تتمثل المعضلة السورية الراهنة في وجودها داخل الحرب الإقليمية من موقع غير مباشر، حيث تتلقى ارتداداتها الكبرى من دون أن تملك قدرة متناسبة على التأثير في مساراتها، والمسألة هنا تتجاوز مجرد توصيف سياسي، بل إشكالية بنيوية تتعلق بموقع سوريا في الإقليم بعد سنوات الانهيار، وبطبيعة الشرق الأوسط الذي يُعاد تركيبه تحت وطأة الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، واتساع المواجهة مع حزب الله، وصعود الطاقة والممرات البحرية والبنى التحتية إلى مرتبة العناصر الحاكمة في الصراع، لا مجرد خلفية له.
من هذه الزاوية، لا تبدو سوريا ساحة القتال المركزية، لكنها أيضا ليست خارج معادلة الأمن الإقليمي، فالفاعل الذي لا يملك قرار الحرب يجد نفسه من أكثر المتأثرين بنتائجها، إذا كان موقعه الجيوسياسي هشا، وبنيته الداخلية مفككة، وقدرته على تحويل موقعه إلى نفوذ فعلي محدودة، وسوريا اليوم تجمع هذه العناصر الثلاثة من موقع حساس، ودولة مستنزفة، وحيز حركة سياسي أضيق بكثير من أن يسمح لها بتحويل التطورات الكبرى إلى مكاسب استراتيجية.
هل تمنح الحرب سوريا هامشا أوسع؟
كان من الممكن أن تمنح الحرب سوريا هامشا سياسيا أوسع، لأن انشغال القوى الكبرى والإقليمية بميادين أخرى يخفف الضغط المباشر عليها، لكن هذا التقدير يبقى مضللا إذا أُخذ بمعزل عن طبيعة التحول الجاري، فالحرب الحالية لا تضعف خصوما بعينهم فقط، بل تعيد تعريف من هو “المركز” ومن هو “الهامش” داخل الإقليم.
وهي تفعل ذلك عبر ثلاث آليات مترابطة: أولا، إعادة توزيع الردع العسكري؛ ثانيا، إعادة ترتيب الأولويات الاقتصادية والأمنية؛ وثالثا، إعادة تعريف قيمة الحلفاء والوكلاء والمواقع الوسيطة، وفي كل واحدة من هذه الآليات، تبدو سوريا في موقع ملتبس، فهي ليست حليفا حاسما في الحرب الجارية، أو طرفا يمكن تجاوزه بالكامل، لكنها أيضا ليست لاعبا قادرا على فرض شروطه.
الهامش الخطِر: حين لا يكون الابتعاد عن الحرب أمانا
هذا الالتباس هو ما يمكن تسميته بـ”الهامش الخطِر”، الذي يكون شكلا من أشكال التعرض المؤجل، فالدول التي تقف على الهامش أثناء إعادة بناء النظام الإقليمي لا تخرج سالمة بالضرورة؛ بل كثيرا ما تُستدعى لاحقا بوصفها موضوعا للتسويات، أو ساحة لإعادة التموضع، أو ورقة تفاوض بين قوى أخرى.
وهذا ما يجعل القراءة السورية لأي تصعيد إقليمي من منظور “عدم الانخراط المباشر” قراءة ناقصة، لأن السؤال الأهم ليس هل تشارك سوريا في الحرب؟ بل كيف ستُعاد صياغة البيئة الإقليمية التي ستعيش فيها سوريا بعد الحرب؟
أمن مترابط يتجاوز ساحات القتال
هنا ينبغي الانتباه إلى أن الحرب الجارية لا تنتج مجرد استقطاب عسكري، بل تنتج أيضا سويات جديدة من الأمن المترابط، فالتصعيد ضد إيران لم يبق في حدود الردع المتبادل، بل انسحب على الطاقة العالمية، وعلى أمن الممرات البحرية، وعلى استقرار الخليج، وعلى لبنان بوصفه جبهة متقدمة، وعلى حسابات القوى الدولية تجاه الشرق الأوسط ككل.
وفق هذه التطورات لا تعود سوريا مجرد قضية داخلية أو ملف إعادة إعمار أو نزاع سلطة، بل تتحول مجددا إلى جزء من سؤال أكبر، فمن يضمن توازن المشرق، ومن يملأ الفراغات الناتجة عن إضعاف إيران أو إنهاك حزب الله أو تبدل أولويات الولايات المتحدة و”إسرائيل”؟
دمشق في وضع دفاعي لا في موقع تمكّن
المشكلة أن سلطة دمشق لا تدخل هذا السؤال وهي في وضع تمكن، بل في واقع دفاعي، فهي أقرب إلى تثبيت ما هو قائم من أن تكون قادرة على إنتاج تموضع جديد، وهذا الفارق جوهري، فالدولة التي تعمل فقط على حماية وضعها الراهن أثناء لحظة سيولة إقليمية واسعة، تكون قبلت أن تُدار من الخارج أكثر مما تدير بيئتها.
وعندما تتشكل التوازنات الجديدة، تكتشف أنها حافظت على بقائها الآني، لكنها خسرت مكانتها المستقبلية، فالخطر لا يكمن فقط في آثار الحرب العسكرية أو الاقتصادية المباشرة، بل في العجز عن ترجمة اللحظة الإقليمية إلى فرصة سياسية.
ما الذي يتآكل في الإقليم؟
من منظور أوسع، يمكن القول إن ما يتآكل اليوم ليس فقط محورا أو شبكة تحالفات بعينها، بل صيغة الإقليم نفسها كما استقرت بعد العقد الماضي، فالحرب الراهنة تدفع هذا التآكل إلى مستوى آخر من اختبار البنية الإقليمية كلها، وحين تُختبر البنية، تصبح الدول الضعيفة أكثر عرضة لأن تُعاد موضعتها قسرا.
بالنسبة إلى سوريا، هذا يعني أن “الحياد القسري” ليس سياسة مكتملة، بل هو توصيف لحالة عجز عن المبادرة، والفرق بين الاثنين كبير؛ فالأول يبدو براغماتيا، أما الثاني فيحمل في داخله قابلية التحول إلى عزلة.
الغياب عن الجبهات لا يعني الحماية من النتائج
لا ينبغي المبالغة في قيمة الغياب السوري النسبي عن خطوط النار المباشرة، فإذا كان صحيحا أن ساحات أخرى تتصدر المشهد العسكري والاقتصادي، لكن ذلك لا يجعل سوريا محمية من النتائج، فهو يجعلها أكثر هشاشة، لأن القرارات التي ستنتج عن الحرب ستتخذ في ساحات أخرى، ثم تترجم لاحقا على الساحة السورية في شكل تفاهمات أمنية، أو حدود للنفوذ، أو معايير جديدة للعلاقة مع الفاعلين المحليين والإقليميين.
وهذا يعني أن كلفة التهميش ربما تكون أعلى من كلفة الانخراط المحدود، لأن الدول التي تغيب عن صناعة التسويات غالبا ما تجد نفسها موضوعا لها لا طرفا فيها.
التحدي السوري: منطق الانتظار أم القراءة الاستباقية؟
التحدي السوري الحقيقي لا يتمثل في تجنب تداعيات الحرب، لأن هذا لم يعد ممكنا أصلا، بل في منع تحول الموقع الهامشي إلى وضع دائم، وهذا يتطلب، نظريا على الأقل، الانتقال من منطق الانتظار إلى منطق القراءة الاستباقية، فكيف ستؤثر الحرب على شبكة التحالفات؟ ما شكل الردع الذي سيبقى لإيران بعد هذه الجولة؟ ما مصير حزب الله كفاعل إقليمي عابر للحدود؟ وكيف ستعيد “إسرائيل” والولايات المتحدة تعريف أولوياتهما في المشرق بعد هذه الحرب؟
هذه ليست أسئلة خارجية عن سوريا، بل أسئلة سورية بامتياز، لأن الإجابة عنها ستحدد الهامش المتاح لدمشق في السنوات المقبلة، فمستقبل الدور السوري لن يتقرر فقط في دمشق، بل في طبيعة النظام الإقليمي الذي سيفرز هذه الحرب.
الخطر ليس الدخول في الصراع بل الخروج من خرائط التأثير
سوريا ليست خارج الحرب، بل على حافتها المتحركة التي تبدو أقل كلفة في المدى القصير، لكنها أشد خطورة في المدى البعيد إذا أُسيء فهمها بوصفها منطقة أمان، فالحروب الكبرى لا تعيد توزيع الخسائر فقط؛ إنها تعيد توزيع الأدوار أيضا، والإقليم الذي يتشكل الآن، وسط التصعيد العسكري، واضطراب أسواق الطاقة، واتساع الجبهات، لن يترك مكانًا مريحًا للدول التي تكتفي بالتلقي.
السؤال السوري لم يعد كيف نبقى بعيدين عن الحرب؟ بل كيف نمنع أن تكتب نتائجها علينا من دوننا؟ ذلك أن أخطر ما تواجهه سوريا في هذه اللحظة ليس الدخول في الصراع، بل الخروج من خرائط التأثير بينما تُرسم خرائط الإقليم من جديد.
سوريا في الهامش الخطِر
مؤشر الموقع الاستراتيجي
آليات إعادة التشكيل الإقليمي
١. إعادة توزيع الردع العسكري
تحول موازين الردع المباشر بين إيران و”إسرائيل” وإعادة رسم خرائط التهديد.
٢. إعادة ترتيب الأولويات الاقتصادية والأمنية
الطاقة والممرات البحرية والبنى التحتية أصبحت عناصر حاكمة في الصراع.
٣. إعادة تعريف قيمة الحلفاء والمواقع الوسيطة
سوريا ليست حليفًا حاسمًا ولا يمكن تجاوزها بالكامل، لكنها لا تملك شروطها.

