وقف إطلاق النار بين سوريا و”إسرائيل”: من اتفاق 1974 إلى مفاوضات ما بعد الأسد

ثمة أماكن في الشرق الأوسط لا تكتسب أهميتها من اتساعها، بل من قدرتها على تركيز التاريخ داخل مساحة ضيقة.

الجولان واحد من هذه الأمكنة، فهو ليس مجرد هضبة مشرفة أو خط فصل بين جيشين، بل نقطة ترى منها الدول مخاوفها قبل أن ترى حدودها، فلم يكن وقف إطلاق النار بين سوريا و”إسرائيل”، منذ نشأته، تعبيرا عن تسوية بقدر ما كان اعترافا صامتا بأن الجغرافيا نفسها أقوى من اللغة الدبلوماسية، ففي هذه البقعة، لا ينتهي النزاع حين تصمت المدافع، لأن الصراع ليس على إطلاق النار فقط، بل على من يملك حق النظر من الأعلى، وحق تعريف الخطر، وحق تحويل التضاريس إلى سياسة.

منذ اتفاقية الهدنة عام 1949، ثم اتفاق فصل القوات عام 1974، لم يكن المقصود من وقف إطلاق النار أن يصنع سلاما، بل أن يمنع الجبهة من التحول إلى حفرة تبتلع الإقليم بأكمله، وكان تمرينا طويلا على الانضباط لا على المصالحة، وإدارة الخوف لا تجاوزه.

استطاع ضبط الحرب، لكنه لم يلغها، وجمدها في المكان، ثم تركها تتسرب إلى الحسابات العسكرية، وإلى الخرائط، وإلى الذاكرة الوطنية للطرفين.

حين تصبح الهدنة شكلا من أشكال الصراع

تأتي الهدنة في كثير من النزاعات، في نهاية المعركة، أما على الجبهة السورية-“الإسرائيلية”، فكانت بداية صيغة جديدة من الصراع، واتفاق 1949 لم يطو الحرب، بل أعاد توزيعها على مناطق منزوعة السلاح وحدود رمادية وتفسيرات متعارضة لما هو مشروع وما هو استفزاز.

بهذه الصورة ولدت مفارقة ستلازم هذه الجبهة عقودا؛ كلما بدا أن العنف جرى احتواؤه، كان في الحقيقة غير شكله فقط.

الهدنة لم تنتج ثقة، بل أنتجت حذرا، ولم تؤسس لعلاقة طبيعية بين دولتين، بل أنشأت ترتيبات تجعل كل طرف يراقب الآخر من خلف سويات من الشك، وفي هذه المنطقة تحديدا، لا يكون الشك تفصيلا نفسيا، بل ركيزة أمنية، فالجبهة الهادئة ليست بالضرورة مستقرة؛ فهي جبهة تعلمت كيف تخفي توترها داخل القواعد والإجراءات.

1974 اتفاق نجح لأنه عرف حدوده

بعد حرب تشرين، احتاج الطرفان إلى أكثر من وقف نار لفظي، فالحرب أثبتت أن الخطأ في التقدير يفتح بابا لا يغلق بسهولة، وجاء اتفاق فصل القوات عام 1974، لا بوصفه وعدا بسلام آت، بل هندسة دقيقة لمسافة أمان، فالخرائط والمناطق العازلة والرقابة الأممية، والأحجام المحددة للقوات، بدت، في ظاهرها، تفاصيل تقنية. لكنها في الحقيقة كانت تعبيرا عن حكمة قاسية، فحين يستحيل الحل، يصبح تنظيم الخطر هو السياسة الوحيدة الممكنة.

نجح الاتفاق لأنه لم يحاول أن يكون أكثر مما يحتمل، فلم يعد بإنهاء مسألة الجولان، ولم يفرط بالحقوق الوطنية السورية وحقها بالجولان، ولم يضع تصورا لمصالحة تاريخية، ولم يطلب من الطرفين تغيير نظرتهما إلى بعضهما.

اكتفى بأن يضع بينهما مسافة محسوبة، وفي الشرق الأوسط تعيش الاتفاقات التي تعترف بحدودها أكثر من تلك التي تتورط في وعود كبرى، فاستمر اتفاق 1974 طويلا لا لأنه أنهى النزاع، بل لأنه حوله إلى وضع يمكن التحكم بإيقاعه.

استقرار من النوع الذي لا يبدد القلق

على مدى عقود، بدت الجبهة السورية-الإسرائيلية الأكثر هدوءا قياسا إلى جبهات أخرى، لكن ذلك الهدوء كان خادعا.

لم يكن سلاما، بل نوعا من الاستقرار البارد الذي يقوم على الردع والرقابة والاعتياد على الخطر، فكانت الأمم المتحدة تراقب، والجيشان يلتزمان في الغالب بالخطوط، والسياسة تؤجل نفسها.

هذا التأجيل لم يكن بريئا، فحين يؤجل الصراع طويلا من دون أن يحل، فإنه لا يختفي؛ بل يتصلب في البنية ويصبح أكثر رسوخا من أن يقتلع بسهولة.

تحول الجولان، في هذا المعنى، إلى مشهد ثابت فوق بركان بطيء، والسكون الظاهر أخفى تحته معادلة صريحة؛ لا أحد يريد حربا شاملة، لكن لا أحد مستعد أيضا للقبول بتسوية تفهم بوصفها تنازلا استراتيجيا، فعاش وقف إطلاق النار لا كمرحلة انتقالية إلى ما بعدها، بل كنظام دائم لإدارة ما لا يمكن حسمه.

حين انهارت الدولة، لم يعد الاتفاق كافيا وحده

غير أن الاتفاقات، مهما طال عمرها، ليست أقوى من البيئة التي تعيش فيها، ومع تفكك الدولة السورية وسقوط المركز السياسي الذي كان يمثل الطرف السوري التقليدي الذي بقي متمسكا بحق السوريين باسترجاع الجولان، بدأ وقف إطلاق النار يفقد افتراضه الأساسي بوجود دولة قادرة على احتكار القرار الأمني على جانبها من الخط.

في الظروف القديمة، كان الاتفاق يفصل بين جيشين واضحين، أما بعد عام 2024 فصار يفصل بين “إسرائيل” من جهة، وفضاء سوري متحول، وهذا فرق هائل.

الردع يكون أسهل حين تعرف من تردع، وحين يكون الطرف المقابل دولة ذات هرمية واضحة، وأما حين يتشظى المجال الأمني، وتدخل فيه سلطات متعددة، ومجموعات محلية، ورعاة خارجيون، فإن وقف إطلاق النار لا يعود مجرد مسألة التزام بالنص، بل يصبح صراعا على من يملك أصلا حق تطبيق النص.

من هنا بدأ خط الفصل يتحول، من جديد، إلى ساحة تفاوض ميداني وسياسي في آن، فـ”إسرائيل: رأت في الجنوب السوري مجالا يجب تحصينه من أي تهديد محتمل قبل أن يتبلور، والسلطة الجديدة بسوريا رأت في أي حركة “إسرائيلية” داخل أراضيها أو في منطقة الفصل محاولة لاستثمار هشاشتها الداخلية من أجل فرض حقائق طويلة الأمد.

لم يعد السؤال هل يوجد وقف لإطلاق النار؟ بل من يحدد شروطه حين تتغير الدولة التي يفترض أنها طرف فيه؟

التفاوض الحالي: حديث عن الأمن، وصراع على السيادة

لا تبدو المفاوضات الجارية اليوم بين سوريا و”إسرائيل” أقرب إلى السلام، بل إلى محاولة باردة لإعادة تعريف قواعد الاحتكاك، فالحديث يدور عن الانسحاب، والتوغلات، ومناطق الانتشار، وآليات المراقبة، وضمانات عدم التصعيد.

في اللغة الظاهرة، هذا تفاوض أمني، أما في المعنى الأعمق، فهو تفاوض على السيادة ذاتها؛ أين يبدأ الحق السوري في التحكم بأرضه؟ وأين تنتهي الحجة “الإسرائيلية” في توسيع مجالها الوقائي؟

هنا تظهر الحقيقة العارية لكل اتفاق وقف نار، فهو لا ينظم السلاح فقط، بل المجال الذي يعمل فيه السلاح، وأي تفاهم جديد على الجبهة السورية-“الإسرائيلية” لن يكون مجرد تحديث لاتفاق 1974، بل محاولة لرسم شكل جديد للعلاقة بين القوة والسيادة في الجنوب السوري، وهذا ما يجعل المفاوضات الراهنة أخطر مما تبدو، وأهم مما توحي به عباراتها التقنية.

الأطراف لا تتناقش حول حادث حدودي أو خرق موضعي، بل حول السؤال الذي يسبق كل ذلك، فمن يملك حق تعريف التهديد في هذه البقعة؟ “إسرائيل” ترى أن أمنها يقتضي هامش حركة واسعا إذا انهارت الضمانات التقليدية، وسوريا ترى أن أي قبول بهذا المنطق يعني تحويل الاستثناء الأمني إلى قاعدة دائمة، وبين هذين التصورين، تقف الأمم المتحدة والنصوص القديمة بوصفها آثارا قانونية لعالم أكثر انتظاما من العالم الحالي.

الجغرافيا ما تزال تملي على السياسة حدودها

ليس من قبيل المصادفة أن يعود كل شيء في النهاية إلى الجولان نفسه، فالتضاريس هنا ليست خلفية محايدة، بل جزء من ميزان القوة، فالعلو، والرؤية، والعمق، وقرب الحدود، كلها عناصر تجعل المكان شريكا في صياغة الاستراتيجية.

إن وقف إطلاق النار لم يكن يوما قابلا للفصل عن الجغرافيا، فالمكان المرتفع لا يمنح أفضلية عسكرية فقط، بل يخلق عقلا سياسيا خاصا يرى في السيطرة وقاية، وفي التنازل مخاطرة، وفي كل فراغ احتمالا لتهديد مقبل.

من هذه الزاوية، تبدو المفاوضات الحالية استمرارا للتاريخ أكثر منها قطيعة معه، فهي لا تتحرك نحو سلام نهائي، بل نحو صيغة جديدة من الضبط المتبادل، تتلاءم مع توازنات ما بعد انهيار النظام القديم في دمشق. وربما تنجح هذه الصيغة في تأجيل الانفجار، أو تقليص احتمالاته. لكنها، على الأرجح، لن تفعل أكثر من ذلك، لأن الجبهة لم تصل بعد إلى لحظة يصبح فيها الاعتراف المتبادل بالأمن أقوى من الرغبة في احتكاره.

وقف إطلاق النار هنا ليس نقيض الحرب

تكشف العلاقة بين سوريا و”إسرائيل” أن وقف إطلاق النار ليس دائما الضد الطبيعي للحرب، فهو استمرار لها بأدوات أكثر انضباطا وأقل ضجيجا.

إنه يضع للعنف حدودا، لكنه لا يبدد منطقه، ويضبط التهديد، لكنه لا يبدد الشعور به، ومن هدنة 1949 إلى فصل القوات عام 1974، وصولا إلى المفاوضات الحالية، ظل الخيط الناظم واحدا؛ الجبهة تدار ولا تحل، تجمد ولا تصفى، ويعاد تعريف خطرها كلما تبدلت موازين البيئة المحيطة بها.

لا ينبغي المبالغة في قراءة أي اتفاق مرتقب على أنه اختراق تاريخي، فأقصى ما يمكن أن يحققه، في المدى المنظور، إعادة تنظيم القلق عند حدود يمكن احتمالها، وهذا في الشرق الأوسط ليس إنجازا صغيرا، لكنه ليس سلاما أيضا، إنه فقط الاسم الدبلوماسي لفن تأجيل الحرب.

الجولان: جغرافية الردع على حافة الفراغ | رسم بياني تفاعلي

الجولان: جغرافيا الردع على حافة الفراغ

من اتفاق 1949 إلى تفكك الدولة السورية: كيف تحول وقف إطلاق النار بين سوريا و”إسرائيل” من هندسة أمنية إلى صراع على السيادة؟
تحليل: الهدنة لم تنتج ثقة، بل أنتجت حذرا. والاتفاق لم يعد كافيا حين انهارت الدولة.
تطور طبيعة الردع على الجبهة السورية
من دولة مركزية إلى فضاء متشظٍ (مؤشر الفاعلية من 0 إلى 10)
القراءة: الردع الكلاسيكي بلغ ذروته في عقد السبعينيات والثمانينيات، لكن مع تفكك الدولة السورية بعد 2011، ثم انهيارها الكامل بعد 2024، تراجعت قدرة أي طرف على فرض انضباط أحادي الجانب.
فعالية وقف إطلاق النار حسب طبيعة الطرف المقابل
مقارنة بين مرحلة الدولة القوية ومرحلة التشظي
الخلاصة: الردع أسهل حين تعرف من تردع. مع تحول الجانب السوري إلى فضاء متعدد الفاعلين، تحول وقف النار من اتفاق بين جيشين إلى ساحة تفاوض ميداني بلا مرجعية واضحة.
وزن الجغرافيا في معادلة الردع
لماذا المكان نفسه يشكل جزءاً من ميزان القوة؟
الجغرافيا ليست خلفية: العلو، الرؤية الاستراتيجية، القرب من الحدود، العمق الدفاعي — كلها عناصر تجعل السيطرة على الجولان تعادل امتلاك حق تعريف “التهديد”.
الخط الزمني للجبهة السورية-الإسرائيلية: من الردع المتبادل إلى إدارة الفراغ
النموذج التكراري: كلما تراجع حضور الدولة المركزية، ارتفع منسوب “الفراغ الأمني”، وتحولت منطقة الفصل من حاجز مانع إلى ساحة تنافس. المفاوضات الحالية لا تهدف إلى سلام، بل إلى إعادة تعريف قواعد الاحتكاك في غياب طرف تقليدي واضح.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *