حين حذرت سفيرة النوايا الحسنة لمنظمة اليونيسف، مزون المليحان، من أن الأطفال في سوريا ما زالوا يواجهون مخاطر يومية ناجمة عن مخلفات الحرب المتفجرة، وتضرر البنية التحتية، وتراجع الخدمات الأساسية، لم تكن تتحدث بلغة إنسانية عاطفية فحسب، بل بلغة أرقام ووقائع تعكس هشاشة بنيوية عميقة، وإشارتها إلى ملايين الأطفال خارج المدارس، وإلى الفتيات المهددات بالتسرب والزواج المبكر، تكشف أن الأزمة لم تعد مجرد تداعيات حرب، بل تحولت إلى معضلة مستقبل وطني بأكمله.
ليست الجغرافيا مجرد تضاريس وخرائط وحدود؛ إنها قبل كل شيء صراع على السلطة، وعلى تمثيل الفضاء، وعلى التحكم في البشر الذين يسكنونه، ومن هذه الزاوية تحديدا، يصبح واقع أطفال سوريا في عام 2025 مسألة جيوسياسية بامتياز، فالطفولة هنا ليست شأنا إنسانيا محضا، بل مؤشرا استراتيجيا يكشف طبيعة الصراع، وأدوات السيطرة، وحدود الدولة، ومآلاتها.
سوريا اليوم لا تُختبر فقط على خطوط التماس العسكرية، بل على خطوط المدارس المعطلة، والمخيمات المكتظة، وحقول الألغام التي تحيط بالقرى، فما يتعرض له الأطفال ليس نتيجة عرضية للحرب، بل هو امتدادها في صورة أخرى؛ حرب على الزمن والمستقبل وإعادة إنتاج المجتمع.
الجغرافيا الممزقة وإعادة تشكيل المجال
من منظور جيوسياسي، يمكن قراءة توزع المخاطر التي تهدد الأطفال بوصفه خريطة نفوذ، فالمناطق الأكثر تلوثا بمخلفات الحرب المتفجرة، دير الزور والرقة وريف حلب الشرقي، وأطراف إدلب، ليست مجرد مسارح معارك سابقة، بل فضاءات تنازعت عليها قوى متعددة، محلية وإقليمية ودولية، وانتشار الألغام في الأراضي الزراعية وحول القرى ليس فقط إرثا عسكريا، بل وسيلة غير مباشرة لإعادة رسم المجال السكاني عبر عرقلة العودة، إبطاء إعادة الإعمار، وفرض وقائع ديموغرافية جديدة.
يصبح الطفل الذي يفقد حياته بسبب لغم غير منفجر ضحية صراع مستمر على السيطرة على الأرض، فالمجال لا يُحكم فقط بالقواعد العسكرية، بل بإمكان العيش فيه. وإذا كانت الجغرافيا السياسية تهتم بمن يسيطر على الأرض، فإن سؤال 2025 في سوريا هو: من يستطيع أن يعيش عليها بأمان؟
التعليم كحد جيوسياسي
يشير خروج نحو 2.5 مليون طفل من التعليم إلى ما هو أبعد من أزمة مدرسية، فالمدرسة، في التحليل الجيوسياسي، أداة لإنتاج الانتماء الوطني، ولتوحيد اللغة السياسية، ولتثبيت سردية الدولة، وحين تتفكك المنظومة التعليمية بين مناطق نفوذ متعددة، فإننا لا نشهد مجرد تراجع خدمات، بل تعددا في أنظمة التنشئة السياسية.
مع بسط السلطة الجديدة سيطرتها على معظم الجغرافيا السورية، لم يعد الانقسام التعليمي قائما على تعدد سلطات الأمر الواقع كما في السنوات السابقة، غير أن آثار المرحلة الماضية ما تزال حاضرة في البنية التعليمية ذاتها، فالتباين في المناهج واختلاف المرجعيات وتفاوت معايير الإشراف، ماتزال قائمة وتترك فجوات معرفية وتربوية بين المناطق، يصعب ردمها إداريا بقرار مركزي سريع.
إن توحيد الإدارة لا يعني بالضرورة توحيد المجال الرمزي فورا؛ إذ إن أجيالا كاملة تلقت تعليمها في سياقات متباينة، وتحت سرديات مختلفة، ما انعكس على تصوراتها للهوية والانتماء والدولة، وهنا يبرز البعد الجيوسياسي الأكثر عمقا، فإعادة بسط السيطرة الجغرافية تظل منقوصة إن لم تُستكمل بإعادة بناء المجال التعليمي بوصفه أداة لإعادة صياغة العقد الوطني، وترميم التماسك الرمزي الذي تضرر خلال سنوات الانقسام.
وإذا أضفنا إلى ذلك الفقر الذي يدفع الأطفال إلى سوق العمل، فإننا نواجه ظاهرة أخطر؛ انقطاع مبكر عن مسار إعادة بناء المجتمع، والطفل العامل لا يكتسب فقط مهارات اقتصادية بديلة، بل يُعاد إدماجه في شبكات إنتاج غير رسمية، ترتبط أحيانا باقتصاد الحرب أو بالتهريب أو بالاقتصادات الحدودية، ويتحول الاقتصاد الهش إلى بيئة لإعادة إنتاج الهشاشة.
المخيمات: فضاءات استثناء دائمة
تحتضن سوريا ملايين النازحين داخليا، كثير منهم أطفال يعيشون في مخيمات أو مساكن غير لائقة، وهذه المخيمات ليست مجرد حلول مؤقتة، بل تحولت إلى فضاءات استثناء شبه دائمة، وفي الجغرافيا السياسية، فضاء الاستثناء هو المكان الذي تتعطل فيه القواعد العادية للسيادة والخدمات، ويُدار عبر ترتيبات طارئة ومساعدات مشروطة.
المخيم ليس فقط مكانا للفقر، بل هو أيضا أداة ضغط سياسية، وتمويله يعتمد على قرارات مانحين دوليين، وتدفق المساعدات يرتبط بحسابات دبلوماسية، ويصبح الطفل في المخيم جزءا من معادلة تفاوض غير معلنة: بين المانحين، والسلطات المحلية، والقوى الإقليمية.
إن تراجع تمويل خطة الاستجابة الإنسانية في 2025 لا يعني فقط تقليص سلة غذائية، بل يعني إعادة ترتيب الأولويات الدولية، وحين تتزاحم الأزمات العالمية، تتراجع سوريا في سلم الاهتمام. النتيجة الجيوسياسية لذلك هي مزيد من الانكفاء المحلي، ومزيد من الاعتماد على شبكات بديلة، قد لا تكون دائما خاضعة لرقابة الدولة.
الفقر كأداة تفكيك بطيء
يشير واقع أن أكثر من 90% من السكان تحت خط الفقر إلى أزمة بنيوية تتجاوز تداعيات الحرب، فالفقر هنا ليس حالة اجتماعية فقط، بل بنية تقيد قدرة الدولة على استعادة دورها، فدولة فقيرة بسكان معدمين تعجز عن إعادة إنتاج عقد اجتماعي مستقر.
تتضاعف هشاشة الأطفال، فسوء التغذية وعمالة الأطفال والزواج المبكر للفتيات، مؤشرات على انزلاق المجتمع نحو استراتيجيات بقاء قصيرة الأمد، وهذه الاستراتيجيات، وإن بدت عقلانية على مستوى الأسرة، تُضعف على المدى الطويل رأس المال البشري للدولة.
الصراع على سوريا لم يعد فقط صراعا على الجغرافيا، بل على القدرة على إنتاج أجيال قادرة على إدارة هذه الجغرافيا، فإذا نشأ جيل محروم من التعليم والصحة والاستقرار، فإن ذلك يعيد رسم موازين القوى الداخلية لعقود مقبلة.
العقوبات والفاعلون الخارجيون: بين الضغط والسيادة
مع إسقاط العقوبات الاقتصادية، لم تعد القيود الخارجية تمثل العامل الضاغط الأساسي على البنية الخدمية كما في السنوات الماضية، غير أن التحدي لم ينته عند هذا الحد، فمرحلة ما بعد العقوبات تضع الدولة أمام اختبار مختلف يتجلى في القدرة على تحويل الانفتاح المالي والتجاري إلى تحسن ملموس في الخدمات العامة، وإعادة توجيه الموارد نحو التعليم والصحة والبنية التحتية.
جيوسياسيا، يشكل رفع العقوبات لحظة انتقال من اقتصاد محكوم بالقيود إلى اقتصاد مفتوح على فرص الاستثمار وإعادة الإعمار، غير أن أي تعثر في إدارة هذه المرحلة، سواء لجهة الحوكمة أو الشفافية أو عدالة توزيع الموارد، يُعيد إنتاج الهشاشة نفسها بوسائل داخلية هذه المرة، فيبقى الأطفال المؤشر الأكثر حساسية؛ فإذا لم ينعكس التحول السياسي والاقتصادي سريعا على مدارسهم، ورعايتهم الصحية، وأمنهم المعيشي، فإن رفع القيود الخارجية سيبقى تحولا شكليا لا يمس جوهر التعافي الوطني.
في المقابل، تستخدم بعض الأطراف الإقليمية ملف المساعدات الإنسانية لتعزيز نفوذها المحلي، فيصبح تمويل مدرسة أو مركز صحي فعلا بدلالة سياسية، يرسخ حضور جهة ما في فضاء معين، فالسيطرة لا تُمارس فقط عبر البعد العسكري، بل عبر شبكات الخدمات.
الطفولة كساحة صراع على المستقبل
ما حدث لأطفال سوريا في 2025 هو صراع على المستقبل بوسائل غير مباشرة، فالحرب، حين تعجز عن حسم ميداني نهائي، تتحول إلى حرب استنزاف طويلة الأمد، وأحد ميادين هذا الاستنزاف هو الطفولة ذاتها.
الطفل الذي يُحرم من التعليم، أو يُصاب بلغم، أو يُجبر على العمل، هو خسارة فردية، لكنه أيضا مؤشر إلى تآكل قدرة الدولة على إعادة إنتاج ذاتها، وكلما طال أمد هذا التآكل، تعمق التشظي الجغرافي والسياسي.
إن الجغرافيا السياسية لسوريا اليوم لا تُقرأ فقط عبر خرائط السيطرة، بل عبر خرائط المدارس المعطلة، والمخيمات، ونقاط توزيع المياه، فهذه هي الحدود الفعلية للسيادة: حيث تستطيع الدولة أو لا تستطيع أن تحمي أطفالها.
إن ما تتعرض له سوريا جيوسياسيا نتيجة واقع أطفالها ليس مجرد أزمة إنسانية، بل أزمة سيادة، وأزمة إعادة إنتاج وطني، وإذا كانت الجغرافيا تُستخدم أولا لصنع الحرب، فإن سوريا تُظهر اليوم أن الجغرافيا يمكن أن تُستخدم أيضا لإدامتها، عبر إضعاف الأجيال التي يُفترض أن تبني السلام.
سوريا 2025 | الطفولة في قلب الجيوسياسة
رسوم بيانية توثق تحول الأطفال إلى مؤشر استراتيجي: ألغام، تعليم، مخيمات، فقر

