هناك نوع من الدراما السياسية لا يعلن نفسه كدراما سياسية، فيرتدي عباءة دينية، ويتخفّى في قرية بعيدة، ويهمس بدلاً من أن يخطب، ولكنه، في النهاية، لا يفعل أكثر من إعادة تمثيل خطاب نعرفه مسبقاً؛ “كانت تلك المرحلة زائفة، والناس انخدعوا، والسلطة مارست استبدادا كي تحكم”.
مولانا ينتمي، بوضوح، إلى هذا النوع.
المسلسل يبدأ كحكاية انتحال، جابر الذي يؤديه تيم حسن،هارب بزي رجل دين، يصل إلى قرية منسية، فيتحول من مجرم مطارد إلى “مولى” مُهاب، وحتى هذه النقطة، تبدو القصة مألوفة، بل متطابقة تقريباً مع مفاصل فيلم للمخرج كمال تبريزي من الهروب والزي والمسجد والتحول الأخلاقي المحتمل، لكن بينما كان “السحلية” عملاً ساخراً يختبر هشاشة السلطة الدينية عبر الكوميديا، يختار “مولانا” طريقاً أكثر ثقلاً ويصبح بياناً رمزياً عن مرحلة سياسية كاملة.
المشكلة ليست في الرمز، بل في سهولته.
صناعة القداسة… أم إعادة تدوير خطاب؟
منذ الحلقات الأولى، يضعنا المسلسل أمام أطروحة واضحة، ففي زمن اليأس، يصنع الناس قديسيهم، فجابر لا يمتلك علماً ولا تقوى، لكنه يمتلك زيّاً ونبرةً وقرية عطشى للخلاص، والرسالة تبدو جريئة فالقداسة تُصنع اجتماعياً لا تُمنح إلهياً.
لكن هذا الطرح، يُبنى بطيقة خطية أكثر من اللازم، فالقرية تُرسم ككتلة نفسية واحدة عبر جماهير تبحث عن مخلّص، والحاجة تسبق السؤال، والإيمان يسبق الشك، ولا نرى تقريباً مقاومة فكرية حقيقية، ولا انقساماً داخلياً معقّداً، بل انجذاباً سريعاً نحو الرمز.
هنا يبدأ المسلسل بالتحول من تحليل إلى إدانة.
الناس لا يُقدَّمون بوصفهم فاعلين سياسيين أو اجتماعيين محاصرين، بل بوصفهم جمهوراً ينتظر الخدعة، ويتحول نقد السلطة إلى نقد الجمهور نفسه، ولكن من دون أن يُمنح هذا الجمهور عمقاً كافياً ليكون نقده عادلاً.
الزيّ والشرعية: سؤال بإجابة جاهزة
“هل تستمد السلطة شرعيتها من الجوهر أم من المظهر؟”
سؤال مهم، والمسلسل يطرحه بوضوح عبر صعود جابر السريع، فيكفي أن يرتدي العباءة ليحصل على ثقة الناس، بل وعلى حصانة شعبية لا تملكها السلطة الرسمية.
لكن ما كان يمكن أن يكون تفكيكاً معقدا للشرعية، يتحول تدريجياً إلى إجابة مريحة: الشرعية زائفة، والمؤسسات الدينية شكل بلا مضمون، والجمهور متواطئ بحسن نية.
إنه نقد يعيد إنتاج مقولة نسمعها كثيراً بأن “المشكلة كانت في الخطاب الديني الذي استُخدم لتثبيت النفوذ”.
الدراما، حين تكون في أفضل حالاتها، لا تعطي إجابات، بل تزعزع يقيننا، أما هنا، فاليقين واضح منذ البداية فكل ما يبنى قائم الرمز زائف.
السؤال الحقيقي الذي يتجنبه المسلسل هو: لماذا تنجح هذه الرموز؟ ما الذي يجعلها ضرورية اجتماعيا؟ ليس كخدعة، بل كآلية بقاء؟
القرية كاستعارة… والاختزال كخطر
اختيار قرية منسية مسرحا للأحداث هو قرار رمزي بامتياز؛ إنها مساحة خارج الدولة والرقابة والحداثة، وفي مكان مثالي لنمو “إقطاعية روحية” يحكمها شيخ مزيف وتحالفات مصلحية.
لكن المشكلة أن القرية لا تتطور إلى أكثر من استعارة.
نحن لا نعرف اقتصادها الفعلي، ولا بنيتها الاجتماعية، ولا تناقضاتها الداخلية بما يكفي، فهي مسرح وسكانها جمهور ونفوذها هش.
تتحول الجغرافيا إلى لوحة جاهزة لإدانة مرحلة سياسية معينة مرحلة يتم تسميتها بشكل مباشر.
العمل يختار أن ينتقد “التحالف الديني – المالي –السلطوي”، ويقدمه كحقيقة مكتملة، لا كعملية تاريخية معقدة.
التحالفات تتشكل بسرعة، الفساد يتبلور أيضا والرمز يتمأسس بشكل سريع أيضا.
الدراما تختصر الزمن كي تصل إلى النقطة السياسية.
بين “السحلية” و”البيضة والحجر”.. من السخرية إلى الوعظ
التقاطع مع “البيضة والحجر” واضح أيضاً، فالهامشي الذي يستغل الفراغ الميتافيزيقي ليصعد إلى مركز القوة، لكن بينما كان فيلم عاطف الطيب يُظهر الدجل كمنتج اجتماعي متشابك مع الفقر والجهل والسلطة، فإن “مولانا” يميل إلى تضخيم البعد الرمزي على حساب الواقعي.
الأمر لا يتعلق فقط باقتباس غير معلن أو تشابه مفاصل سردية، بل بطريقة التحول في النبرة، فـ”السحلية” كان يسأل: ماذا لو أصبح المجرم أفضل خطيب من المؤسسة؟
“مولانا” يقول: هذا ما يحدث حين تفسد المرحلة كلها.
الفرق دقيق لكنه جوهري فالأول يطرح فرضية مفتوحة، والثاني يلمّح إلى إدانة مكتملة.
التحول الأخلاقي: فرصة مهدورة؟
الأمر الأكثر إثارة في العمل هي احتمال تحول جابر نفسه، فهل سيتغير لأنه لمس صدق الناس؟ أم سيغرق أكثر في لعبته؟
لكن حتى هذا الخط يبدو محكوماً بخدمة الأطروحة الكبرى، وتحوله لن يكون استكشافا لضمير فردي بقدر ما سيكون تعليقا على فساد السياق.
جابر لا يبنى كشخصية مليئة بالتناقضات إنما كأداة اختبار: كيف تصنع المرحلة رجلا؟
النتيجة أن الشخصية تظل محكومة بفكرة أكبر منها، وفي دراما تعتمد على فكرة “الزيف” يصبح من السهل أن تتحول الشخصيات نفسها إلى رموز.
دراما الإدانة المؤجلة
“مولانا“ يتجنب الأسماء ويعتمد على الإيحاء البصري الكثيف، فلا يذكر مرحلة بعينها صراحة، لكن الشعارات المعلّقة في المراكز الرسمية، والصور المؤطرة على الجدران، وطريقة توزيع الرموز في الفضاء العام، كلها تعمل كإحداثيات زمنية واضحة، فالمسلسل لا يقول اسم المرحلة، لكنه يضعك داخلها بدقة تكاد تكون توثيقية.
القرية ليست معزولة عن “المركز” كما توحي الحبكة في ظاهرها؛ فهو حاضر عبر صوره وشعاراته وأيقوناته، والسلطة الرمزية لا تعيش فقط في المسجد، بل في المباني الرسمية التي تراقب المشهد بصمت، وهنا يصبح ادعاء الحياد اللفظي أقل إقناعاً، لأن الصورة تقوم مقام الخطاب.
لكن هذا الوضوح البصري لا يخفف الإشكال النقدي، بل يعمّقه.
حين تعاد صياغة مرحلة سياسية كاملة عبر ثنائية “القداسة المصطنعة” و”الجمهور المخدوع”، فإننا أمام اختزال شديد لواقع أكثر تعقيدا، فالتاريخ لا يختصر في صورة معلقة أو شخصية ضابط متعسف ولا في شيخ مزيف، والناس لم يكونوا جمهوراً سلبياً ينتظر الخديعة ببراءة.
الدراما التي تنشغل بإدانة مرحلة تخاطر بأن تحوّل السياسة إلى مسرح أخلاقي بسيط، فهناك زيف وخداع، لكن السلطة لا تبنى على الزي وحده، ولا تستمر بالشعار وحده.
إنها تبنى على شبكات مصالح، وعلى خوف واقتصاد ومؤسسات، وحين يختزل كل ذلك في حكاية رجل صعد لأنه ارتدى عباءة في زمن مستعد للتصفيق، فإنك تقدّم تفسيراً أنيقاً، لكنه مريح أكثر مما ينبغي.
المشكلة لم تكن مجرد “مرحلة خدع فيها الناس بالدين والسلطة”.
والمسألة لم تكن أن المجتمع انقاد لأنه أحب الوهم.
بهذا المعنى، يتحول “مولانا” من دراما تحليلية محتملة إلى دراما إدانة رمزية، وهو لا يواجه البنية بقدر ما يعيد تمثيل صورتها في مرآة أخلاقية واضحة المعالم.
والخطر في هذا النوع من السرد أنه يضع الخطأ في الشخصية أكثر مما يضعه في الشروط العميقة التي جعلت الرمز فاعلاً وضرورياً في آن واحد.
“مولانا” يقع في فخ النوع الذي يكتفي بالإدانة الرمزية، فينتقد صناعة استبداد السلطة، لكنه لا يفكك الحاجة إليها،
ويفكك الجماهيرية، لكنه لا يمنح الجمهور تعقيدا كافيا، ويطرح التحالفات، لكنه لا يغوص في بنيتها الاقتصادية والاجتماعية بقدر ما يلمح إليها.
في زمن تحتاج فيه الدراما إلى أن تسأل أسئلة مزعجة حقا، لا أن تعيد صياغة أسئلة مألوفة بعباءة رمزية، يبقى “مولانا” عملاً يخدم أطروحة واضحة أكثر مما يخدم الغموض الخلاق الذي يجعل الفن خطيرا بالفعل.

