في لحظات التحول التاريخي، لا تُقاس طبيعة الأنظمة بما تعلنه، بل بما تتسامح معه، وتقرير هيئة الإذاعة البريطانية BBC عربي المعنون:” كل ما كنت أفكر به حينها هو الموت”، لا يقدم فقط سردا إنسانيا موجعا عن نساء علويات تعرضن للخطف والاعتداء في الساحل السوري؛ بل يضع بين أيدينا مادة أولية لتحليل أعمق، فما الذي تقوله هذه الشهادات عن اتجاهات السياسة العامة في سوريا؟
التقرير الذي أعدته ماريا زيد ونُشر في 18 شباط 2026، يوثق روايات خمس ناجيات على الأقل، في سياق عشرات البلاغات التي أحصتها مجموعات حقوقية، بينها “اللوبي النسوي السوري”، ومنظمة العفو الدولية، وفي المقابل، تعلن وزارة الداخلية أن 41 من أصل 42 ادعاء “غير صحيحة”، وبين هذين الخطابين، الضحايا والإنكار الرسمي، تتشكل معالم سياسة عامة قيد التبلور.
احتكار العنف يتصدع
الدولة الحديثة، كما يعرفها ماكس فيبر، تحتكر العنف المشروع، لكن شهادات النساء تشير إلى واقع أكثر تعقيدا، فعناصر مسلحة تدعي الانتماء إلى “الأمن العام”، ومقاتلون أجانب، وجماعات محلية، وأحيانا “شيوخ” يقررون مصير المختطفات، وهذا التعدد في الفاعلين العنيفين يوحي بأن احتكار العنف لم يُستعد بعد سقوط النظام، بل ربما أُعيد توزيعه.
إن كان بعض المتورطين، وفق مصدر أمني نقلت عنه بي بي سي، فُصلوا من الخدمة، فإن السؤال الأعمق هل نحن أمام انحرافات فردية أم بيئة مؤسسية رخوة تسمح بحدوثها؟ في السياسة العامة، الفارق جوهري، فالأولى تُعالج بإجراءات تأديبية، والثانية تتطلب إعادة بناء أجهزة الأمن على أسس مهنية وقانونية صارمة.
إنكار الظاهرة كخيار سياسي
السلطات تعترف بحالة واحدة، وترد معظم البلاغات إلى “هروب عاطفي” أو “ادعاءات كاذبة” أو “جرائم دعارة وابتزاز”، وهذا النمط من الخطاب ليس جديدا في المنطقة في تحويل الضحية إلى مشتبه بها، لكن دلالته في السياق السوري الراهن تتجاوز الدفاع البيروقراطي.
إنكار الظاهرة يرسل إشارتين سياسيتين خطيرتين؛ الأولى إلى الضحايا بأن شهاداتكن موضع شك، والثانية إلى الجناة أن كلفة الفعل منخفضة، في علم السياسة، يُعد الإفلات من العقاب أحد أقوى محفزات تكرار الانتهاك، وإذا صحت روايات عن “ضغوط لتغيير الأقوال”،”نكون أمام معادلة مختلة تُثني الضحايا عن التبليغ بدل أن تردع الجناة عن ارتكاب الجريمة.
البعد الطائفي بين الانتقام والرمزية
تتقاطع شهادات الناجيات حول لغة طائفية صريحة مثل “العلويات خُلقن ليكن سبايا”، وسواء كان هذا توصيفا أيديولوجيا راسخا أم ترهيبا لفظيا، كما يرجح بعض الباحثين، فإن تكراره يكشف عن مناخ رمزي خطير، ففي بيئة سياسية مأزومة بعد التحولات الكبرى في البلاد، تصاعدت لدى شرائح من المجتمع العلوي مخاوف من أعمال انتقامية ذات طابع طائفي، ويشير التقرير إلى أن هذه المخاوف لم تكن مجرد هواجس عابرة، بل استندت إلى وقائع ملموسة وشهادات متقاطعة.
السياسة العامة هنا تواجه اختبارا دقيقا؛ هل ستتعامل الدولة الجديدة مع العلويين كمواطنين متساوين، أم كجماعة مرتبطة بإرث النظام السابق؟ العدالة الانتقالية، إن أُسيء فهمها، تنزلق من محاسبة الأفراد إلى شيطنة الجماعات، وشهادات الخطف، إذا ثبت اتساعها، مؤشر مبكرا على هذا الانزلاق.
الاقتصاد السياسي للفوضى
لا يمكن إغفال البعد المادي، فبعض الروايات تشير إلى ابتزاز مالي، أو تهديد بالبيع، أو طلب فديات، وفي دول ما بعد الصراع، حيث الاقتصاد منهك والوظائف شحيحة والسلاح منتشر، يتحول العنف إلى مورد، فتلتقي الأيديولوجيا بالمصلحة عبر خطاب ديني متطرف يبرر، وشبكات محلية تستفيد.
إن عجز الدولة عن ضبط هذا “الاقتصاد الرمادي للعنف” يهدد شرعيتها، فالمواطن لا يسأل فقط عن الشعارات، بل عن الأمان اليومي. وعندما تضطر عائلات إلى مغادرة البلاد بعد تلقي تهديدات، فإن ذلك يعكس فجوة ثقة عميقة بين المجتمع والأجهزة المكلفة بحمايته.
أزمة الثقة كمشكلة بنيوية
أحد الخيوط المشتركة في التقرير هو الخوف بعد العودة؛ نساء يعشن قلقا دائما، وعائلات تتردد في تقديم شكاوى، ورجال يبكون في الغابات لأنهم لا يثقون بالقضاء، وهذا ليس مجرد أثر نفسي للصدمة؛ بل مؤشر على أزمة ثقة بنيوية.
السياسة العامة الرشيدة تدرك أن الشرعية تُبنى على الثقة، وعندما يُنظر إلى التحقيقات بوصفها “شكلية” أو “مهينة”، فإن الرسالة الضمنية هي أن الدولة لم تتحول بعد من أداة سلطة إلى مؤسسة خدمة عامة، والتحدي الأكبر في هذه الحالة إصلاح ثقافة المؤسسات، لا مجرد استبدال أشخاص.
بين الفوضى غير الممنهجة والسياسة الضمنية
الباحث حسام جزماتي يستبعد وجود “سبي منظم”، مرجحا عمليات خطف متفرقة بدوافع متعددة، في المقابل، يرى ناشطون أن هناك “بنية أيديولوجية” تجعل استهداف نساء علويات وسيلة إذلال لجماعة مهزومة سياسيا وفق ادعاء السلطة القائمة، ومن المرجح أن يكون الواقع مزيجا من الاثنين، فلا خطة مركزية ولكن مناخا يسمح بالاستباحة.
في السياسة، أحيانا لا تكون النية المعلنة هي الأهم، بل النتائج المتكررة، فإذا تكررت الحوادث في منطقة بعينها، واستهدفت فئة بعينها، واستُخدمت لغة بعينها، فإن ذلك يخلق سياسة فعلية، حتى لو لم تُصغ في وثيقة رسمية، الصمت المتكرر يتحول إلى موقف.
سابعا: اختبار العدالة الانتقالية
سوريا تقف أمام مفترق طرق؛ إما أن تبني نموذجا للعدالة الانتقالية يوازن بين المحاسبة والمصالحة، أو تنزلق إلى دوامة ثأر اجتماعي غير معلن، وحماية المجتمعات المحلية مهما كانت هويتها الدينية أو الطائفية ستكون معيارا حاسما.
إن محاسبة عناصر أمنية متورطة – إن صحت – خطوة ضرورية، لكنها غير كافية، فالمطلوب شفافية في الأرقام، وإتاحة الوصول للمعلومات، وإشراك منظمات مستقلة في التحقيق، وضمانات واضحة لحماية الشهود، بدون ذلك، سيظل كل تقرير – مهما كان موثقا – قابلا للنفي السياسي.
الرسالة إلى الداخل والخارج
لا يقرأ المجتمع الدولي هذه الشهادات بوصفها حوادث معزولة، بل كمؤشر على اتجاه الدولة الجديدة، ففي مرحلة تسعى فيها سوريا إلى إعادة الانخراط الدبلوماسي وطلب الدعم لإعادة الإعمار، تصبح قضايا حقوق الإنسان جزءا من معادلة السياسة الخارجية، فالدول المانحة لا تستثمر فقط في البنية التحتية، بل في الثقة بالمؤسسات.
في الداخل، الرسالة أوضح؛ إن لم تشعر النساء، وخصوصا المنتميات إلى مجتمع محلي قلق، بالأمان، فإن أي حديث عن الاستقرار سيظل ناقصا، الأمن ليس غياب المعارك فحسب، بل غياب الخوف.
بين الألم والسياسة
تقرير بي بي سي يقدم لنا وجوها وأصواتا، لكنه يطرح أيضا سؤال دولة، فأي سوريا تتشكل بعد 2024؟ هل سوريا التي تُدار بإنكار وتبرير وتجزئة للمشكلة؟ أم سوريا التي تعترف وتحقق وتحاسب؟
التاريخ يعلمنا أن اللحظات الانتقالية تكشف جوهر الأنظمة، فالتعامل مع شهادات المختطفات ليس ملفا حقوقيا هامشيا، بل اختبارا مبكرا لفلسفة الحكم، فهل تقوم على سيادة القانون أم على إدارة السمعة؟ على المواطنة المتساوية أم على حسابات الغلبة؟
الإجابة عن سؤال إحدى الناجيات، “لماذا حدث لي هذا؟” هي المفتاح لفهم السياسة العامة في سوريا الجديدة، فالدول تُعرف نفسها ليس فقط بما تمنع حدوثه، بل بما تختار أن تراه.
سوريا الجديدة: مؤشرات السياسة العامة من شهادات المختطفات
⚔️ الفاعلون في العنف (حسب الشهادات)
تعدد يعكس تصدع احتكار العنف • مقاتلون أجانب، “أمن عام”، جماعات محلية
فجوة الاعتراف
42 بلاغاً رسمياً .. مقابل اعتراف ببلاغ واحد فقط
لغة الخطاب في الشهادات
تكرار لغة طائفية (إذلال، سبايا) يخلق مناخاً رمزياً
🧾 اختبار العدالة الانتقالية
- 🔴 محاسبة الأفراد أم شيطنة الجماعات؟
- 🔴 شفافية الأرقام + وصول للمنظمات المستقلة
- 🔴 حماية الشهود لضمان عدالة غير انتقائية
- 🔴 دور مجتمعي: إشراك المجتمعات المحلية في المصالحة
الرسالة للداخل والخارج
المجتمع الدولي يقرأ هذه الشهادات كمؤشر لاتجاه الدولة الجديدة. الدعم الدبلوماسي وإعادة الإعمار مرتبطان بمدى حماية حقوق الإنسان. في الداخل: غياب الأمن اليومي يفرغ الاستقرار من مضمونه.
“الدول تُعرف نفسها ليس بما تمنع حدوثه، بل بما تختار أن تراه.”

