط إضافي على المستهلك، وإذا كان الجواب لا، فالدعم سيحمل على الموازنة العامة.

لا وجود لحلول سحرية. إما يدفع المستهلك، أو تدفع الخزينة، أو يتراكم الدين.

لماذا إذن هذا المشروع؟

في الاقتصاد السياسي، ليست كل المشاريع تبنى لأنها الأرخص، بل لأنها تحقق أهدافا أخرى:

  • ترسيخ شراكة إقليمية مع السعودية.
  • إدخال استثمار كبير يحمل بعدا سياسيا.
  • تقديم “إنجاز ملموس” في ملف خدمي حساس.

المياه قضية وجودية، ومن يضمن تدفقها يضمن شرعية سياسية، هذا لا يجعل المشروع خاطئا بالضرورة، لكنه يضعه في سياق أوسع من الحسابات التقنية.

هل هناك بدائل؟

البدائل ليست رومانسية، لكنها أكثر تواضعا وأقل كلفة:

  • إعادة تأهيل نبع الفيجة وشبكاته.
  • تقليل الفاقد في الشبكات.
  • إدارة الطلب عبر تسعير تصاعدي عادل.
  • إعادة استخدام المياه المعالجة للزراعة، لتخفيف الضغط على مياه الشرب.
  • تحلية محدودة لتغذية الساحل نفسه، حيث الكلفة أقل.

المفارقة أن هذه الخيارات لا تحمل وهج “المشروع الضخم”، لكنها تحقق أثرا أكبر بتكلفة أقل.

الاقتصاد ليس هندسة فقط

النقاش حول فرق الارتفاع بين البحر والجولان مفيد، لكنه لا يكفي؛ السؤال الحقيقي ليس هل يمكن نقل المياه؟ بل هل هذا هو الاستخدام الأمثل للموارد المحدودة؟

الأزمات تكشف هشاشة البنى الاقتصادية، وأزمة المياه في دمشق ليست مجرد نقص في الإمداد؛ إنها نتيجة عقود من الإدارة المائية غير المستدامة، واستنزاف الموارد الجوفية، وإهمال الصيانة.

بناء محطة تحلية يشبه شراء مضخة ضخمة لمنزل يتسرب سقفه، فتحل مشكلة آنية، لكنها لا تعالج السبب البنيوي.

مشروع التحلية ليس وهما تقنيا، لكنه رهان مكلف، فمن الناحية السياسية يبدو مفهوما، ومن الناحية الهندسية ممكن التنفيذ، أما من الناحية الاقتصادية، فهو يتطلب شفافية كاملة في الأرقام، ونقاشا عاما حول الأولويات، ومقارنة جادة بالبدائل الأقل كلفة.

الاقتصاد لا يسأل هل المشروع ممكن؟ بل هل هو الخيار الأفضل بين خيارات محدودة؟

جوهر القضية ان المسافة بين البحر ودمشق ليست من يحدد جدوى المشروع، بل المساحة بين القرار السياسي والحساب الاقتصادي الرشيد.

تحلية البحر: حل أم هروب مكلف؟ – رسوم بيانية

تحلية البحر: حل أم هروب مكلف؟

من سؤال المياه إلى سؤال السيادة

تحليل اقتصادي بالرسوم البيانية

300
كم طول خط النقل
700
متر ارتفاع دمشق
200k
م³/يوم لدمشق
30%
فاقد الشبكات

كلفة الطاقة للمتر المكعب

كيلوواط ساعي لكل مرحلة

الإجمالي: 6-7 كيلوواط ساعي/م³ | التحلية: 3-4 | الرفع: 3

استهلاك الطاقة اليومي

لإنتاج 200,000 م³/يوم

قدرة تشغيلية مستمرة: 60 ميغاواط على الأقل

تكلفة الفرصة البديلة

توزيع 60 ميغاواط على القطاعات

كل ميغاواط للمياه = ميغاواط لا يذهب للصناعة أو المستشفيات

مقارنة طبوغرافية (مصححة)

الارتفاع عن سطح البحر (متر)

البحر: 0 م | هضبة الجولان: ~1000 م | دمشق: 690-707 م

فاقد المياه في الشبكات

نسبة الفاقد قبل وصول المياه

فاقد يتجاوز 30% | إصلاحه يوفر 100,000 م³/يوم بكلفة أقل

كلفة إنتاج المتر المكعب

بالدولار (تحلية + نقل + رفع)

الكلفة التشغيلية السنوية: تتجاوز 100 مليون دولار

مقارنة البدائل: الكلفة vs الجدوى

💧 بدائل أقل كلفة

  • إعادة تأهيل نبع الفيجة وشبكاته
  • تقليل الفاقد في الشبكات (30%)
  • إدارة الطلب عبر تسعير تصاعدي
  • إعادة استخدام المياه المعالجة للزراعة
  • تحلية محدودة لتغذية الساحل

⚡ تحديات مشروع التحلية

  • استهلاك طاقة مستمر 60+ ميغاواط
  • فاتورة تشغيل سنوية > 100 مليون $
  • فاقد الشبكات يلتهم الثلث
  • انقطاع الكهرباء يعطل التدفق فوراً
  • عبء على المستهلك أو الموازنة

التكلفة التشغيلية السنوية (تقديرية)

الطاقة: 40-50 مليون $
الصيانة: 20-30 مليون $
خدمة الدين: 30-40 مليون $

لماذا هذا المشروع؟ (الأبعاد السياسية)

الاقتصاد السياسي: المشاريع لا تبنى لأنها الأرخص، بل لأنها تحقق أهدافاً أخرى: ترسيخ شراكة إقليمية، إدخال استثمار كبير، تقديم “إنجاز ملموس” في ملف خدمي حساس.

الجولان كبديل محتمل: السيادة vs الجغرافيا

منظور هندسي: الجولان أعلى من دمشق (~300 متر)، مما يسمح بالتدفق بالجاذبية، لكن:

  • الجزء الأكبر خاضع لسيطرة “إسرائيل” منذ 1967
  • المناطق السورية متضررة وتفتقر للبنية التحتية
  • حسابات أمنية وجيوسياسية بالغة التعقيد
  • العقبة ليست تقنية بل سياسية-سيادية
الخلاصة: تصوير الجولان كـ”بديل سهل” يتجاهل أن العقبة الأساسية ليست تقنية، بل سياسية-سيادية بامتياز.

الخلاصة الاقتصادية: المسافة بين البحر ودمشق ليست ما يحدد جدوى المشروع، بل المسافة بين القرار السياسي والحساب الاقتصادي الرشيد.

تحلية البحر ليست وهماً تقنياً، لكنها رهان مكلف. من الناحية السياسية تبدو مفهومة، ومن الناحية الهندسية ممكنة، أما اقتصادياً فتتطلب شفافية كاملة في الأرقام ونقاشاً عاماً حول الأولويات.

1 فكرة عن “هل تتحمل دمشق كلفة تحلية البحر؟”

  1. ميرنا سلام

    بدل ما يحلو البحر يرجعوا جبلالشيخوالجولان ووادي اليرموك كفاهم بيع بالبلد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *