في غضون 48 ساعة تقريبا، انكشف “منطق” التصعيد الإقليمي كما لو أنه تمرين على الخرائط أكثر منه أزمة عابرة؛ ضربات متزامنة بالصواريخ والطائرات المسيّرة، على مسارح متباعدة جغرافيا لكنها متصلة وظيفيا، من قواعد أمريكية ومرابض رادار، إلى مطارات دولية، وفنادق، ومراكز تسوق، ثم إلى الموانئ والبحر.
هذا ليس مجرد رد ناري على ضربة افتتاحية؛ إنه اختبار شامل لقدرة المنطقة على امتصاص الإيقاع، وقدرة واشنطن على إبقاء الحرب “محدودة”، وقدرة العواصم الخليجية على حماية اقتصادها الرمزي قبل منشآتها العسكرية.
هندسة التصعيد: من القواعد العسكرية إلى المراكز التجارية
المؤشر الأوضح ليس عدد الضربات بقدر ما هو “الهندسة” التي صُممت بها، من توسيع ساحة الأهداف أفقيا عبر دول متعددة، وتوسيعها عموديا عبر خلط أهداف عسكرية بأهداف مدنية وبنى تحتية، وهذا الخلط يحقق ميزتين في آن واحد، الأولى إرباك نظام القرار لدى الخصوم عبر توزيع نقاط الحريق؛ والثانية كسر الاعتقاد السائد بأن الخليج “فقاعة أمنية” يمكن تحصينها بمنظومات اعتراض وحدها.
في الإمارات، استهداف قاعدة الظفرة الجوية في أبوظبي يندرج في سياق عسكري مألوف، لكن إدخال دبي في المعادلة، عبر استهداف رموز مدنية واقتصادية، منطقة فنادق جميرا، وبرج العرب، ومبنى سكني، ومركز تجاري، ومنطقة صناعية؛ ينقل الرسالة من “نستطيع إيذاء القوة العسكرية” إلى “نستطيع تعطيل نموذجكم الاقتصادي”، وفي الشارقة، حيث سجل ثلاثة قتلى و58 إصابة طفيفة، ويظهر أثر الهجمات على المجتمع المدني مباشرة، بما يحمله ذلك من ضغط سياسي داخلي.
حرب الأرقام: ماذا تعني مئات الصواريخ والطائرات المسيّرة؟
الأرقام المعلنة عن التعامل مع 167 صاروخا و541 طائرة مسيّرة، بغض النظر عن موثوقيتها، ليست مجرد بيانات عسكرية، إنها جزء من معركة السردية، ومن يعلن رقما مرتفعا يريد القول إن دفاعاته صمدت أمام وابل غير مسبوق، ومن ينجح في إظهار صورة حريق في فندق فاخر يريد القول إنه اخترق الدرع.
في قطر، الحديث عن إطلاق 44 صاروخا و8 مسيرات في يوم واحد، مع استهداف قاعدة العديد ونظام رادار أمريكي والمطار الدولي، يعكس نمطا متكررا من ضرب البنية العسكرية مع إضافة “رمز مدني، يضاعف التأثير النفسي، وحتى إن لم تقع أضرار جسيمة، فإن تعطيل المجال الجوي أو إرباك حركة الطيران يكفي لإرسال رسالة اقتصادية قوية.
الخليج بين الردع والحسابات الاقتصادية
حين تستهدف مطارات وموانئ وفنادق ومراكز تسوق، فإن الرسالة لا تتعلق بالقوة العسكرية فحسب، بل بسمعة الاستقرار، ودول الخليج بنت نموذجها على فكرة “الملاذ الآمن للأعمال والسياحة والاستثمار”، أي ضربة تطال هذا النموذج تترجم فورا إلى ارتفاع في تكاليف التأمين، وتراجع في الثقة، واحتمال إعادة تقييم للمخاطر من قبل المستثمرين.
في السعودية، إدخال الرياض في دائرة الاستهداف يرفع مستوى المخاطرة السياسية، وفي البحرين، استهداف قاعدة الأسطول الخامس يتجاوز الرسالة العسكرية ليضع الدولة المضيفة في موقع المواجهة المباشرة، أما الأردن، رغم إعلان نجاح الاعتراض، وجد نفسه أمام خبر سقوط صاروخ في شارع مدني، وهنا تكمن المعضلة فحتى النجاح الدفاعي لا يمنع الأثر السياسي.
الوكلاء وتعدد الساحات: من العراق إلى البحر
العراق يقدم نموذج “التصعيد الشبكي”، من خلال ضرب قواعد الحرير وعين الأسد، بالتوازي مع إعلان ميليشيات موالية لإيران تنفيذ 16 عملية وإطلاق عشرات المسيرات؛ يعكس صيغة توزيع المسؤولية بين الفاعل المباشر والوكيل الإقليمي، وهذه الصيغة تسمح برفع مستوى النار دون إعلان حرب شاملة رسميا.
أما الانتقال إلى الساحة البحرية، عبر استهداف ميناء الدقم وناقلة نفط على بعد خمسة أميال بحرية من الساحل العُماني، فهو تطور نوعي، وإصابة أربعة من طاقم مكون من عشرين فردا وإجلاؤهم لا تعني مجرد حادث عرضي، بل تعني أن خطوط الطاقة والشحن باتت جزءا من المعركة، فالبحر، في هذه المرحلة، ليس هامشًا بل قلب المعادلة الاقتصادية.
معضلة واشنطن: دعم الحلفاء أم تجنب الحرب الشاملة؟
الولايات المتحدة تجد نفسها أمام مفارقة مألوفة، فقواعدها المنتشرة تمنحها عمقا عملياتيا، لكنها تجعل كل دولة مضيفة هدفا محتملا، وأي إصابة مباشرة لقوات أمريكية تدفع نحو رد أوسع، لكن أي تصعيد واسع يجر المنطقة إلى حرب لا يمكن التحكم بمداها.
المعادلة معقدة كيف تحمي الأصول العسكرية دون تحويل المدن الخليجية إلى ساحات اشتباك دائمة؟ وكيف ترد على ضربات بحرية دون تعريض الملاحة الدولية إلى مخاطر أوسع؟
ثلاثة مسارات مفتوحة: الاحتواء، التصعيد الشبكي، أم الانزلاق الكبير؟
المسار الأول هو الاحتواء المتوتر، واستمرار الضربات المتبادلة مع ضبط بنك الأهداف، والتركيز على الأصول العسكرية.
المسار الثاني هو التصعيد الشبكي وتوسيع الهجمات عبر الوكلاء واستمرار استهداف الرموز المدنية لزيادة الضغط السياسي.
المسار الثالث هو الانزلاق الكبير وحملة أوسع تستهدف البنية القيادية والعسكرية بعمق، مع احتمال امتداد الصراع زمنيا وجغرافيا.
حين تصبح الجغرافيا ساحة اختبار للسيادة
الخلاصة القاسية أن هذه الموجة من الهجمات لا تقاس بمدى دقة الصاروخ، بل بمدى نجاحها في نقل الحرب من “مشكلة عسكرية” إلى “مشكلة اقتصادية-سيادية” للدول، وحين تضرب المطارات والفنادق والموانئ، فإن الرسالة تتجاوز القواعد العسكرية لتطال فكرة الاستقرار ذاتها.
وما لم يفرض سقف سياسي واضح على بنك الأهداف، خصوصا المدني والبحري، فإن الجغرافيا ستتولى توسيع الحرب بنفسها، فكل دولة فيها قاعدة أمريكية ستشعر أنها في قلب الهدف، وكل ممر بحري سيشعر أنه على قائمة الانتظار، فلا تعود المسألة مسألة صاروخ واحد أو مئة مسيرة، بل من يستطيع فرض تعريفه للأمن الإقليمي في شرق أوسط لم يعد يحتمل هامشا كبيرا من الخطأ.

