ثمة لحظة فارقة في أي دراما اجتماعية تقرر فيها ما إذا كانت ستنظر إلى المجتمع بوصفه كيانا معقدا، لكنه متعدد الاحتمالات، أم ستختزله في بنية واحدة مغلقة، حيث كل طريق يقود إلى الفساد، وكل علاقة تدار بمنطق المنفعة، وكل سلطة محكومة بالالتفاف على القانون.
في حلقاته الأولى يميل “مطبخ المدينة” إلى الخيار الثاني بثبات لافت، لا بوصفه احتمالا دراميا، بل كقاعدة عامة تحكم العالم بأسره.
المشكلة ليست في عرض فالدراما، تاريخيا، ازدهرت حين اقتربت من العطب الأخلاقي، من التراجيديا الإغريقية إلى الواقعية الحديثة، كان الانحراف عن القيم هو الشرارة التي تكشف الإنسان، لكن الفرق بين التراجيديا الكلاسيكية وبعض الدراما المعاصرة يكمن في نقطة جوهرية؛ في التراجيديا، الانهيار نتيجة خلل محدد في شخصية أو ظرف؛ أما في “مطبخ المدينة” كما يقدم حتى الآن، فالانهيار يبدو بنية شاملة لا استثناء فيها.
الفساد كأفق وحيد
منذ البداية، يبنى العالم على فرضية أن المطبخ العائلي، رمز الدفء والخصوصية، ليس سوى واجهة محتملة لغسيل أموال، وتقاطعات تجارية مشبوهة، وتحالفات تتبدل وفق المصلحة، من اختفاء الابنة، والجثة المجهولة، وجريمة الغدر القديمة، وشبكات المال غير المشروع، والاعترافات المتأخرة… كلها عناصر تكدس داخل فضاء واحد، كأن المجتمع الدمشقي المعاصر لا ينتج سوى هذا الطيف من الانحراف.
النتيجة ليست دراما داكنة فحسب، بل رؤية أحادية فلا نجد شخصية تقف خارج الشبكة، ولا توجد مساحة أخلاقية مستقلة، ولا فرد يحاول أن يعيش وفق منطق مختلف ويدفع ثمنه، فالجميع، بدرجات متفاوتة، متورطون أو متكيفون، وكأن النص يقول هكذا تسير سوريا بلا استثناء.
هذه الرؤية ليست فقط قاتمة؛ إنها مغلقة، تقصي إمكان التعقيد الحقيقي الذي لا يعني تكاثر الجرائم، بل تنوع الاستجابات لها.
العلاقات بوصفها مرضا جمعيا
في الحلقات الأولى، تتحول كل علاقة تقريبا إلى علاقة نفعية: الأب يحمي صورته، والابن يناور ماليا، والموظفون يخفون معلومات، والتحالفات تبنى على السر لا على الثقة، فلا يظهر التواطؤ كخيار فردي، بل كاستجابة شبه طبيعية للواقع.
هنا تكمن الإشكالية الأعمق، فالنص لا يكتفي بعرض سلوكيات منحرفة، بل يعممها، فالمجتمع لا يصور كفضاء تتجاور فيه أنماط مختلفة من الأخلاق، بل كنسيج واحد متجانس في فساده، وهذه المقاربة تنتج ما يمكن وصفه بـ”الاختزال البنيوي”، حيث يختصر الواقع في سمة واحدة، مهما كانت تلك السمة قابلة للوجود فعليا.
الدراما، بوظيفتها الكلاسيكية، لا تبسط المجتمع إلى صيغة واحدة، فأرسطو، حين تحدث عن المحاكاة، لم يقصد إعادة إنتاج الواقع كما هو، بل تنظيمه دراميا لكشف منطقه الداخلي، لكن هذا التنظيم يفترض وجود توازن؛ من خطأ يقابله وعي، وسقوط يقابله إدراك، وقوة تقابلها مقاومة، وفي “مطبخ المدينة”، حتى الآن، لا نجد هذا التوازن.
هل يتوافق ذلك مع الوظائف الدرامية الكلاسيكية؟
الوظيفة الكلاسيكية للدراما تقوم على ثلاثة أعمدة: الصراع، التحول، والتطهير (الكاثارسيس)، فالصراع حاضر بقوة في العمل، بل ربما بوفرة مفرطة، والتحول موجود جزئيا، عبر انكشاف ملفات الماضي واعترافات الحاضر، لكن التطهير؟ هنا تتعثر المعادلة.
التطهير لا يعني نهاية سعيدة، بل لحظة إدراك أخلاقي تتيح للمشاهد إعادة ترتيب علاقته بالقيم، حين يقدم المجتمع بأكمله كشبكة فساد، دون ثغرة ضوء، فالتطهير يصبح مستحيلا، فلا يوجد ما يمكن استعادته، ولا قيمة يمكن الدفاع عنها، ولا معيار يمكن القياس عليه.
في التراجيديا الكلاسيكية، كان البطل يخطئ لأنه إنسان، لا لأنه يعيش في عالم بلا بدائل، أما هنا، فالعالم ذاته يبدو خاليا من البدائل، وهذا الفارق جوهري، لأن الدراما التي تنفي إمكان الاختيار الأخلاقي تحول شخصياتها إلى أدوات ضمن منظومة حتمية.
من النقد إلى التطبيع
العمل يريد أن يمارس نقدا لواقع اجتماعي متدهور، لكن النقد يتطلب مسافة، ويتطلب أن يظهر التناقض بين ما هو قائم وما يمكن أن يكون، وحين تصور كل العلاقات كصفقات، وكل القيم كأقنعة، فإن المسافة تتلاشى، ويتحول العرض إلى إعادة إنتاج، وربما إلى تطبيع.
الخطورة هنا ليست أخلاقية بالمعنى الوعظي، بل جمالية، فالنص الذي يساوي بين الجميع في الانحراف يفقد قدرته على المفاضلة الدرامية، فلا يعود هناك توتر حقيقي، لأن التوتر ينشأ من احتمال الانكسار أو النجاة. وإذا كان الجميع غارقين في المنطق ذاته، فما الذي يمكن أن يتغير؟
دمشق كخلفية لا ككيان
المسلسل يعلن أنه يقدم قراءة لدمشق المعاصرة، من “دفء المطبخ” إلى “عتمة الشارع”، لكن المدينة، في الحلقات الأولى، تبدو إطارا وظيفيا للجرائم لا كيانا اجتماعيا نابضا، فلا نرى شبكات تضامن، ولا مبادرات فردية، ولا طبقات مختلفة تتجاور بقيم متباينة، ونرى فقط انعكاسا متكررا لمنطق واحد؛ المال يحكم، والسر يحمي، والعدالة تتأخر.
هذا الاختزال يظلم المدينة بقدر ما يخدم الحبكة، لأنه يفترض أن التحولات التي مرت بها الطبقة الوسطى السورية أنتجت نموذجا واحدا من البشر، ذلك الذي يتكيف مع الفساد أو ينهزم أمامه، وهذا تعميم درامي يفتقر إلى التعدد الذي يميز الواقع.
مسؤولية الكاتب… ومسؤولية النص
حين تكتب الدراما الاجتماعية بهذا الأسلوب، فإنها تدخل في حوار مع تقليد طويل من الأعمال التي حاولت فهم التحولات الكبرى، لكن الحوار يتطلب جرأة في توزيع الضوء، لا في تكثيف الظل فقط، وتصوير المجتمع كشبكة مغلقة من المصالح قد يعكس إحساسا عاما بالانسداد، لكنه لا يختبر إمكان الخروج منه.
السؤال ليس: هل الفساد موجود؟ بل: هل هو القاعدة الوحيدة؟ وهل من وظيفة الدراما أن تعيد تأكيد هذا التصور دون مساءلته؟
الحلقات المتتالية من “مطبخ المدينة” تختار التراكم على حساب التوازن، فكل خيط جديد يقود إلى مزيد من الانكشافات السوداء، وكل علاقة تتبين كصفقة مؤجلة، فلا توجد لحظة ينهار فيها هذا المنطق من الداخل.
الدراما بين المرآة والمطرقة
ثمة فارق بين أن تكون الدراما مرآة تعكس، وأن تكون مطرقة تعيد تشكيل الإدراك، و”مطبخ المدينة” ينجح في بناء عالم متماسك داخليا، لكنه عالم متجانس في عتمته، وهذا التماسك نفسه يصبح مشكلة حين يغيب التنوع الأخلاقي.
الوظيفة الكلاسيكية للدراما لم تكن يوما في تعميم الانحلال، بل في اختبار حدوده، وفي إظهار كيف يمكن لشخص واحد، أو قرار واحد، أن يكسر السلسلة، ومن دون هذا الاحتمال، يتحول السرد إلى تقرير طويل عن انسداد شامل.
أي مجتمع نريد أن نرى؟
الدراما لا تلتزم بإرضاء الواقع، لكنها تلتزم بصدق داخلي، وإذا كان “مطبخ المدينة” يطمح إلى تشريح الطبقة الوسطى السورية وتحولاتها، فعليه أن يمنحها أكثر من صورة واحدة، أن يعترف بأن الشبكات الفاسدة موجودة، نعم، لكن إلى جانبها شبكات مقاومة، وأفرادا يرفضون، ومساحات تضامن لا تقاس بالمال.
حتى الآن، النص يختار أن يرى المجتمع ككتلة واحدة متورطة، لكنه اختيار يبتعد عن الوظائف الكلاسيكية للدراما التي تفترض صراعا بين قيم، لا غيابا كاملا لها.
ليست المشكلة في عرض العتمة، بل في الإيحاء بأنها الأفق الوحيد الممكن، والدراما، إن أرادت أن تبقى فنا لا بيانا، مطالبة بأن تترك نافذة مفتوحة لا كي تطمئن، بل كي تبقي السؤال حيا: هل كل العلاقات محكومة بالفساد، أم أن النص هو من قرر أن يراها كذلك؟

