في سوريا، لا تبدأ الأسئلة الكبرى من الاقتصاد وحده، ولا من السياسة وحدها، بل من طبيعة السلطة ذاتها، فبعد خمسة عشر عاما من الانهيار والتآكل والعزلة، لا يكفي أن يُطرح سؤال “ما هي الخطة”؟ فالأهم ما هو شكل الحكم الذي ينتج هذه الخطة أو يعجز عن إنتاجها؟
حين قال الرئيس الانتقالي أحمد الشرع، في 17 شباط 2026 خلال جلسة حوارية ضمن مؤتمر “وحدة الخطاب الإسلامي”، إن “سقف طموحات الناس ارتفع بشكل كبير، وأضحوا يطالبون بكل شيء بسرعة”، وأضاف أن هناك “غيابا في الوعي المجتمعي العام لآليات الإصلاح”، لم يكن ذلك تصريحا اقتصاديا بقدر ما كان توصيفا لعلاقة السلطة بالمجتمع.
ففي الأنظمة الحديثة، يُفترض أن يكون التوتر بين الطموح والإمكانات هو مجال السياسة، أما حين يتحول إلى عتب على المجتمع، فنحن أمام نموذج حكم يرى أن المشكلة في الفهم، لا في الصياغة.
من خطاب الإصلاح إلى هندسة السلطة
لفهم السلطة السورية الجديدة، لا بد من تجاوز الأسماء إلى البنية، فالدول لا تتحدد بخطب رؤسائها، بل بكيفية توزيع القرار داخلها:
من يقرر؟
من يراجع؟
من يحاسب؟
ومن يملك حق الاعتراض المؤسسي؟
إذا كانت السلطة مركزية إلى حد تصبح فيه القرارات الجوهرية، النقدية والمالية والاستراتيجية، محصورة في نطاق ضيق، فإن الوزراء يتحولون إلى منفذين لا صانعي سياسات، ويصبح الخطاب بديلا عن النقاش المؤسسي، و “الإصلاح” تعبيرا عن نية عليا لا عن برنامج تفصيلي.
التاريخ السوري القريب يعلمنا أن مركزية القرار ليست ظاهرة جديدة، والجديد هو السياق من اقتصاد منهك، ومجتمع فقير، وهامش مالي أضيق بكثير مما كان عليه الحال قبل 2011، فلا يكفي الحفاظ على توازن هش؛ المطلوب إعادة تعريف دور الدولة نفسها.
السلطة كراع أخلاقي أم كمدير عقد؟
اللافت في خطاب الشرع أنه نقل النقاش من حقل السياسات إلى حقل الوعي، فحين يُقال إن ثمة “غيابا في الوعي المجتمعي لآليات الإصلاح”، فإن السلطة تضع نفسها في موقع المعلم، والمجتمع في موقع المتلقي.
لكن الدولة الحديثة لا تقوم على علاقة تعليمية، بل على عقد، ما يعني أن السلطة تشرح، والمجتمع يحاسب، وأن تُنشر الأرقام، لا أن تُطلب الثقة، وأن يُحدد الجدول الزمني، لا أن يُلام الناس على استعجالهم.
حين تصبح الأزمة أزمة وعي، تتراجع الحاجة إلى الشفافية فيتعزز الطابع الشخصاني للسلطة.
مركزية القرار وحدود الإصلاح
في الاقتصادات الخارجة من أزمات عميقة، تحتاج الحكومات إلى شرعية مزدوجة؛ سياسية وتقنية، فالشرعية السياسية تُبنى عبر تمثيل أوسع أو توافق وطني، والتقنية تُبنى عبر كفاءة مؤسسات قادرة على التخطيط طويل الأمد.
في الحالة السورية، تبدو السلطة الجديدة وكأنها تراهن على الشرعية الخطابية عبر حضور إعلامي مكثف، ولغة طمأنة، ووعود بإصلاح تدريجي، لكن الإصلاح لا يُقاس بمدى تكرار الكلمة، بل بمدى تغير القواعد:
هل تغيرت قواعد توزيع الموارد؟
هل أصبحت ملكية القطاعات الاستراتيجية شفافة؟
هل باتت السياسة النقدية مستقلة عن الحساسية السياسية اليومية؟
هل نُشر إطار مالي متوسط الأجل يوضح العجز المتوقع، ومصادر تمويله، وخطة خفضه؟
غياب هذه العناصر لا يعني غياب الإرادة، لكنه يكشف حدود البنية، فالإصلاح الهيكلي يحتاج مؤسسات قادرة على تحمل الكلفة السياسية للقرارات الصعبة، وحين تُترك هذه الكلفة في يد رأس السلطة وحده، فإن الميل الطبيعي يكون نحو إدارة التوازن، لا نحو إعادة البناء.
من اقتصاد متهالك إلى سلطة حذرة
تشير تقديرات أممية إلى أن أكثر من 80% من السوريين يعيشون تحت خط الفقر، وأن الناتج المحلي فقد أكثر من نصف حجمه خلال العقد الماضي، العملة الوطنية تراجعت قيمتها إلى مستويات جعلت متوسط الأجور الرسمية يعادل عشرات الدولارات فقط شهريا.
في مثل هذا الواقع، تصبح كل خطوة اقتصادية حساسة سياسيا، ورفع أسعار الطاقة، وتقليص الدعم، أو تعديل الرسوم، كلها قرارات تمس مباشرة حياة الناس، والسلطة هنا أمام خيارين:
- إما أن تربط القرارات ببرنامج معلن يوزع العبء بعدالة ويشرح المراحل.
- أو أن تقدمها كإجراءات ضرورية وتطلب الصبر.
حتى الآن، يبدو أن الخيار الثاني هو الغالب.
غموض الملكية واختبار الدولة
أحد المؤشرات الكاشفة لطبيعة أي سلطة هو تعاملها مع مسألة الملكية، ففي الدول التي تسعى لبناء اقتصاد تنافسي، تكون ملكية القطاعات الكبرى واضحة، وقواعد تنظيمها معلنة، وتقاريرها منشورة.
حين تصبح ملكية قطاعات استراتيجية، كالاتصالات، موضوعا غامضا أو مربكا، فإن ذلك يعكس استمرار نمط السلطة الشبكية، حيث تتداخل السياسة والاقتصاد في دوائر مغلقة.
السلطة الجديدة لم تُعلن حتى الآن تصورا شاملا لإعادة هيكلة العلاقة بين الدولة ورأس المال، فهل نحن أمام اقتصاد سوق منظم بقواعد واضحة؟ أم أمام إعادة توزيع نفوذ ضمن البنية القديمة؟
الإجابة عن هذا السؤال تحدد طبيعة المرحلة.
خطاب الثقة في مقابل مؤسسات الثقة
الثقة عنصر حاسم في أي اقتصاد، لكنها لا تُبنى عبر الخطاب، بل عبر مؤسسات يمكن التنبؤ بسلوكها، وإذا طُلب من المواطنين تفهم “آليات الإصلاح”، فذلك يفترض أن هذه الآليات معلنة وقابلة للفحص، أما إذا كانت غير منشورة، فإن الدعوة إلى الوعي تتحول دعوة للإيمان، والفرق بين الإيمان والعقد هو الفرق بين السلطة التقليدية والدولة الحديثة.
السؤال الأعمق هل تمثل السلطة السورية الجديدة قطيعة مع البنية التي سبقتها، أم استمرارية بأدوات مختلفة؟ في البنية السابقة، كان القرار مركزيا، والمساءلة محدودة، والاقتصاد مختلطا بين الريع والاحتكار، إذا لم تتغير هذه العناصر، فإن التغيير في الوجوه لا يكفي.
التحول الحقيقي يُقاس بمدى توزيع القرار، ووضوح السياسات، وقدرة المؤسسات على العمل بمعزل عن الشخصنة، أما إذا بقيت السياسة النقدية والمالية رهينة اعتبارات عليا غير معلنة، فإن الوزراء سيبقون في موقع إدارة النتائج لا صناعة الاتجاه.
ما الذي تكشفه اللغة؟
اللغة ليست تفصيلا، فحين يُقال إن المشكلة في “ارتفاع سقف الطموحات”، فإن السلطة تعيد تعريف العلاقة بين المجتمع الذي يطلب أكثر مما ينبغي، والدولة التي تعمل وفق إمكاناتها.
لكن في سياق دولة خرجت من حرب مدمرة، من الطبيعي أن تكون الطموحات مرتفعة، السؤال ليس لماذا يطالب الناس، بل ماذا تقدم السلطة من خريطة طريق، ففي كل التجارب الناجحة، كانت خريطة الطريق هي صمام الأمان السياسي عبر جدول زمني واضح يتيح للناس قياس التقدم، ومحاسبة التقصير، وحتى الآن، لم يُطرح مثل هذا الإطار بشكل مفصل.
السلطة كاختبار للحداثة
طبيعة السلطة السورية الجديدة تُختبر في قدرتها على الانتقال من خطاب الإصلاح إلى هندسة الإصلاح، ومن مطالبة المجتمع بالوعي إلى تمكينه بالمعلومة، من مركزية القرار إلى مؤسسية السياسة.
سوريا اليوم لا تحتاج فقط إلى إجراءات مالية، بل إلى إعادة تعريف للعلاقة بين الحاكم والمحكوم، ولا تحتاج فقط إلى صبر اجتماعي، بل إلى وضوح سياسي.
لا تحتاج إلى خطاب يشرح للناس حدود طموحاتهم، بل إلى خطة تشرح كيف ستتحقق هذه الطموحات تدريجيا.
إذا كانت هناك خطة إصلاح، فإن إعلانها سيعزز شرعية السلطة، وإن لم تكن، فإن خطاب الوعي لن يعوض غيابها.
الدول لا تُقاس ببلاغة رؤسائها، بل بقدرتها على تحويل البلاغة إلى مؤسسات، وفي سوريا، السؤال لم يعد: ماذا قال الرئيس؟ بل ما الذي تغير في بنية الحكم منذ أن قاله؟
سوريا والسلطة الجديدة | مؤشرات الحكم والإصلاح
بين خطاب الإصلاح وبنية الحكم

