تبدو الحرب الحالية، للوهلة الأولى، اختبارا تقليديا لفجوة القوة بين طرفين غير متكافئين: الولايات المتحدة و”إسرائيل” بما تملكانه من تفوق جوي واستخباري وتقني، في مقابل إيران وحزب الله بما يملكانه من ترسانة صاروخية وشبكات ردع غير متماثلة، لكن هذا الوصف، رغم صحته الجزئية، يبقى قاصرا عن تفسير ما يجري فعلا، فالمعيار الحاسم هنا ليس ميزان القوة الخام، بل ميزان التهديد المدرك؛ فمن يَعدّه الفاعلون الإقليميون الخطر الأكثر مباشرة على أمنهم، وما نوع التحالفات التي تنتج عن هذا الإدراك، وهذا هو جوهر نظرية “ستيفن والت”.
المهم في الحرب الحالية أنها نقلت التهديد من مستوى “النفوذ غير المباشر” إلى مستوى “الاستهداف المباشر”، فبحسب رويترز، تحدث السفير الإيراني في السعودية عن أكثر من ألفي هجوم صاروخي ومسيّرة طالت دول الخليج منذ اندلاع الحرب في 28 شباط، وسط نفي إيراني لضرب بعض المنشآت النفطية السعودية مع تأكيد أن الاستهداف يطول الأصول الأمريكية والإسرائيلية، كما أفادت رويترز ووكالة أسوشيتد برس بضربات إيرانية ومسيّرات عطّلت مطار دبي مؤقتا، وأثّرت على الفجيرة والملاحة في محيط هرمز، فيما توسّعت العمليات الإسرائيلية ضد حزب الله داخل جنوب لبنان.
أولاً: ما الذي تغيّر في بنية الحرب؟
قبل هذه الجولة، كان يمكن لعدد من دول المنطقة أن تنظر إلى الصراع الإيراني – الأمريكي بوصفه صراعا قابلا للإدارة عبر الوكلاء والردع المتبادل المحدود، أما الآن، فتغير الأمر لسببين؛ الأول أن الولايات المتحدة لم تعد مجرد داعم سياسي أو لوجستي، بل طرف مباشر في العمليات؛ والثاني أن إيران لم تعد تحصر ردها داخل الساحة “الإسرائيلية” أو الجوار المباشر، بل وسعته ليشمل المجال الخليجي بوصفه عمقا عملياتيا للوجود الأمريكي، وهذا التحول يجعل نظرية توازن التهديد أكثر فاعلية من منطق “توازن القوى” التقليدي في تفسير السلوك الإقليمي.
وفق نظرية والت، تتحدد درجة التهديد عبر أربعة عناصر: القوة الإجمالية، والقرب الجغرافي، والقدرات الهجومية، والنوايا العدائية، وإذا طبقنا هذه العناصر على الحرب الحالية، سنجد أن الولايات المتحدة تبقى القوة الأضخم، لكن إيران، في نظر كثير من دول الخليج، باتت التهديد الأكثر إلحاحا لأنها الأقرب جغرافيا، والأكثر استعدادا لاستخدام الصواريخ والمسيرات ضد البنية التحتية الإقليمية، والأوضح في ربطها بين وجود القواعد الأمريكية وبين شرعية الاستهداف، وهذا لا يجعل واشنطن “غير مهدِّدة”، لكنه يجعل إيران، في لحظة الحرب، مصدر الخطر اليومي المباشر.
لماذا لا تتوازن دول الخليج ضد واشنطن رغم أنها الأقوى؟
هذا سؤال نظري مركزي، فلو كان منطق النظام الإقليمي يقوم على موازنة القوة وحدها، لكان المنطقي أن تتكتل دول المنطقة ضد الولايات المتحدة، لا أن ترتبط معها بشراكات أمنية، ولكن ما يحدث تاريخيا، ويتأكد الآن، أن الدول لا تتوازن مع الأقوى تلقائيا؛ بل مع من تعتبره الأكثر استعدادا لإلحاق ضرر مباشر بها.
لهذا السبب، فإن الهجمات الصاروخية والمسيرة التي امتدت إلى الإمارات، وإلى محيط قواعد أمريكية في الخليج، لا تدفع هذه الدول إلى الابتعاد الفوري عن واشنطن، بل تدفعها مبدئيا إلى مزيد من الاحتماء بها، والمفارقة أنه كلما زاد اعتماد هذه الدول على المظلة الأمريكية، زادت قابليتها لأن تصبح هدفا في الحرب، فينشأ التناقض البنيوي فالتحالف الذي يفترض أن يعزز الأمن يصبح في لحظة الحرب المفتوحة، سببا في زيادة التعرض للخطر،و هذا بالتحديد ما يجعل الحساب الخليجي معقدا، لا بسيطا.
لا ينتج توازن التهديد اصطفافا آليا ومستقرا، بل ينتج تحالفا اضطراريا مصحوبا بمحاولة موازية لخفض التصعيد، ولهذا رأينا خطابا إيرانيا يضغط على دول الخليج كي تبتعد عن “الاعتماد على القوى الخارجية”، في حين تدفع الوقائع الميدانية هذه الدول إلى طلب مزيد من الحماية البحرية والجوية، وهنا لا تتصرف العواصم الخليجية انطلاقا من الثقة بواشنطن أو من الثقة بطهران، بل من إدارة الخطر بينهما.
الصواريخ أهم من الطائرات هنا، ولكن ليس للأسباب الشائعة
من السهل القول إن إيران تستخدم الصواريخ لأنها لا تملك تفوقا جوي، هذا صحيح لكنه تفسير ناقص، فالأهم أن الصواريخ والمسيّرات تمنح طهران أداة لتحقيق ثلاثة أهداف في آن واحد: توسيع ساحة الحرب، وتوزيع الضغط على خصوم متعددين، ورفع كلفة التحالف مع الولايات المتحدة على الدول المضيفة للقواعد، أي أن الصاروخ هنا ليس بديلا اضطراريا عن الطائرة فقط، بل أداة سياسية لإعادة هندسة الإدراك الإقليمي للتهديد.
حين تضرب إيران “إسرائيل”، فهي تقول إن الحرب لن تُحسم من الجو “الإسرائيلي” وحده، وحين تمتد الهجمات إلى دبي أو الفجيرة أو محيط البحرين وقطر، فهي تقول أيضا إن بنية الأمن الخليجي نفسها قابلة للانكشاف، فإيران لا تسعى فقط إلى الصمود، بل إلى نقل مركز الثقل من سؤال “من الأقوى؟” إلى سؤال “من يستطيع جعل الحرب غير محتملة للآخرين؟” وهذا هو جوهر الردع غير المتماثل، والتقارير الأخيرة من رويترز وواشنطن بوست وAP تؤكد هذا النمط؛ تعطيل مؤقت لمطار دبي، وتأثر الفجيرة، وتهديد الشحن، وارتفاع أسعار النفط فوق 100 دولار للبرميل.
لكن لهذا الخيار حدودا واضحة، فالصواريخ تُربك، وترفع الكلفة، وتمنع انهيار الردع الإيراني الكامل، لكنها لا تُنتج بذاتها نظاما إقليميا بديلا، بل تدفع الدول المتضررة إلى مزيد من التسلح والتنسيق الدفاعي والتفكير في ترتيبات أكثر عدائية تجاه إيران على المدى المتوسط، أي أن النجاح العملياتي للصواريخ يقابله فشل سياسي في البيئة الإقليمية إذا ترسخ إدراك إيران بوصفها الخطر الأقرب والأكثر استعدادا لضرب المجال الخليجي.
حزب الله ليس جبهة مساندة فقط، بل أداة لتمديد التهديد
التطور اللبناني مهم لأنه يكشف أن الحرب لم تعد ثنائية، بل متعددة المسارح، فرويترز وAP وول ستريت جورنال تحدثت عن انتقال “إسرائيل” إلى عمليات برية “محدودة وموجهة” في جنوب لبنان بعد وابل صاروخي من حزب الله، وعن سقوط مئات القتلى ونزوح واسع داخل لبنان، وهذا يعني أن حزب الله لم يعد يؤدي وظيفة الردع الرمزي فحسب، بل يعيد تثبيت فكرة أن أي حرب مع إيران ستفتح الجبهة الشمالية على “إسرائيل” تلقائيا تقريبا.
في منطق توازن التهديد، يزيد حزب الله من وزن التهديد الإيراني لسببين؛ الأول أنه يضيف عنصر القرب الجغرافي المباشر بالنسبة إلى “إسرائيل”، والثاني يبرهن على وجود قدرة هجومية موزعة إقليميا، لا متمركزة داخل الحدود الإيرانية فقط، وهذا هو الفارق بين أن تكون إيران دولة ذات قدرات عسكرية، وأن تكون مركز شبكة عسكرية–سياسية عابرة للحدود، فالدول لا تقلق من القدرات فحسب، بل من قابلية تلك القدرات للظهور في أكثر من جبهة وفي أكثر من توقيت.
دخول حزب الله بهذه الكثافة يحمل لبنان أثمانا فدور الحزب ينجح في رفع كلفة الحرب على “إسرائيل”، ويسرّع في نفس الوقت أيضا إعادة تعريف لبنان كساحة تصفية عسكرية مفتوحة لا كساحة ردع فقط، وهذا تطور يبدل البيئة الاستراتيجية للحزب نفسه إذا طال أمد العمليات.
الولايات المتحدة أمام معضلة “القوة العظمى المعرّضة للاستنزاف“
يبدو أن واشنطن، من حيث التفوق قادرة على فرض الإيقاع العسكري، لكن الحرب الحالية تضعها أمام مشكلة كلاسيكية في الاستراتيجية الكبرى؛ كلما ازداد استخدامها للقوة المباشرة في الشرق الأوسط، ازداد انكشاف شبكتها المنتشرة في الخليج والبحار والممرات الحيوية، فالقوة الأمريكية لا تترجم تلقائيا إلى حرية حركة غير مكلفة.
دعوة واشنطن إلى تشكيل تحالف بحري لإعادة تأمين هرمز، مع تردد عدد من الحلفاء في إرسال قطع بحرية، تكشف أن القيادة الأمريكية ما زالت قادرة على الحشد، لكنها لم تعد قادرة على افتراض وجود انصياع تلقائي من الشركاء، فرويترز وAP أشارتا إلى تردد ألمانيا واليابان وأستراليا وغيرهم في الانخراط العسكري المباشر لحماية الملاحة، وهذا مهم نظريا، لأن الهيمنة لا تُقاس فقط بقدرة الدولة على الضرب، بل أيضا بقدرتها على توزيع كلفة النظام الأمني على الآخرين، فإذا تعذّر ذلك، تبدأ الهيمنة في اكتساب ملامح الاستنزاف.
النفط وهرمز ليسا خلفية اقتصادية، بل جزء من بنية التهديد
من الأخطاء الشائعة التعامل مع الطاقة بوصفها نتيجة جانبية للحرب، فهرمز والنفط جزء من بنية التهديد نفسها، فحين تتعطل الملاحة أو ترتفع تكاليف التأمين أو تقفز الأسعار فوق 100 دولار، فإن طهران تظهر أن قدرتها على الإضرار لا تقتصر على “إسرائيل” أو القواعد الأمريكية، بل تمتد إلى الاقتصاد العالمي. رويترز نقلت أن نحو 20% من إمدادات النفط والغاز العالمية تمر عبر المضيق، وأن وكالة الطاقة الدولية أعلنت سحبا من الاحتياطيات الطارئة بأكثر من 400 مليون برميل لتهدئة السوق.
يبدل هذا طبيعة الحرب من مواجهة عسكرية إقليمية إلى أزمة نظام دولي مصغرة، فكلما ارتفعت الكلفة العالمية، زادت الضغوط على واشنطن لاحتواء الحرب، لكن ذلك لا يعني بالضرورة تخفيف الضغط على إيران؛ إذ يفضي أيضا إلى تشديد الجهد العسكري لتأمين الممرات، فورقة الطاقة تمنح إيران قدرة على الإزعاج الاستراتيجي، لكنها لا تمنحها بالضرورة قدرة على فرض تسوية بشروطها، إنها ورقة تعطيل أكثر من كونها ورقة حسم.
ما الذي ينتجه هذا كله على مستوى النظام الإقليمي؟
النتيجة الأرجح ليست “انتصارا” نظيفا لأي طرف، بل إعادة ترتيب إدراكات التهديد، فـ”إسرائيل” ستخرج، على الأرجح، أكثر اقتناعا بأن الجبهات المترابطة يجب تفكيكها لا احتواؤها، ودول الخليج ستخرج أكثر اقتناعا بأن المظلة الأمريكية لازمة، لكنها غير كافية، وأن عليها توسيع أدوات الدفاع الذاتي والتواصل الدبلوماسي في آن واحد، أما إيران فستسعى إلى تثبيت فكرة أن بقاءها كقوة إقليمية لا يتوقف على حماية كل أصل عسكري داخل أراضيها، بل على قدرتها على إبقاء خصومها داخل دائرة الكلفة المرتفعة.
وهنا نصل إلى الخلاصة النظرية الأدق، فالحرب الحالية لا تؤسس لتوازن قوى جديد بقدر ما تؤسس لـ”توازنتهديد أكثر حدة وسيولة”، فالدول لن تعيد تموضعها على أساس من هو الأقوى عسكريا فقط، بل على أساس من أثبت أنه قادر على إيصال التهديد إلى داخل أراضيها أو اقتصادها أو ملاحتها، وهذا يفسر لماذا تزداد الشراكات مع واشنطن دفاعيا، وفي الوقت نفسه تتزايد محاولات فتح قنوات تهدئة مع طهران، ليس في هذا تناقض؛ بل هو التعبير العملي عن سياسة البقاء في بيئة تهديد متشابك.
لا هيمنة مستقرة بعد هذه الحرب
القراءة الصارمة لنظرية توازن التهديد تقود إلى نتيجة غير مريحة لجميع الأطراف، فلا القصف الأمريكي–”الإسرائيلي” قادر وحده على إنتاج هيمنة إقليمية مستقرة، ولا الرد الصاروخي الإيراني – حزب الله قادر وحده على إنتاج انتصار سياسي مستدام، فالأول يملك قدرة تدمير هائلة، لكنه يواجه مشكلة التحول من الإنجاز العسكري إلى النظام الإقليمي المستقر، والثاني يملك قدرة تعطيل ورفع كلفة كبيرة، لكنه يواجه مشكلة تحويل الإيلام إلى شرعية إقليمية مقبولة.
وفق هذا التصور فإن الشرق الأوسط لا يتجه، في المدى المنظور، إلى لحظة حسم، بل إلى مرحلة أكثر خشونة من الردع المتبادل، حيث تصبح القواعد الأمريكية في الخليج، والجبهة اللبنانية، وهرمز، و”إسرائيل”، حلقات في منظومة واحدة للضغط والضغط المضاد، والمعنى السياسي الأهم هنا أن المنطقة دخلت طورا لا تُعرفه هيمنة قوة واحدة، بل تعايش قسري بين قوى قادرة على الإيذاء أكثر من قدرتها على البناء.
توازن التهديد · بعد اتساع الحرب
🇺🇸 التفوق الجوي والتقني
🇮🇷 الترسانة الصاروخية والمسيّرات
توزيع التهديد (الخليج)
🇱🇧 حزب الله: تمديد التهديد إلى جبهة شمالية مفتوحة
وفق التقارير، انتقلت إسرائيل إلى عمليات برية “محدودة” في جنوب لبنان. أكثر من 400 قتيل من الحزب منذ 2 آذار، ونزوح واسع يتجاوز مليون شخص. الحزب يطلق 100 صاروخ ومسيّرة يومياً في المتوسط، ويعيد تثبيت فكرة أن الحرب مع إيران تفتح الجبهة الشمالية تلقائياً.
قتلى بالحزب
صواريخ ومسيّرات
الخلاصة وفق نظرية والت: لا القصف الأمريكي-الإسرائيلي ينتج هيمنة مستقرة، ولا الرد الصاروخي الإيراني يصنع انتصاراً سياسياً. المنطقة مقبلة على مرحلة أكثر خشونة من “توازن التهديد”، حيث تصبح القواعد الأمريكية في الخليج، والجبهة اللبنانية، وهرمز، وإسرائيل حلقات في منظومة ضغط واحدة.

