حرب الاتصالات في سوريا: صراع أمريكي–صيني على البنية الرقمية والسيادة التقنية

في الأخبار التي تتبدَل بسرعة، هناك ما يبدو صغير لكنه يفتح نافذة على صراعَ أكبر، وتقرير “رويترز” الحصري عن ضغط واشنطن على سلطة دمشق  للتحوَل بعيدَا عن أنظمة الاتصالات الصينية لا يدور حول مزوَد معدات أو صفقة توريد، بل حول سؤال سياديَ جديد؛ من يملك مفاتيح البنية الرقمية لدولة خارجة من حربَ طويلة، وفي لحظة إعادة تشكَلَ سياسي واقتصادي؟

الولايات المتحدة حذَرت سوريا من الاعتماد على التكنولوجيا الصينية في قطاع الاتصالات بحجة تعارض ذلك مع المصالح الأمريكية وتهديده للأمن القومي، والرسالة نَقلت خلال اجتماع غير مَعلن في سان فرانسيسكو بين فريق من وزارة الخارجية الأمريكية ووزير الاتصالات السوري عبد السلام هيكل، وفي الوقت نفسه، تقول مصادر التقرير إن سوريا “تستكشف” شراء تكنولوجيا صينية لدعم أبراج الاتصالات وبنية مزوَدي الإنترنت المحليين، بينما ترد سلطة دمشق  بأن الوقت يضغط، وأن تنويع المورَدين ضرورة، وأن قيود التصدير الأمريكية تخلق فجوة عملية تمنع البدائل الغربية.

إنها قصة “حرب شبكات” تَدار بأدوات الاقتصاد والسياسة والأمن السيبراني، وتَعاد فيها كتابة خرائط النفوذ عبر الألياف الضوئية وأجهزة النفاذ الراديوي ومحطات الربط الدولية، لا عبر الجيوش فقط.

من “ساحة حرب” إلى “ساحة معيار”

خلال العقد الماضي، تحوَلت الاتصالات عالميا إلى ما يشبه البنية التحتية للسيادة، كلما زادت رقمنة الدولة، صار التحكم بالشبكات أقرب إلى التحكم بإيقاع الاقتصاد، وبقدرة المؤسسات، وبمسارات البيانات التي تغذي الأمن الداخلي والخدمات العامة والمعاملات المالية، فليست شبكات الاتصالات مجرد خدمة؛ إنها قاعدة الدولة الحديثة.

وسوريا، على نحوَ مؤلم، تدخل هذه المرحلة متأخرة، فبعد 14 عاما من الحرب، يتحدث تقرير رويترز عن بنية اتصالات “غير كافية”، من تغطية ضعيفة خارج مراكز المدن، وسرعات اتصال في مناطق كثيرة بالكاد تتجاوز “بضع كيلوبَتات في الثانية”، وهي مؤشر على اقتصادَ مكبَل، فهناك تعليمَ رقمي متعثر، وخدمات حكومية إلكترونية صعبة، واستثمارَ أجنبي ينظر إلى الشبكة بوصفها خطَا أحمر.

في هذا الفراغ، يصبح من الطبيعي أن تبحث سلطة دمشق  عن حلول “سريعة” و”متاحة”، وهنا تدخل الصين، لا فقط كقوة سياسية، بل كقوة معيارية؛ تعرض معدات والتمويل وسلاسل توريد أقل حساسية للعقوبات.

لماذا واشنطن الآن؟

السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا يأتي الضغط الأمريكي بهذه المباشرة الآن؟ جزء من الإجابة في التحول السياسي الذي تشير إليه “رويترز”: واشنطن نسقت مع سلطة دمشق  منذ 2024 بعد إطاحة الرئيس السابق بشار الأسد، الذي ارتبطت حكومته بشراكة مع الصين، أي أن سوريا تتحرك من نظام علاقاتَ قديم إلى نظام علاقاتَ جديد، والنافذة الانتقالية هي اللحظة المثالية لتثبيت “اتجاه” البلد في الملفات الحساسة.

لكن السبب الأعمق يتصل بمنطق “شبكات الجيل التالي”، فمن يمتلك قلب الشبكة وبوابات إدارتها وصيانتها وتحديثها، يقترب من امتلاك قدرة تأثيرَ طويل الأمد، ليس عبر “التجسس” فقط، بل عبر الاعتمادية المتبادلة من قطع الغيار والتحديثات والدعم الفني وتوافق المعايير وأحيانَا التمويل، فلغة الأمن القومي في التصريحات الأمريكية تقرأ على أنها لغة سياسية بامتياز، حتى حين تتخذ شكل تحذير تقني.

بيان الخارجية الأمريكية الذي يحذر من “المعدات الرخيصة” ويدعو لتقديم الأمن والخصوصية على السعر يتكئ على سردية باتت مألوفة في المواجهة مع بكين، فالقوانين الصينية تتيح لأجهزة الأمن إلزام الشركات بمشاركة بيانات أو توفير نفاذ إلى الأنظمة، والصين ترفض ذلك مرارا، لكن في عالم التحالفات، ليست الحجج وحدها ما يقرر، بل القدرة على تقديم البديل.

“البديل” الذي تعرقله واشنطن نفسها

سوريا تقول إنها منفتحة على الشراكة مع الولايات المتحدة، لكن قيود التصدير و”الإفراط في الامتثال” لدى الشركات الغربية يعرقلان وصول التكنولوجيا والخدمات، فواشنطن تطلب من سلطة دمشق  الابتعاد عن الصين، بينما لا تضمن فتح الباب بما يكفي للبدائل الغربية في سوق ظل لعقدَ ونصف يتشكل تحت ثقل العقوبات.

هذا التناقض لا يَفهم إلا ضمن الاقتصاد السياسي للعقوبات، فهي ليست مجرد قرار سياسي؛ إنها بيئة خوف قانوني للشركات والبنوك والمورَدين، وحتى حين تتغير السياسات رسميَا، يبقى “الخوف المؤسساتي” أطول عمرَا، فالشركات لا تريد المخاطرة بصفقة في بلد كانت العقوبات ضده معقدة، وبدون جهد أمريكي منظم لتقديم ضمانات أو آليات ترخيص فعَالة، ستظل الدعوة لشراء “التكنولوجيا الأمريكية أو الحليفة” أقرب إلى أمنية منها إلى سياسة قابلة للتنفيذ.

واقع الاتصالات في سوريا: إرث صيني ثقيل

ما يعقد المسألة أكثر أن البنية السورية ليست صفحة بيضاء، فرويترز تشير إلى اعتماد كبير على التكنولوجيا الصينية في الشبكات القائمة، وأن تكنولوجيا هواوي تشكل أكثر من 50% من بنية شركتي الاتصالات الأساسيتين في البلاد (سيريتل وMTN) وتغيير ذلك ليس قرارا يَتخذ في اجتماع؛ إنه عملية سنوات من استبدال تدريجي، وتوافق تجهيزات، وتدريب والتعامل مع “قفل المورد” (vendor lock-in).

حتى لو أرادت سلطة دمشق  التحول، فإن كلفة التحول المالية والتقنية كبيرة، وحين تكون السرعات ضعيفة والتغطية هشة، يصبح ضغط الزمن أقسى من ضغط السياسة.

السعودية تدخل من بوابة الألياف

وسط هذا الاشتباك الأمريكي-الصيني، يظهر لاعب ثالث يحمل بَعدا إقليميا، فالسعودية، حسب رويترز ووكالة أسوشيتد برس، أعلنت عبر STC عن مشروع استثماري ضخم يقارب 800 مليون دولار لإنشاء شبكة ألياف ضوئية تمتد نحو 4,500 كيلومتر، ضمن حزمة استثمارات سعودية أوسع في سوريا ما بعد الحرب. هذا المشروع إن نَفَذ وفق الجدول لا يرفع سرعة الإنترنت فقط؛ بل يعيد رسم علاقة سوريا بممرات الربط الإقليمي بين آسيا وأوروبا، ويخلق بنية تحتية أقل اعتمادا على معدات الراديو وحدها.

ومن منظور جيوسياسي، تمنح هذه الاستثمارات سلطة دمشق  هامش مناورة عبر بديل “حليف” لا يمر مباشرة عبر القيود الأمريكية، ولا يفرض الالتحاق الكامل بالمظلة الصينية، لكنها، في الوقت نفسه، تطرح سؤالَا آخر: هل تصبح الاتصالات في سوريا مجالا لتقاسم النفوذ بين العواصم بدل أن تكون رافعة سيادة وطنية؟

إلى أين يمضي هذا الملف؟

السيناريو الأكثر واقعية ليس “قطيعة” مع الصين ولا “اصطفافا” كاملا مع الولايات المتحدة، بل تحديث عاجل للبنى المتداعية، بالتوازي مع بناء طبقة ألياف ضوئية جديدة مثل مشروع  STCثم إدارة التحول تدريجيا عبر الموردين، مع ضبط المخاطر الأمنية عبر معايير تشفير وحوكمة بيانات وتدقيق مستقل.

لكن نجاح هذا السيناريو يتطلب شيئا لا يظهر في التصريحات؛ حزمة سياسية-تجارية أمريكية تجعل البدائل ممكنة من تراخيص تصدير واضحة، وقنوات تمويل، وشراكات تدريب وتشغيل، وبدون ذلك، سيبقى الضغط الأمريكي بلا أدوات، وستظل الصين بما تملكه من سرعة قرار وسلاسل توريد الخيار الأسهل في بلدَ يستعجل ترميم دولةَ منهكة.

الاتصالات في سوريا ليست مجرد قطاع خدمات، فهي اختبار لمعنى الاستقلال في عصر الشبكات، فهل تستطيع سلطة دمشق أن تبني اتصالا يَخرجها من الهشاشة دون أن يَدخلها في تبعية جديدة؟ أم أن “حرب الشبكات” ستفرض عليها، مرة أخرى، أن تختار بين قوتين فيما حاجتها الأساسية هي أن تستعيد حقها في الزمن؛ زمن الخدمة، والتنمية، والدولة.

اتصالات سوريا: إنفوغرافيك استراتيجي | 2026

واقع الاتصالات في سوريا

الضغوط الأمريكية · الحضور الصيني · الاستثمار الإقليمي

الهيكل السوقي

مشغلان رئيسيان
سيريتل 52% MTN 48%
سوق شبه احتكاري ← محدودية المنافسة وتأخر التطوير.

الاعتماد التقني

هواوي
55% معدات صينية
“قفل مورد” يصعّب التحول السريع.

جودة الخدمة

فجوة رقمية
مدن: 85أرياف: 35
تغطية ضعيفة خارج المدن ← يعرقل الاستثمار.

أثر الحرب

بنية مدمرة
أبراج متضررة 62% هجرة كوادر 47%
إعادة بناء مكلفة تحتاج تمويلاً خارجياً.

العقوبات الغربية

تقييد
قيود تصديرإفراط امتثال
تضيق الخيارات غير الصينية.

الموقف الأمريكي

أمن قومي
تحذيرنفوذ
منع ترسخ نفوذ صيني في البنية السيادية.

المعطى الصيني

نفوذ طويل الأمد
سرعة توريدتمويل مرن
حضور تقني واسع مقابل كلفة سياسية.

العامل السعودي

STC
800M$ 4500 كم ألياف
استثمار يخفف الاستقطاب الثنائي (صين/أمريكا).

تحديات التحول التقني

كلفة + توافق
كلفة استبدال مرتفعة توافق شبكي تدريب كوادر مخاطر انقطاع
التحول يحتاج سنوات، لا مجرد قرار سياسي.
السيناريوهات المحتملة
صيني مستمر
70%
نفوذ صيني ثابت مع كلفة سياسية متزايدة.
تحول غربي
40%
صعوبة تقنية وسياسية، بدعم أمريكي محدود.
نموذج هجين
85%
تنويع الموردين + استثمار خليجي + تشغيل آمن ← الأكثر واقعية.
الخلاصة: النموذج الهجين هو الأكثر واقعية سياسيًا وتقنيًا (85%)
قطاع هشّ يحتاج تحديثًا عاجلًا
الاعتماد الصيني نتاج عقوبات لا خيار استراتيجي
الضغط الأمريكي يفتقر لأدوات تنفيذية
استثمار خليجي قد يوفر مخرجًا توازنيًا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *