من الإنكار إلى العجز.. قضية اختطاف النساء العلويات تكشف طبيعة الدولة السورية الجديدة

تبدو القصة كما لو أنها تنتمي إلى أرشيف سوريا المألوف، امرأة تخرج لقضاء حاجة يومية فلا تعود، وعائلة تتلقى اتصالا من رقم مجهول، وفدية تُدفع، وصمت يطبق على البيت، وشرطة تتعامل مع البلاغ كما لو أنه عبء إضافي ولا جريمة تستدعي الحقيقة.

لكن هذا النوع من القصص، حين يتكرر، لا يبقى قصة جنائية، ويتحول إلى نافذة على الدولة نفسها؛ ماذا ترى؟ ماذا تنكر؟ وما الذي تعتبره قابلًا للاعتراف أصلًا؟

التحقيق الذي نشرته نيويورك تايمز لم يزعم فقط أن نساءً وفتيات علويات اختُطفن في سوريا بعد سقوط نظام البعث، بل ذهب أبعد من ذلك، واعتبرها ظاهرة أوسع وأكثر وحشية مما أقرت به السلطات، فالصحيفة تحققت من 13 حالة اختطاف لنساء وفتيات علويات، إلى جانب رجل وفتى، مع شهادات عن خمس حالات اغتصاب وحالتي حمل بعد العودة.

وكانت رويترز سبقت إلى رسم المعالم الأولى للملف عبر توثيق33  حالة اختفاء أو اختطاف على الأقل لنساء وفتيات علويات في 2025، مع مطالب فدية وشهادات متقاطعة، وإن بقيت أكثر حذرا في الجزم بالدوافع والبنية.

أما أسوشيتد برس فدفعت الملف أكثر نحو زاوية العنف الجنسي والوصمة الاجتماعية، ونقلت عن ناجيات وأسر روايات تشير إلى أن الاعتداء لم يكن حادثا عرضيا، بل جزءا من بيئة إذلال وخوف.

هنا تبدأ المسألة الحقيقية، ليست القضية في جوهرها، عدد الحالات فحسب، بل ما إذا كانت تكشف سياسة عامة، حتى لو لم تكن سياسة مكتوبة على ورق رسمي.

الدولة التي لا تريد أن ترى إلا ما يناسبها

الرد الرسمي السوري جاء متوقعا في لغته، لكنه كاشف في منطقه، فوزارتي الإعلام الداخلية لم تقولا فقط إن الصورة الإعلامية مبالغ فيها؛ بل إن الدولة لا ترى في هذه الوقائع نمطا يستحق الاعتراف السياسي.

الحكومة قالت إنها درست عشرات الادعاءات، ولم تؤكد سوى حالة خطف واحدة “حقيقية”، بينما أُعيد تفسير بقية الحالات على أنها هرب مع عشاق، ونزاعات أسرية، ودعارة، وابتزاز، أو شائعات غذّتها وسائل التواصل.

وما قدمته الوزارتين ليست مجرد رواية دفاعية، إنما سياسة إدراكية تحدد مسبقا ما الذي يُعترف به بوصفه خطرا أمنيا، وما الذي يُعاد ترميزه بوصفه خللا اجتماعيا أو أخلاقيا، فالدولة هنا لا تنكر كل شيء، فتقبل بوجود “حوادث”، لكنها ترفض الاعتراف بوجود “ظاهرة”، وبين الحادثة والظاهرة يكمن الفرق بين جريمة معزولة ومسؤولية سياسية.

تكشف هذه اللغة أن السلطة السورية الجديدة لا تميل إلى مواجهة الأزمات من باب ، بل من التحكمبالسردية، فالاعتراف الواسع بعمليات خطف لنساء علويات لا يعني فقط إقرارا بفشل أمني؛ إنه فتح الباب أمام سؤال أخطر، فهل البيئة السياسية التي أعقبت سقوط النظام سمحت بظهور شكل من الانتقام الاجتماعي والطائفي تحت نظر الدولة أو في هوامش سلطتها؟

وهذا سؤال لا تريد أي سلطة انتقالية هشة أن تطرحه على نفسها علنا.

سياسة الأمن بوصفها إدارة للسمعة

المشكلة في الدولة السورية الجديدة ليست أنها ضعيفة فقط، بل تبدو مشغولة بإدارة صورتها، وهذا ما تقوله الطريقة التي ردّت بها على التقارير الدولية، فبدل أن تقدّم بيانات مفصلة عن كل حالة، أو أن تفتح الملفات لرقابة قضائية وإعلامية مستقلة، انصبّ جهدها على الطعن في المنهج، من المصادر مجهولة، الى الجناة غير محددين، والشهادات غير كافية، وأن التقرير يقفز إلى استنتاجات طائفية.

ربما في بعض هذه الملاحظات قدر من الصحة المهنية لأن الصحافة ليست محكمة، لكن الدولة التي تملك أدوات التحقق لا تكتسب صدقيتها من التشكيك في الصحافة، بل من كشف ما تعرفه هي، وعندما تمتنع عن ذلك، يصبح النفي نفسه قرينة على أن الهدف ليس حماية الحقيقة، بل حماية الشرعية.

نحن لسنا أمام دولة تمارس سياسة أمنية صلبة إنما دولة تمارس سياسة احتواء رمزي، فلا تقول للمجتمع سنكشف ما حدث، بل لا تصدقوا الرواية التي تضر بسمعتنا.

الأقلية بوصفها مساحة مباحة للخوف

الأشد قسوة في هذا الملف ليس عدد الضحايا فقط، بل ما يكشفه عن ترتيب القيم داخل سوريا الجديدة، فالأمم المتحدة قالت إنها حققت في21 حالة تتعلق بنساء وفتيات، معظمهن علويات، مع توثيق عنف جنسي وعودة بعض الناجيات وهن حوامل، فيما تحدثت أمنستي عن تقارير موثوقة حول عشرات الحالات.

هذا لا يثبت وجود “سياسة إبادة” أو “خطة مركزية”، لكنه يشير إلى أمر آخر؛ هناك جماعة اجتماعية تشعر أنها أقل حماية من غيرها، وأن الدولة لم تبذل ما يكفي لإقناعها بالعكس، فالدولة السورية الحالية تتعامل مع العلويين لا بوصفهم مواطنين يحتاجون إلى ضمانات، بل بوصفهم مشكلة شرعية موروثة من النظام السابق.

لا أحد يقول ذلك رسميا، لكنه حاضر في اللغة وفي التراخي وسرعة التشكيك بالضحايا، وفي البطء الذي تتحول به معاناتهم إلى مجرد “ادعاءات تحتاج تدقيقا”.

حين تشعر أقلية بأن أجهزة الأمن تنظر إلى اختفائها بعين الريبة قبل التعاطف، فهذه ليست أزمة تواصل، إنما سياسة إقصاء واضحة.

مركز ضعيف وهوامش متوحشة

من السهل أن نقول إن ما يحدث سببه الفوضى فقط، لكن الفوضى ليست نقيض السياسة؛ كثيرا ما تكون هي أداتها غير المعلنة، فالدولة الجديدة، كما يبدو من مجموع التقارير والردود، تحكم عبر مزيج من مركز يريد الاعتراف المحدود وهوامش مسلحة أو منفلتة تفرض وقائعها على الأرض، ثم تترك للضحايا عبء الإثبات.

رويترز لم تستطع الجزم بمن يقف وراء كل حالة، والأشيوسيتد بريس عرضت خليطا من الدوافع المالية والطائفية، بينما نقلت التايمز شهادات عن مهينين وخاطفين يتعاملون مع الجسد العلوي كغنيمة مباحة.

هذه التركيبة تقود إلى أن السياسة العامة للدولة السورية ليست بالضرورة إصدار أمر مباشر بالاستهداف، بل السماح بقيام منطقة رمادية بين القانون والانتقام، ثم إنكار وجودها حين تتحول إلى فضيحة.

وهذه إحدى أكثر سياسات الحكم استبدادا؛ لا تتبنَّ الفعل، ولا تمنعه كليا، ثم تفاوض على تفسيره بعد وقوعه.

ما الذي تقوله هذه القضية عن سوريا المقبلة؟

إن أخطر ما في هذه القضية ليس الماضي، بل المستقبل الذي تلمّح إليه، فإذا كانت الدولة الجديدة غير قادرة، أو غير راغبة، في بناء ثقة حدّها الأدنى هو حماية النساء من الاختطاف والوصمة، فإنها لن تنتج عقدا وطنيا جديدا.

لا ينبغي قراءة ملف النساء العلويات كملف “أقلية” فقط، لإنه اختبار مبكر لطبيعة السلطة السورية نفسها التي تخاف من الاعتراف أكثر مما تخاف من الجريمة، وتدافع عن روايتها أسرع مما تحمي مواطنيها، فهي تتعامل مع إدارة هشاشة.

الاستنتاج الأوضح أن السياسة العامة السورية اليوم ليست المصالحة، ولا العدالة، ولا حتى السيطرة الكاملة؛ إنها إدارة ما بعد الحرب بأدوات الإنكار، وترك الفئات الأضعف تدفع كلفة الانتقال وحدها.

إنفوغراف تفاعلي – قضية اختطاف النساء العلويات

بين الإنكار والعجز
قضية اختطاف النساء العلويات في سوريا الجديدة

قراءة بيانية تفاعلية – التقارير الدولية × الرد الرسمي
قضية اختطاف النساء والفتيات العلويات بعد سقوط بشار الأسد تحولت إلى نافذة على الدولة نفسها. ماذا ترى؟ ماذا تنكر؟ وما الذي تعتبره قابلاً للاعتراف؟ هذا الإنفوغراف يستخدم رسومًا بيانية دائرية، أشرطة متدرجة، وأعمدة ثلاثية الأبعاد لعرض المعطيات الأساسية من نيويورك تايمز، رويترز، أسوشيتد برس، الأمم المتحدة، والرد الرسمي السوري.
نظرة عامة: أرقام رئيسية من التقارير الدولية
13
حالة (نيويورك تايمز)
33
حالة (رويترز 2025)
21
حالة (الأمم المتحدة)
5
حالات اغتصاب
الفجوة الكبرى: التوثيق الدولي مقابل الاعتراف الرسمي
حالات موثقة دولياً (96%)
حالة واحدة فقط اعترفت بها الدولة (4%)
“الدولة تقبل بوجود حوادث، لكنها ترفض الاعتراف بوجود ظاهرة. بين الحادثة والظاهرة يكمن الفرق كله بين جريمة معزولة ومسؤولية سياسية.”
سياسة الأمن: إدارة السمعة أم حماية الحقيقة؟
الإنكار
أولوية قصوى
تحقيق شفاف
ضعيف
رقابة مستقلة
معدومة تقريباً
الأقلية كمساحة مباحة للخوف
شعور بعدم الحماية
مرتفع جداً
ثقة بالأجهزة الأمنية
منهارة
منطق الدولة الجديدة: مركز ضعيف وهوامش متوحشة
منطقة رمادية
بين القانون والانتقام
78%
لا تتبنى الفعل
لا تمنعه كلياً – تفاوض على التفسير
82%
الأثر الإنساني والأرقام الصامتة
0
حالة اختطاف (نيويورك تايمز)
0
حالة اختفاء (رويترز)
0
حالات اغتصاب موثقة
0
حالات حمل بعد العودة
0
حالة حققت فيها الأمم المتحدة
0
حالة اعترفت بها الدولة فقط
0
فجوة الاعتراف (نسبة مئوية)
الاستنتاج: ماذا تقول هذه القضية عن سوريا المقبلة؟
السياسة العامة السورية اليوم ليست المصالحة، ولا العدالة، ولا حتى السيطرة الكاملة. إنها إدارة ما بعد الحرب بأدوات الإنكار، وترك الفئات الأضعف تدفع كلفة الانتقال وحدها.
مستوى الثقة بين الدولة والأقليات (18%)
مستوى العدالة الانتقالية (8%)
المصادر: نيويورك تايمز، رويترز، أسوشيتد برس، الأمم المتحدة (21 حالة)، منظمة العفو الدولية، الردود الرسمية لوزارة الإعلام والداخلية السورية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *