هل أصبحت دمشق ركيزة الأمن القومي العربي؟ قراءة في طرح أحمد موفق زيدان

في كتابه الشهير “الجغرافيا… تستخدم أولا لصنع الحرب“، كان الجغرافي الفرنسي Yves Lacoste يذكرنا بحقيقة بسيطة لكنها حاسمة؛ الجغرافيا ليست وصفا محايدا للأماكن، بل أداة للصراع السياسي، والشيء نفسه ينطبق على الخطاب السياسي، فالكلمات، مثل الخرائط، يمكن أن تعيد ترتيب العالم.

من هذه الزاوية ينبغي قراءة مقال أحمد موفق زيدان “دمشق الجديدة.. ركيزة الأمن القومي العربي، فالنص ليس مجرد مراجعة تاريخية لعلاقة سوريا بإيران أو بالعالم العربي، بل محاولة لإعادة رسم الخريطة السياسية للمنطقة انطلاقا من دمشق ما بعد 2024.

لكن أي جغرافي سياسي يعرف أن الخرائط الجديدة لا تُرسم فقط بالكلمات.

الجغرافيا التي يصمت عنها النص

يقيم المقال حجته على فرضية واضحة بأن “النظام الأسدي” دمج سوريا في محور طائفي يمتد من طهران إلى بيروت وبغداد، ومن هذه الفرضية ينطلق الكاتب ليعلن نهاية هذا المحور بعد سقوط النظام في كانون الأول 2024، لكن قراءة جيوسياسية أكثر برودة تطرح سؤالا أوليا:
هل كان النفوذ الإيراني في سوريا مجرد خيار أيديولوجي للنظام السابق، أم نتيجة لبنية جغرافية وسياسية أعمق؟

في الشرق الأوسط، لا تتحرك الدول فقط وفق الشعارات، بل وفق ممرات الجغرافيا الاستراتيجية، وسوريا تقع في قلب هذه الممرات. فهي:

  • عقدة اتصال بين الأناضول والجزيرة العربية.
  • بوابة برية نحو شرق المتوسط.
  • معبر تاريخي بين العراق ولبنان وفلسطين.

لهذا السبب كانت دمشق دائما موضوع صراع بين القوى الإقليمية، من العثمانيين إلى الفرنسيين، ومن الحرب الباردة إلى النزاعات المعاصرة.

ومن هذه الزاوية، فإن اختزال عقود من السياسة السورية في مجرد “انحراف طائفي” هو تبسيط مفرط لجغرافيا معقدة للغاية.

الجغرافيا مقابل الخطاب

يستخدم المقال لغة أخلاقية حادة في وصف “الحقبة الأسدية” مثل “سجل العار” و”العصابة” و”المحور الطائفي” لكن الجغرافيا السياسية لا تعمل بهذه اللغة، ففي الشرق الأوسط، التحالفات لا تُبنى على الأخلاق، بل على المصالح والفراغات الاستراتيجية، وعندما يظهر فراغ في توازن القوى، تسارع القوى الإقليمية إلى ملئه.

إيران فعلت ذلك في العراق بعد 2003.
وفعلته في لبنان منذ الثمانينيات.
وفعلته في سوريا خلال الحرب.

لكن السؤال الحقيقي ليس لماذا تدخلت إيران، بل لماذا لم يكن هناك توازن إقليمي يمنع هذا التدخل، وهنا يكمن الغائب الأكبر في المقال: النظام الإقليمي العربي نفسه.

وهم الركيزة

الاستنتاج المركزي في النص هو أن “دمشق الجديدة” يمكن أن تصبح ركيزة للأمن القومي العربي، وهي فكرة جذابة سياسيا، لكنها تثير سؤالا جغرافيا بديهيا:
ما هو الأمن القومي العربي أصلا؟

ففي الأدبيات الاستراتيجية، يُفترض أن يقوم الأمن الإقليمي على ثلاث ركائز:

  1. نظام تحالفات مستقر.
  2. توازن قوى واضح.
  3. مؤسسات تعاون أمني واقتصادي.

لكن الشرق الأوسط المعاصر يفتقر إلى هذه العناصر، فالنظام الإقليمي العربي نفسه يعاني انقسامات عميقة منذ عقود، والحديث عن “ركيزة” في نظام إقليمي غير مستقر يشبه إلى حد بعيد محاولة تثبيت عمود في أرض لم تتصلب بعد.

دمشق كمفترق طرق

بدل النظر إلى سوريا بوصفها “ركيزة” لنظام إقليمي، من الأدق وصفها بما كانت عليه تاريخيا؛ مفترق طرق جيوسياسي.

فموقع سوريا يجعلها دائما عرضة لتقاطع أربعة فضاءات استراتيجية:

  • الفضاء التركي في الشمال.
  • الفضاء الإيراني في الشرق.
  • الفضاء العربي في الجنوب
  • والفضاء المتوسطي في الغرب.

هذا الموقع يمنحها أهمية كبيرة، لكنه في الوقت نفسه يجعلها ساحة تنافس مستمر بين القوى الإقليمية.

وهذا هو التحدي الحقيقي الذي سيواجه أي سلطة سورية جديدة:
ليس اختيار محور واحد، بل إدارة هذا التعقيد الجغرافي دون أن تتحول البلاد مرة أخرى إلى ساحة صراع.

الخطاب كأداة جيوسياسية

ما يفعله مقال زيدان في الواقع هو محاولة إعادة تعريف موقع سوريا داخل هذه الجغرافيا المعقدة.

فالرسالة الأساسية للنص يمكن تلخيصها في ثلاث نقاط:

  1. سوريا خرجت من المحور الإيراني.
  2. سوريا عادت إلى محيطها العربي.
  3. سوريا يمكن أن تصبح عنصر استقرار في المنطقة.

هذه الرسائل موجهة بوضوح إلى العواصم العربية والخليجية، وهي جزء من عملية أوسع يمكن وصفها بـ”إعادة التموضع الجيوسياسي“، لكن الجغرافيا السياسية تعلمنا أن التموضع لا ينجح بالخطاب وحده.

اختبار الواقع

لكي تتحول سوريا إلى عنصر استقرار إقليمي، لا بد من تحقق شروط جيوسياسية واقتصادية صعبة، أولها استعادة سيطرة الدولة الكاملة على أراضيها، وثانيها إعادة بناء الاقتصاد الوطني بعد سنوات الحرب، وثالثها إقامة علاقات متوازنة مع القوى الإقليمية المتنافسة.

من دون هذه العناصر، سيظل الحديث عن دور إقليمي لسوريا أقرب إلى الخطاب السياسي منه إلى الواقع الاستراتيجي، فالمواقع لا تتغير بسهولة، حتى عندما تتغير الأنظمة.

بين السردية والجغرافيا

مقال أحمد موفق زيدان هو نص سياسي واضح الهدف؛ بناء سردية جديدة لسوريا بعد سقوط النظام السوري. وهذه السردية تقوم على فكرة مركزية مفادها أن دمشق عادت إلى موقعها الطبيعي في العالم العربي، لكن الجغرافيا السياسية تفرض قراءة أكثر حذرا.

فسوريا، بحكم موقعها وتاريخها، ليست مجرد دولة يمكن أن تختار موقعها بسهولة بين المحاور، إنها مساحة استراتيجية تتقاطع فيها مصالح قوى متعددة.

ولهذا فإن التحدي الحقيقي لدمشق الجديدة لن يكون في إعلان انتمائها إلى هذا المعسكر أو ذاك، بل أولا في ضمان سوريا للسوريين بدولة موحدة ذات سيادة، لها قضية وطنية قائمة بذاتها وهي قضية الشعب والوطن السوري، إودارة موقعها الجغرافي المعقد دون أن تتحول إلى ساحة صراع إقليمي، وهو جوهر الجغرافيا السياسية: ليس وصف الأرض، بل فهم الصراعات التي تدور فوقها.

دمشق: الجغرافيا السياسية vs السردية الجديدة
دمشق: الجغرافيا السياسية vs السردية الجديدة
قراءة في خطاب “الأمن القومي العربي” – آذار 2026

“الجغرافيا ليست وصفا محايدا للأماكن، بل أداة للصراع السياسي. الكلمات، مثل الخرائط، يمكن أن تعيد ترتيب العالم.” — مستوحى من Yves Lacoste

فرضية المقال

النظام السابق دمج سوريا في “محور طائفي” (طهران-بغداد-بيروت).

سقوط النظام في كانون الأول 2024 يعني نهاية هذا المحور.

الاستنتاج: دمشق الجديدة يمكن أن تصبح ركيزة للأمن القومي العربي.

السؤال الجيوسياسي

هل كان النفوذ الإيراني مجرد خيار أيديولوجي، أم نتيجة بنية جغرافية وسياسية أعمق؟

في الشرق الأوسط، التحالفات لا تُبنى على الأخلاق، بل على المصالح والفراغات الاستراتيجية.

الموقع الجيوسياسي لسوريا
عقدة اتصال: الأناضول ↔ الجزيرة العربية
بوابة برية نحو شرق المتوسط
معبر تاريخي: العراق ↔ لبنان ↔ فلسطين
دمشق كمفترق طرق جيوسياسي: أربعة فضاءات استراتيجية
الشمال
الفضاء التركي
مصالح أمنية واقتصادية، حدود بطول 900 كم
الشرق
الفضاء الإيراني
نفوذ استراتيجي، طرق إمداد، مصالح جيوسياسية
الجنوب
الفضاء العربي
الأردن، الخليج، العمق العربي التقليدي
الغرب
الفضاء المتوسطي
البحر المتوسط، قبرص، أوروبا
التحدي: إدارة هذا التعقيد دون أن تتحول البلاد إلى ساحة صراع
السردية الجديدة vs الجغرافيا السياسية
خطاب زيدان (السردية)
سوريا خرجت من المحور الإيراني
90%
عودة سوريا إلى محيطها العربي
85%
دمشق ركيزة للأمن القومي العربي
80%
الجغرافيا السياسية (الواقع)
استمرار النفوذ الإيراني المحتمل
65%
انقسامات النظام الإقليمي العربي
70%
صعوبة بناء ركيزة في أرض غير مستقرة
75%
ركائز الأمن الإقليمي (النموذج النظري)
نظام تحالفات مستقر
30%
توازن قوى واضح
40%
مؤسسات تعاون أمني
25%
الشرق الأوسط يفتقر إلى هذه العناصر ← حديث “الركيزة” سابق لأوانه
شروط تحول سوريا إلى عنصر استقرار إقليمي
استعادة سيطرة الدولة الكاملة على أراضيها
55%
إعادة بناء الاقتصاد الوطني
30%
علاقات متوازنة مع القوى الإقليمية المتنافسة
45%
الخلاصة: بدون هذه العناصر، الحديث عن دور إقليمي لسوريا أقرب إلى الخطاب السياسي منه إلى الواقع الاستراتيجي.
1
خروج من المحور الإيراني
السردية تؤكده، الجغرافيا تختبره
2
عودة إلى المحيط العربي
خطاب واضح، لكن التطبيع يحتاج وقتاً
3
عنصر استقرار إقليمي
رهن باستكمال الشروط الجيوسياسية والاقتصادية

التحدي الحقيقي لدمشق الجديدة لن يكون في إعلان انتمائها إلى هذا المعسكر أو ذاك، بل في إدارة موقعها الجغرافي المعقد دون أن تتحول مرة أخرى إلى ساحة صراع إقليمي. جوهر الجغرافيا السياسية: ليس وصف الأرض، بل فهم الصراعات التي تدور فوقها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *