في السياسة الدولية، لا تُنشر الأخبار اعتباطا، ولا تُختار المنصات الإعلامية بمعزل عن حسابات القوة، فحين يُسرب خبر يتحدث عن تشكيل حكومة سورية جديدة “بدعم أمريكي”، واحتمال ترؤس شخصية بعينها لها، عبر موقع إعلامي “إسرائيلي” هو i24NEWS، فإن المسألة تتجاوز حدود السبق الصحفي، فنحن أمام فعل سياسي بامتياز، يُدار بلغة الإعلام لكنه يتحرك في فضاء الجيوبوليتيك.
من منظور تحليلي لا يمكن قراءة الحدث بوصفه خبرا معزولا، بل ينبغي تفكيكه ضمن بنية “صناعة القبول” التي تتحكم بتدفق السرديات في الفضاء العام، والسؤال المركزي ليس هل ستُشكل حكومة سورية جديدة؟ بل لماذا يُنشر هذا الاحتمال، في هذا التوقيت، عبر منصة إسرائيلية تحديدا؟
المنصة كفاعل سياسي
ليست المنصات الإعلامية كيانات محايدة تنقل الوقائع فحسب، ففي الأنظمة الديمقراطية الليبرالية تمارس المؤسسات الإعلامية وظيفة “تحديد الأجندة” وصياغة حدود النقاش المقبول، وفي السياق الإسرائيلي، يؤدي الإعلام الناطق بالعربية دورا إضافيا لمخاطبة الجمهور العربي، لا لنقل رواية “إسرائيلية” فحسب، بل للتأثير في تشكيل الرأي العام الإقليمي.
حين تنشر منصة “إسرائيلية” خبرا عن حكومة سورية “بدعم أمريكي” فإنها تُدرج دمشق ضمن معادلة إقليمية يُعاد رسمها من زاوية تل أبيب وواشنطن، فيتحول الخبر إلى أداة تموضع سياسي؛ فـ”إسرائيل” ليست طرفا متفرجا، بل لاعبا يملك معلومات، أو يدعي امتلاكها، حول مستقبل السلطة في دولة مجاورة.
لا يُقرأ الخبر باعتباره كشفا صحفيا فقط، بل باعتباره إعلانا غير مباشر عن موقع “إسرائيل” في معادلة إعادة هندسة السلطة السورية.
التسريب كأداة اختبار
التسريبات السياسية، وضمن أحد وظائفها، تُستخدم لاختبار ردود الفعل، فنشر خبر عن احتمال تولي شخصية معينة رئاسة الحكومة، مع الإشارة إلى “تقدير” إدارة أمريكية لذلك، يُمكن فهمه بوصفه بالون اختبار، وفي الأدبيات النقدية، تُستخدم هذه التقنية لقياس مستوى القبول الشعبي والنخبوي قبل الانتقال إلى خطوة رسمية.
حين يأتي التسريب عبر منصة “إسرائيلية”، فإن الرسالة مزدوجة:
- ثمة تحولات تُناقش في دوائر دولية قد لا تكون دمشق مركزها الوحيد.
- للإقليم بأنإسرائيل تتابع، وربما تشارك في بلورة الترتيبات القادمة.
هذا النمط من النشر يُنتج واقعا افتراضيا يُصبح، مع التكرار، جزءا من المجال الممكن سياسيا، فتتجلى فكرة أن الإعلام لا يصف الواقع فحسب، بل يسهم في صناعته.
إعادة تعريف الشرعية
الخبر يُشير إلى “حكومة شاملة” تضم أطيافا مختلفة، مع تشديد على “الشرعية المحلية والدولية”، وهذه العبارة المفتاحية تكشف جوهر السردية؛ الشرعية لا تُختزل في الداخل، بل تُعرف عبر قبول خارجي، وتحديدا أمريكي.
في هذه الصياغة، تصبح الشرعية مسألة اعتراف دولي لا نتاج عملية سياسية داخلية، ونشر هذا التصور عبر منصة “إسرائيلية” يُعزز فكرة أن الإطار الإقليمي، الذي تمثل إسرائيل أحد أعمدته، هو جزء من معادلة الاعتراف.
هنا تتقاطع ثلاث دوائر:
- واشنطن بوصفها مانحا رئيسيا للغطاء السياسي.
- “تل أبيب” كقناة تواصل وإيصال.
- دمشق كموضوع لإعادة التشكيل.
الرسالة الضمنية في هذه الآلية هي أن مستقبل الحكم في سوريا لن يتحدد فقط في دمشق، بل في شبكة علاقات تتجاوز حدودها.
إدماج الأكراد وإعادة ترتيب الشمال
الإشارة إلى احتمال إنهاء دعم قوات سوريا الديمقراطية بهدف دمجها في حكومة مركزية، إن صحت، تعكس إعادة صياغة أولويات أمريكية، فنشر هذا الطرح عبر منصة “إسرائيلية” يكتسب أهمية خاصة، لأن “إسرائيل” لطالما نظرت إلى الترتيبات شمال سوريا من زاوية توازن القوى الإقليمية.
يصبح الخبر، في هذا المستوى من القراءة، حلقة ضمن نقاش استراتيجي أوسع يتعلق بإعادة توزيع النفوذ في المشرق العربي، حيث تتقاطع المصالح الأمريكية والإسرائيلية والتركية والعربية، وتُعاد صياغة خرائط القوة على إيقاع التحولات الدولية.
لا تُقدم سوريا بوصفها ذات سيادة تفاوض من موقع الندية، بل كحيز جيوسياسي مفتوح لإعادة الضبط، تُختبر فيه توازنات جديدة وتُعاد فيه معايرة خطوط التماس بين المحاور المتنافسة، وتتحول الدولة، وفق هذه السردية، من فاعل يصوغ خياراته إلى موضوع يُعاد تشكيله ضمن حسابات إقليمية أكبر من أمن “إسرائيل”، واحتواء إيران، وضبط الطموح التركي، وترتيب الانسحاب أو إعادة التموضع الأمريكي.
لا يكون الحديث عن حكومة جديدة أو إعادة دمج قوى محلية مسألة داخلية خالصة، بل جزءا من عملية هندسة سياسية تتجاوز البنية الوطنية إلى ما يمكن تسميته “إعادة تصميم المجال السوري” بما ينسجم مع أولويات النظام الإقليمي قيد التشكل، فتغييب الإرادة الشعبية أو اختزالها في معادلات الشرعية الدولية يعكس تصورا ضمنيا لسوريا كساحة توازنات لا كمركز قرار، وهنا تكمن خطورة الخطاب فهو يطبع فكرة أن مستقبل الدولة يُرسم في تقاطع المصالح الخارجية، وأن الفاعلية المحلية مشروطة دوما بإشارات الضوء الأخضر القادمة من العواصم المؤثرة.
تطبيع غير مباشر؟
ثمة بعد رمزي لا يقل أهمية. حين يصبح الحديث عن تشكيل حكومة سورية يُتداول أولا عبر منصة “إسرائيلية”، فإن ذلك يكسر، ولو على مستوى الخطاب، أحد المحرمات التقليدية في العلاقة السورية–الإسرائيلية.
لا يعني ذلك بالضرورة وجود تنسيق مباشر، لكن مجرد تداول الفكرة في هذا الفضاء الإعلامي يُنتج أثرا تطبيعيا رمزيا، فتظهر “إسرائيل” طرف مطلع ومشارك في النقاش حول مستقبل سوريا.
من منظور نقدي، يمكن القول إن هذه العملية تُمهد نفسيا لفكرة أن إعادة دمج سوريا إقليميا تمر عبر قنوات غير تقليدية.
الاقتصاد السياسي للنشر
ينبغي أيضا النظر إلى البعد الاقتصادي للإعلام، فالمنصات العابرة للغات تسعى إلى توسيع جمهورها العربي عبر أخبار حصرية ذات حساسية عالية، نشر خبر عن تشكيل حكومة سورية بدعم أمريكي يضمن اهتماما واسعا، ويمنح المنصة موقعا مرجعيا في النقاش.
لكن في الوقت نفسه، يخدم ذلك وظيفة أعمق من تعزيز صورة “إسرائيل” كجزء من النظام الإقليمي الجديد، لا ككيان معزول، فيتجسد “الاندماج بين المصالح السياسية والاقتصادية في صناعة الخطاب”.
ما الذي يغيب عن السردية؟
الخبر في صيغته الراهنة، يركز بصورة مكثفة على الدور الأمريكي، ويُلمح إلى تقاطع مصالح مع “إسرائيل”، من دون أن يمنح فاعلين آخرين موقعا مؤثرا في المعادلة المطروحة، غير أن هذا التركيز لا ينبغي قراءته باعتباره توصيفا محايدا لتوازن القوى، بل باعتباره بناء سرديا يُعيد ترتيب المشهد بحيث تبدو واشنطن الفاعل الحاسم الوحيد في تحديد مآلات السلطة الجديدة في دمشق.
في هذه المقاربة، لا يظهر لروسيا أو إيران موقع تأثير فعلي في هندسة السلطة المقبلة، سواء بحكم تراجع أدواتهما أو بفعل تبدل البيئة السياسية التي أفرزت ترتيبات مختلفة عما كان قائما في سنوات الصراع المفتوح، أما تركيا، فعلى الرغم من حضورها الحدودي والأمني، فلا تُقدم هنا كصاحبة كلمة فاصلة في تشكيل البنية التنفيذية الجديدة، بل كعامل محيط لا يرقى إلى مستوى الشريك في صناعة القرار المركزي.
وفق منظور نقدي فإن إبراز فاعل واحد بوصفه مركز الثقل لا يُعد مجرد اختيار تحريري، بل ممارسة واعية لإعادة تعريف حدود النقاش، فحين يُحصر الحديث في الإرادة الأمريكية، يجري ضمنا إقصاء أي تصور لتعدد مراكز القوة، ويُعاد إنتاج صورة النظام الدولي بوصفه هرميا أحادي الاتجاه، فالصمت عن أدوار الآخرين جزءا من عملية “تأطير” تحدد للقارئ من يملك القرار ومن لا يملكه.
الغياب ليس عرضيا، بل وظيفة سياسية للخطاب، وما يُستبعد من السرد لا يقل أهمية عما يُدرج فيه، ففي هندسة الرأي العام، كما في هندسة السلطة، لا تُمارس القوة فقط عبر ما يُقال، بل أيضا عبر ما يُترك خارج النص.
لا تكمن أهمية الخبر في احتمالية تشكيل حكومة بعينها، بل في الدلالة الرمزية والسياسية لجهة النشر، فحين يتكلم “التسريب” بلسان منصة “إسرائيلية”، فإنه يُعيد تعريف موقع سوريا في الخريطة الإقليمية، ويُلمح إلى أن مستقبلها يُناقش في فضاءات تتجاوز حدودها الوطنية.
التحليل النقدي لا يفترض مؤامرة شاملة، لكنه يفترض أن الإعلام ليس بريئا، واختيار المنصة، صياغة العبارات، التركيز على دعم أمريكي، كلها عناصر تُنتج سردية مفادها أن إعادة تشكيل السلطة في دمشق جزء من مشروع إقليمي أوسع.
الخبر ليس مجرد سبق صحفي، بل قطعة في لعبة أكبر في إعادة ترتيب المشرق، حيث تتداخل التسريبات مع الدبلوماسية، والإعلام مع الجيوبوليتيك، والشرعية مع الاعتراف الخارجي.
حين يتكلم “التسريب” بلسان “تل أبيب”
دلالات نشر خبر تشكيل حكومة سورية عبر منصة إسرائيلية • قراءة في هندسة الخطاب والنفوذ
🔍 ماذا يعني هذا الرسم البياني؟ يوضح الرسم كيفية توزيع “النفوذ السردي” في المقال التحليلي. كلما كبر حجم القطاع، زادت هيمنة هذا الطرف على صياغة مستقبل سوريا في الخطاب الإعلامي.


للأسف