إعادة تموضع القوة في سوريا: بين هزيمة داعش وإعادة إنتاجه

في مطلع عام 2026، اجتاحت قوات ما يُعرف “الجيش السوري الجديد” مناطق شمال وشرق سوريا، وسيطرت على مدن محورية وحقول نفط استراتيجية، منهية فعليا عقدا من الإدارة الذاتية الكردية المدعومة أمريكيا، وبمباركة مباشرة من واشنطن، ولم يكن الحدث مجرد عملية عسكرية لإعادة بسط السيطرة المركزية، بل محطة مفصلية في إعادة رسم توازنات القوى داخل سوريا.

الرقة، العاصمة السابقة لتنظيم “داعش” شكلت الرمز الأوضح لهذا التحول، فقبل سنوات، أُعدم عشرات من جنود الجيش العربي السوري بدم بارد، وعُلقت رؤوس بعضهم على الرماح عند مداخل المدينة، وهناك أيضا أُقيم “سوق السبايا” حيث بيعت نساء وفتيات، كثيرات منهن إيزيديات اختُطفن من العراق عام 2014، وعندما دخلت القوات الجديدة المدينة، بدت أجواء الاحتفال مشحونة بذكريات الماضي؛ فعدد من العناصر كانوا قد خدموا فيها خلال مرحلة “الخلافة”.

هذه الصورة الرمزية تختصر إشكالية المرحلة: هل هو انتصار للدولة أم إعادة تدوير لقوى كانت جزءا من الفوضى السابقة؟

هل هُزم التنظيم فعلا؟ — سؤال الاستطلاع ودلالته

لم يكن الاستطلاع الذي نشره موقع The Cradle  مجرد هامش تفاعلي أسفل مادة صحفية، بل بدا وكأنه نافذة صغيرة على مزاج سياسي أوسع يتشكل في ظل الشك المتراكم بالروايات الرسمية، حيث شارك فيه 88 مصوتا قبل إغلاقه، وهو رقم متواضع من حيث القياس الكمي، لكنه ذو دلالة نوعية داخل جمهور يتابع الشأن السوري من زاوية جيوسياسية ناقدة، واللافت أن نتائجه لم تعكس تباينا تقنيا حول تفاصيل عسكرية، بل انقساما عميقا حول معنى “الهزيمة” ذاته، فهل انتهى التنظيم فعلا، أم أنه غير جلده فحسب؟

جاءت النتائج على نحو يعمق هذا الشك البنيوي، فرأى 55.68% من المشاركين أن تنظيم “داعش” لم يتعرض لهزيمة حاسمة، بل أعاد تموضعه داخل تشكيلات جديدة؛ وذهب 31.82% إلى أبعد من ذلك معتبرين أن ما سُمي بـ”الحرب عليه” لم يكن سوى عرضٍ سياسي يخدم توازنات القوى أكثر مما يخدم تفكيك الظاهرة؛ بينما رأى 4.55% أنه تفتت تنظيميا لكنه حافظ على تماسكه الهيكلي؛ في حين اعتبر 7.95% أنه انهار فعليا، غير أن تدخلات خارجية أسهمت في إحياء شبكاته من جديد.

هذه الأرقام، مهما كان وزنها الإحصائي، تعكس حقيقة أعمق من مجرد انقسام في الرأي، فتكشف فجوة بين إعلان النصر العسكري عام 2019 وبين الشك المستمر في زوال البنية التي أنتجت التنظيم، ففي الشرق الأوسط، لا تُقاس قوة الحركات الراديكالية بامتلاك الأرض فقط، بل بقدرتها على التكيف داخل الفراغات. وعندما تعلن القوى الكبرى نهاية “الخلافة”، بينما يعتقد قطاع معتبر من المتابعين أن الشبكات ذاتها أعادت تموضعها تحت رايات جديدة، فإننا لا نكون أمام خلاف سردي، بل أمام مأزق استراتيجي.

المغزى الجيوسياسي واضح هنا بأن الحرب على الإرهاب تنهي شكله الإقليمي، لكنها نادرا ما تقتلع جذوره التنظيمية أو بيئته الحاضنة، وسوريا، بما شهدته من إعادة دمج لفصائل مسلحة ضمن هياكل رسمية، تقدم مثالا حيا على كيف يمكن للهزيمة العسكرية أن تتحول إلى إعادة تموضع، لا إلى نهاية فعلية.


من “الجيش الحر” إلى “الجيش الوطني” — مسار التحول التركي

تأسس “الجيش الوطني السوري” عام 2017 برعاية أنقرة، بعد أن أعادت تركيا تنظيم فصائل “الجيش السوري الحر” التي شاركت في تدخلها العسكري عام 2016 ضد “قوات سوريا الديمقراطية” ذات الغالبية الكردية، وبالنسبة لأنقرة، لم يكن الهدف فقط محاربة “داعش”، بل احتواء الصعود الكردي الذي اعتبرته امتدادا لحزب العمال الكردستاني.

بعد سقوط الرقة بيد “قسد” عام 2017، استوعب “الجيش الوطني” عشرات العناصر الفارين من تنظيم داعش، واستمر لاحقا في دمج مقاتلين سابقين ضمن صفوفه تقرير صادر عن “مركز توثيق الانتهاكات في شمال سوريا” (آب/أغسطس 2024) وثق عشرات الحالات لمقاتلين سابقين في التنظيم انضموا إلى هذا التشكيل.

في عام 2025، جرى دمج “الجيش الوطني السوري” رسميا في وزارة الدفاع، وأصبح هذا التشكيل أحد أعمدة الجيش السوري الجديد، إلى جانب “هيئة تحرير الشام” (جبهة النصرة سابقا)، التي تضم بدورها عناصر سابقة في تنظيمات متشددة.

المفارقة أن واشنطن، التي قادت تحالفا دوليا ضد داعش، تصف هذا الجيش اليوم بأنه “شريك في مكافحة الإرهاب”، ولكن هذا “الشريك” يضم شخصيات قاتلت سابقا تحت راية التنظيم ذاته.

التفسير الجيوسياسي لهذا التناقض يكمن في منطق إدارة المخاطر لا تصفيتها، فالولايات المتحدة، المنهكة من تدخلات طويلة في المنطقة، باتت تفضل ترتيبات تضمن الحد الأدنى من الاستقرار، حتى لو تطلب ذلك التحالف مع قوى ذات ماضٍ إشكالي.

سقوط “قسد” وإطلاق سراح المعتقلين

مع الاجتياح العسكري مطلع 2026، فقدت “قوات سوريا الديمقراطية” سيطرتها على سجون ومخيمات تضم آلافا من عناصر داعش وعائلاتهم، أبرزها مخيم الهول وسجن الشدادي، وانتشرت مقاطع مصورة تُظهر قوات حكومية تسمح للمحتجزين بالمغادرة، كما فر مئات السجناء خلال المعارك، رغم وجود قاعدة للتحالف الدولي على مقربة من أحد السجون.

في أحد المقاطع، صرحت امرأة عراقية مغادرة لمخيم الهول بفخرها بالتنظيم، هذه المشاهد أعادت إلى الواجهة السؤال عن مصير البنية العقائدية للتنظيم، لا مجرد هياكله العسكرية.

دولة أم ائتلاف منتصرين؟

سوريا ما بعد 2026 ليست دولة الخلافة، لكنها ليست أيضا دولة ما قبل 2011؛ إنها كيان أُعيد تشكيله عبر تحالفات متقلبة، وتوازنات إقليمية، وانكفاء أمريكي نسبي، وصعود دور تركي واضح، وإعادة دمج فصائل ذات خلفيات متشددة داخل مؤسسات الدولة قد تنتج استقرارا مرحليا، لكنها تطرح أسئلة طويلة الأمد حول طبيعة السلطة والهوية الوطنية.

في الشرق الأوسط، لا تختفي الأفكار الراديكالية بهزيمة عسكرية. إنها تذوب في تشكيلات جديدة، وتعيد إنتاج نفسها حيث تبقى جذور الصراع بلا معالجة سياسية شاملة.

سوريا اليوم مرآة لتحول أوسع في النظام الإقليمي؛ من مشاريع إعادة البناء إلى إدارة التوازنات، والسؤال المفتوح ليس من يسيطر على الرقة أو دير الزور، بل أي نوع من الدولة سيخرج من هذا الركام.

مقتبس من مقال كاردل: ISIS never left Syria, it just changed uniforms

هل هُزم تنظيم “داعش” فعلاً؟

نتائج استطلاع The Cradle (يناير 2026) – آراء 88 متابعاً حول مصير “الخلافة”

المغزى الجيوسياسي: “في الشرق الأوسط، لا تُقاس قوة الحركات الراديكالية بامتلاك الأرض فقط، بل بقدرتها على التكيف داخل الفراغات… الحرب على الإرهاب تنهي شكله الإقليمي، لكنها نادرا ما تقتلع جذوره التنظيمية.” — مقتبس من مقال كاردل

المصدر: The Cradle / تحليل كاردل – سوريا 2026

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *