إذا أخذنا بالمعطيات المنشورة حول الهجوم الإسرائيلي–الأميركي على إيران — والتي تشير إلى مشاركة نحو 200 مقاتلة إسرائيلية وضرب قرابة 500 هدف في 28 منطقة داخل إيران، بينها مواقع سيادية في طهران ومنشآت مرتبطة بالبنية الصاروخية والدفاع الجوي — فإننا أمام عملية تتجاوز مفهوم “الضربة الاستباقية” إلى ما يشبه افتتاح حملة جوية استراتيجية محدودة.
المعلومات المتعلقة بتفاصيل الضربات الإسرائيلية مستندة إلى مقال منشور على موقع ألما، لكن قراءة الحدث عسكريا تفرض النظر إلى ما وراء عدد الطائرات والأهداف: ما الذي يجعل عملية بهذا الحجم ممكنة؟ وما هو مستوى الدعم الأميركي الذي يجعلها قابلة للتنفيذ والاستمرار؟
أولا: قراءة رقمية لحجم العملية
مشاركة 200 مقاتلة في موجة متزامنة تعني تعبئة نسبة كبيرة من الأسطول الجاهز للقتال، فإذا افترضنا أن الجزء الأكبر من هذه الطائرات مخصص للهجوم المباشر، فإننا نتحدث عن ما بين 120 و150 طائرة ضاربة، إضافة إلى عشرات الطائرات الداعمة: حرب إلكترونية، إنذار مبكر، استطلاع، ومرافقة.
ضرب 500 هدف في يوم واحد يعني — حسابيا — متوسط 2.5 هدف لكل طائرة، وهو رقم مرتفع يتطلب دقة استخبارية مسبقة وذخائر موجهة عالية الكفاءة، كما يعني استهلاك ما بين 800 إلى 1200 ذخيرة دقيقة التوجيه في الموجة الأولى وحدها، بكلفة تتجاوز ملياري دولار إذا احتسبنا ثمن الذخائر والعمليات اللوجستية.
هذا ليس “استعراض قوة”، بل استنزاف محسوب لمخزون ذخائري كبير، ما يفترض وجود خطوط إمداد مستدامة.
⚡ حجم العملية: القوة vs الأهداف
مشاركة 200 مقاتلة إسرائيلية في موجة واحدة
طائرة ضاربة
ذخيرة موجهة
هدف
ثانيا: معضلة المدى والتزود بالوقود
العمق الإيراني يفرض تحديا جغرافيا، المسافة التقريبية بين إسرائيل وأهداف في وسط إيران تتراوح بين 1500 و1800 كيلومتر ذهابا وإيابا، ما يجعل التزود بالوقود جوا عنصرا حاسما.
عملية تشارك فيها 200 طائرة تحتاج إلى 300–400 عملية إعادة تزويد بالوقود في الجو خلال موجة واحدة. هذا الرقم يتجاوز قدرة أي سلاح جو إقليمي منفرد على تحمله دون دعم إضافي.
هنا يبرز الدور الأميركي المحتمل، ووجود طائرات تزويد بالوقود أميركية من طراز KC-135 أو KC-46 في قواعد الخليج، إضافة إلى إمكانية استخدام المجال الجوي الإقليمي بتنسيق سياسي مسبق، يضاعف هامش المناورة ويقلل المخاطر العملياتية.
ثالثا: الحرب الإلكترونية وكسر الدفاعات
ضرب منظومات الدفاع الجوي الإيرانية في غرب ووسط البلاد — كما تشير المعطيات — يعني تنفيذ عمليات قمع وتدمير دفاعات جوية (SEAD/DEAD) واسعة النطاق.
هذا النوع من العمليات يتطلب:
- تعطيل رادارات بعيدة المدى
- تشويش على شبكات القيادة والسيطرة
- اختراق سيبراني لمنظومات الاتصالات
- دمج بيانات لحظي بين الأقمار الصناعية والطائرات
من غير المرجح أن تنفذ حملة بهذا الاتساع دون دعم استخباري فضائي أميركي مباشر، فالأقمار الصناعية الأميركية، سواء للاستطلاع البصري أو الإلكتروني، توفر تحديثا فوريا لبنك الأهداف، وهو عنصر حاسم في ضرب 500 هدف خلال ساعات.
رابعا: القيادة والسيطرة المشتركة
عملية متزامنة بهذا الحجم لا تدار من غرفة عمليات واحدة في تل أبيب فقط. الاحتمال الأرجح هو وجود تنسيق عملياتي مباشر مع القيادة المركزية الأميركية (CENTCOM).
هذا التنسيق يتضمن:
- شبكة اتصالات آمنة متعددة الطبقات
- دمج أنظمة Link 16 لتبادل البيانات التكتيكية
- إدارة الدفاع عن القواعد الأميركية في المنطقة
- تنسيق الرد على أي إطلاق صاروخي إيراني نحو إسرائيل
بعبارة أخرى، الدعم الأميركي لا يعني بالضرورة مشاركة طيارين أميركيين في القصف، بل يعني بنية تحكم متكاملة تسمح بإدارة مسرحين متوازيين: الهجوم داخل إيران، والدفاع الإقليمي ضد الرد الإيراني.
خامسا: الرد الإيراني واستهداف القواعد الأميركية
المعطيات تشير إلى استهداف ست قواعد أميركية في العراق والأردن والبحرين وقطر والكويت والإمارات، إضافة إلى إطلاق 23 موجة باتجاه إسرائيل حتى الساعة الخامسة مساء، مع نمط يعتمد رشقات كثيرة بعدد محدود من الصواريخ في كل موجة.
هذه الأرقام مهمة، فست قواعد تعني توسيع ساحة الرد إلى كامل القوس الأميركي في الخليج، و23 موجة خلال أقل من يوم تعني محاولة استنزاف دفاعي تدريجي وليس ضربة صدمة واحدة.
استهداف القواعد الأميركية تحديدا يشير إلى أن طهران تعتبر واشنطن شريكا عملياتيا كاملا في الضربة، وليس مجرد داعم سياسي. وهذا يعزز فرضية أن مستوى الدعم الأميركي كان يتجاوز الغطاء الدبلوماسي إلى التمكين العملياتي.
سادسا: مضيق هرمز ومعادلة الطاقة
التقارير عن إعلان إغلاق مضيق هرمز تضع رقما آخر في المعادلة: نحو 20 في المئة من تجارة النفط العالمية تمر عبر هذا المضيق، فحتى التلويح بإغلاقه كفيل برفع أسعار الطاقة عالميا خلال ساعات.
إيران تدرك أن قدرتها على فرض كلفة اقتصادية عالمية هي جزء من ردعها غير التقليدي. وكلما زاد انخراط القواعد الأميركية في العمليات، زادت احتمالات استهداف البنية البحرية أو الملاحة في الخليج.
🌍 ساحة الرد الإيراني
توسيع الجغرافيا واستهداف النفوذ الأميركي
سابعا: الكلفة الاستراتيجية
إذا جمعنا الأرقام:
200 طائرة
500 هدف
23 موجة رد
6 قواعد أميركية مستهدفة
فنحن أمام مشهد أقرب إلى اليوم الأول لحرب إقليمية منه إلى عملية محدودة.
الدعم الأميركي — سواء عبر الاستخبارات، أو التزود بالوقود، أو القيادة والسيطرة، أو الدفاع الصاروخي — هو ما يحول الضربة الإسرائيلية من عملية عالية المخاطر إلى حملة يمكن إدارتها مرحليا.
لكن هذا الدعم يحمل ثمنا سياسيا: كلما كان أعمق، أصبح الرد الإيراني موجها مباشرة إلى المصالح الأميركية، ما يرفع احتمالات انزلاق واشنطن من موقع “الداعم الممكّن” إلى موقع “الطرف المباشر”.
ثامنا: ميزان التصعيد
إسرائيل سعت، وفق المعطيات، إلى تقليص القدرات الهجومية الإيرانية عبر ضرب البنية الصاروخية والدفاع الجوي. إيران ردت عبر توسيع الجغرافيا واستهداف القواعد الأميركية وإطلاق موجات صاروخية متعددة.
الطرفان يعتمدان مقاربة مختلفة:
إسرائيل تضرب مركز الثقل العسكري.
إيران تضرب شبكة الانتشار الأميركي وتراهن على الاستنزاف.
⚖️ ميزان الردع: الصدمة vs الاستنزاف
كيف تدير الأطراف معادلة التصعيد
🔵 إسرائيل: ضرب مركز الثقل (500 هدف) | 🔴 إيران: استنزاف عبر موجات متعددة (23 موجة)
وفي الوسط تقف الولايات المتحدة، التي وفرت — بحسب القراءة العسكرية للمعطيات — عناصر تمكين حاسمة للعملية، لكنها تجد نفسها في موقع مكشوف أمام الرد.
خلاصة تقدير الموقف
العملية الموصوفة لم تكن قابلة للتنفيذ دون دعم أميركي واسع النطاق في مجالات الاستخبارات، والقيادة والسيطرة، الحرب الإلكترونية، واللوجستيات الجوية، وهذا الدعم لم يكن تفصيلا تقنيا، بل عنصر حاسم في تحويل ضربة إسرائيلية بعيدة المدى إلى حملة متعددة الأهداف.
لكن المعادلة الإقليمية لا تقاس بعدد الطائرات فقط، بل بقدرة الأطراف على ضبط التصعيد، ومع استهداف قواعد أميركية متعددة وإطلاق عشرات الموجات الصاروخية، تبدو المنطقة أمام لحظة اختبار: هل تبقى العمليات ضمن إطار “الحرب المحدودة المحسوبة”، أم تنزلق إلى صراع أوسع تفرض فيه الأرقام نفسها واقعا سياسيا جديدا؟
في مثل هذه اللحظات، لا يكون السؤال من بدأ الجولة، بل من يستطيع إنهاءها دون أن يخسر معادلة الردع التي سعى إلى ترسيخها منذ البداية.

