حين أُعلن في أواخر عام 2025 عن إلغاء “قانون قيصر”، وبدا لكثير من السوريين أن باباً كان موصدا منذ سنوات طويلة فُتح أخيرا، لم يكن الأمر مجرد تعديل قانوني في واشنطن؛ بل بدا إشارة إلى احتمال عودة سوريا تدريجيا إلى الاقتصاد العالمي.
في بلد أنهكته الحرب والعقوبات والانهيار الاقتصادي، حمل القرار في ظاهره وعدا بمرحلة جديدة من عودة الاستثمارات وانتعاش التجارة وفرص عمل تظهر من جديد.
لكن الواقع، كما تكشف البيانات التنظيمية والتجارية، أكثر تعقيدا بكثير، فإلغاء قانون قيصر لم يُنهِ القيود التي تحكم العلاقة الاقتصادية بين دمشق وواشنطن، فهناك شبكة من القوانين والعقوبات والقيود الجمركية ما تزال قائمة، لتجعل التجارة بين البلدين ممكنة نظريا، لكنها شديدة الصعوبة عمليا.
في هذه المساحة الرمادية، تجد سوريا نفسها أمام سؤال استراتيجي يتجاوز الاقتصاد البحت: أين تكمن مصلحتها في السنوات المقبلة؟ هل في محاولة إعادة بناء علاقة اقتصادية مع الولايات المتحدة، رغم القيود القانونية والسياسية؟ أم في التوجه أكثر شرق وخصوصا نحو الصين التي تعرض شراكات واستثمارات دون شروط سياسية مماثلة؟
هذا السؤال لا يتعلق فقط بالأرقام أو بالسياسات التجارية، بل بمستقبل ملايين السوريين الذين ينتظرون عودة الاقتصاد إلى الحياة.
إرث طويل من القيود
رغم رفع بعض العقوبات في عام 2025، فإن البنية القانونية التي تحكم العلاقة الاقتصادية مع الولايات المتحدة ما تزال تحمل إرثا يمتد لعقود.
أقدم هذه القيود يعود إلى عام 1979، عندما أدرجت سوريا على قائمة الدول الراعية للإرهاب، ويبدو هذا القرار بالنسبة لكثيرين مجرد تصنيف سياسي، لكنه في الواقع يترتب عليه أثر اقتصادي بالغ، فالدول المدرجة على هذه القائمة لا تحصل على صفة “العلاقات التجارية الطبيعية”، وهي الصفة التي تسمح بتبادل السلع برسوم جمركية منخفضة مع الولايات المتحدة.
غياب هذه الصفة يعني ببساطة أن المنتجات السورية تدخل السوق الأمريكية بشروط أصعب من معظم دول العالم.
ثم جاء قانون محاسبة سوريا عام 2003 ليضيف طبقة أخرى من القيود، فحظر الاستثمارات الأمريكية في سوريا وفرض قيودا واسعة على تصدير السلع ذات الاستخدام المزدوج، أي تلك التي يمكن أن تستخدم مدنيا أو عسكريا، ورغم أن بعض هذه القيود خفف في أيلول 2025 للسماح بتصدير محدود لسلع مدنية مثل أجهزة الاتصالات، فإن معظم القيود التقنية ما تزال قائمة.
هناك أيضا قانون آخر أقل حضورا في النقاش العام لكنه شديد التأثير هو مكافحة الأسلحة الكيميائية والبيولوجية الصادر عام 1991، ورغم تعليق تطبيقه الإلزامي مؤقتا، فإن بقاءه قائما يسمح للولايات المتحدة بإعادة فرض العقوبات في أي وقت في حال حدوث انتهاكات تتعلق بالانتشار.
بالنسبة للشركات الدولية، يكفي وجود هذا الاحتمال لخلق حالة من التردد، فالاستثمار طويل الأجل يحتاج إلى بيئة قانونية مستقرة، وليس إلى احتمال دائم لتغير القواعد.
اقتصاد في منطقة رمادية
حتى في الحالات التي يسمح فيها القانون بالتجارة، تبقى المخاطر مرتفعة، فالعقوبات المستهدفة التي تفرضها وزارة الخزانة الأمريكية ما تزال تشمل شخصيات ومؤسسات سورية مرتبطة بانتهاكات حقوق الإنسان أو تجارة المخدرات أو أنشطة عسكرية محظورة.
بالنسبة للبنوك الدولية، يعني ذلك أن أي تعامل مالي مع سوريا يتطلب تدقيقا قانونيا معقدا ومكلفا، وهذه الظاهرة تعرف في القطاع المالي باسم “تقليص المخاطر”، حيث تفضل المؤسسات المالية ببساطة تجنب التعامل مع الدول عالية المخاطر بدل الدخول في إجراءات امتثال معقدة.
لكن العائق الأكثر وضوحا يظهر في الأرقام الجمركية، فبموجب قرار أمريكي صدر عام 2025، تخضع الصادرات السورية إلى الولايات المتحدة لرسوم متبادلة تصل إلى 41%، إضافة إلى الرسوم الخاصة بكل منتج.
هذا الرقم ليس مجرد تفصيل تقني، فالتجارة الدولية تقوم في النهاية على المنافسة السعرية، وإذا كانت السلعة السورية تدخل السوق الأمريكية بسعر أعلى بنسبة 41% من منافسيها، فإن قدرتها على المنافسة تصبح محدودة للغاية.
المفارقة أن بعض الدول المجاورة لسوريا، مثل الأردن ومصر، تستفيد من اتفاقيات خاصة تسمح لمنتجاتها بدخول السوق الأمريكية دون رسوم تقريبا، وبذلك يصبح المنتج السوري، حتى لو كان متقارب الجودة، أقل قدرة على المنافسة منذ اللحظة الأولى.
الصين: فرصة أم اعتماد جديد؟
في هذا السياق، تبدو الصين خيارا مختلفا تماما.
بكين لا تفرض منظومة عقوبات مشابهة، ولا تربط التعاون الاقتصادي بشروط سياسية صارمة، كما أنها تمتلك قدرة مالية واستثمارية ضخمة، خاصة في مشاريع البنية التحتية.
بالنسبة لسوريا، التي تحتاج إلى إعادة بناء طرقها وموانئها وشبكات الطاقة، تبدو هذه الإمكانات جذابة للغاية.
هناك أيضا عامل جغرافي مهم، فموقع سوريا على البحر المتوسط يجعلها نقطة محتملة في شبكات النقل والتجارة التي تسعى الصين إلى تطويرها ضمن مبادرة “الحزام والطريق”، وإذا نجحت هذه المشاريع تتحول البلاد إلى ممر تجاري بين آسيا وأوروبا.
لكن هذه العلاقة تحمل بدورها تعقيدات، فالتجارب الدولية تشير إلى أن التمويل الصيني غالبا ما يأتي ضمن مشاريع تخدم المصالح الاستراتيجية لبكين، مثل الموانئ والطاقة والنقل، كما أن الاعتماد المفرط على التمويل الصيني يخلق تبعية اقتصادية طويلة الأمد.
الصين توفر فرصة للنمو السريع، لكنها ليست بديلا كاملا عن الاندماج في الاقتصاد العالمي الأوسع.
بين سوقين مختلفين
عند مقارنة الخيارين الأمريكي والصيني، تظهر مفارقة واضحة.
الولايات المتحدة تمثل أكبر سوق استهلاكية في العالم، والانفتاح عليها يفتح الباب تلقائيا أمام المؤسسات المالية الدولية والاستثمارات الغربية، لكن الوصول إلى هذا السوق يظل مشروطا بتحولات سياسية وقانونية عميقة تستغرق سنوات.
أما الصين، فتقدم فرصة أسرع للاستثمار وإعادة الإعمار، لكنها ليست بوابة إلى النظام المالي العالمي بنفس الدرجة التي تمثلها واشنطن، لهذا السبب، يبدو أن السؤال الحقيقي ليس أي الشريكين تختار سوريا، بل كيف خياراتها.
طريق التوازن
تشير المعطيات الحالية إلى أن سلطة دمشق تُبقي الباب مفتوحا أمام توسيع التعاون الاقتصادي مع الصين، خصوصا في قطاعات التكنولوجيا والبنية التحتية، غير أن البيانات العلنية المتاحة حتى الآن لا تكفي للجزم بأن بكين ستكون الشريك الرئيس لسوريا في إعادة الإعمار على المدى القريب، إذ إن أكبر التعهدات الاستثمارية المعلنة خلال 2025–2026 جاءت من أطراف خليجية وغربية، ومع ذلك، فإن أي توسع فعلي في مشاريع البنية التحتية يمكن أن يخلق وظائف وفرصًا اقتصادية يحتاجها السوريون بشدة.
على المدى الطويل، لا ينبغي النظر إلى العلاقة الاقتصادية مع الولايات المتحدة من زاوية التجارة المباشرة وحدها، بل من خلال موقع واشنطن في الهندسة الأوسع للنظام المالي العالمي، فالمسألة الحقيقية ليست فقط ما إذا كانت سوريا ستصدّر أكثر إلى السوق الأمريكية، بل ما إذا كانت ستتمكن من استعادة إمكانية النفاذ إلى شبكات التمويل، والائتمان، والتأمين، والاستثمار التي تشكل في عالم اليوم الشرايين الفعلية لأي اقتصاد يسعى إلى التعافي.
ومن هذه الزاوية يصبح تحسين العلاقة الاقتصادية مع الولايات المتحدة هدفا استراتيجيا مهما، ليس لأنه يعالج بذاته كل اختناقات الاقتصاد السوري، بل لأنه يخفف جزءا من الكلفة الباهظة التي يفرضها العزل المالي، ويعيد بعض اليقين المؤسسي الذي تحتاجه رؤوس الأموال قبل أن تدخل بيئة ما بعد الصراع.
غير أن الخطأ يكمن في تحويل هذه الفكرة إلى وهم خلاص أحادي، لأن الاقتصادات الخارجة من الحرب لا تنهض عبر الارتهان لشريك واحد، بل عبر تنويع الروابط، وبناء مؤسسات قادرة على التفاوض، وتنظيم المصالح، وتوجيه الموارد نحو أولويات إنتاجية واجتماعية واضحة، لذلك لا يبدو الخيار السوري الحقيقي محصورا بين واشنطن وبكين، بل في القدرة على إدارة العلاقة مع كلتيهما، ومع غيرهما، وفق منطق المصلحة الوطنية لا منطق الاستقطاب.
القضية في جوهرها ليست جيوسياسية مجردة، بل تنموية واجتماعية في المقام الأول فمن يمول الكهرباء؟ من يساعد على إعادة بناء البنية التحتية؟ من يتيح فرص عمل مستقرة؟ ومن يساهم في رفع إنتاجية الاقتصاد بدل الاكتفاء بتدوير التبعية؟ بعد سنوات الحرب والعزلة، تقف سوريا أمام لحظة يتحدد فيها ليس فقط اتجاه انفتاحها الخارجي، بل نوع الاقتصاد الذي تريد بناءه: اقتصادًا هشًا تابعًا لتوازنات الخارج، أم اقتصادًا أكثر قدرة على استخدام التنافس الدولي لتحسين شروط النمو والعدالة والاستقرار.
الولايات المتحدة 🇺🇸 · الصين 🇨🇳
مشهد إعادة الإعمار في سوريا · تحليل متعدد الأبعاد (2025–2026)
خلاصة المقارنة (الجدول الأصلي): إذا حُصرت المقارنة بين الولايات المتحدة والصين فقط، فإن الولايات المتحدة تبدو بوابة محتملة إلى الشرعية المالية والأسواق الغربية لكنها ما تزال مثقلة بالقيود القانونية والجمركية، بينما تبدو الصين أكثر مرونة سياسيًا وأوضح حضورًا تقنيًا، لكنّها حتى الآن أقل اندفاعًا استثماريًا مما توحي به خطابات الشراكة.

