الاشتباكات الأخيرة في إدلب بين قوات الأمن السورية ومقاتلين أوزبك لا يمكن اختزالها في رواية أمنية ضيقة، فجوهر المسألة أعمق بكثير، فهل تستطيع السلطة السورية الجديدة أن تنتقل من منطق الفصيل المنتصر إلى منطق الدولة؟ وهل تملك أدوات ضبط حلفائها السابقين قبل خصومها؟ وهل يمكن بناء شرعية وطنية فوق شبكة من المقاتلين الأجانب الذين قاتلوا لسنوات ضمن مشروع عابر للحدود؟
عمليا نفذت قوات الأمن اعتقالات في ريف إدلب، من بينها كفريا والفوعة، مستهدفة مقاتلين أوزبك شاركوا في احتجاج أمام منشأة أمنية بعد محاولة توقيف مقاتل أوزبكي متهم بإطلاق النار في مدينة إدلب.
ترافقت العملية مع تعزيزات عسكرية وأرتال وانتشار حول البلدتين وسماع إطلاق نار متقطع، من دون أن يتضح عدد المعتقلين، في وقت نقلت رويترز عن مصدر أمني سوري أن عدد المقاتلين الأوزبك في سوريا قدر سابقا بنحو 1500، بعضهم يقيم مع عائلاته.
هذه التفاصيل تكفي لإثبات أن ما جرى ليس “شغبا أمنيا”، إنما صدام بين مركز سلطوي يحاول فرض نفسه وبين جماعة مسلحة تتصرف، حتى الآن، بوصفها كتلة ذات حصانة سياسية وذاكرة قتالية.
المقاتل الأجنبي.. من أصل عسكري إلى عبء سيادي
طوال سنوات الحرب، كان المقاتلون الأجانب جزءا من معادلة القوة في شمال غرب سوريا، وامتلكوا خبرة قتالية، وانضباطا أيديولوجيا، وشبكات تعبئة عابرة للحدود، ما جعلهم رصيدا لدى هيئة تحرير الشام وحلفائها في مراحل متعددة.
ما كان مفيدا في زمن التمرد أصبح عبئا في زمن الحكم، فالدولة لا تستطيع أن تبني شرعيتها في تقبل بوجود جماعات مسلحة تقرر متى تمتثل ومتى تحتج بالسلاح.
الاختبار الذي يواجه نموذج أحمد الشرع اليوم يظهر في مشكلة السلطة التي تحوي ثقافة سياسية وأمنية تشكلت داخل الفصائل، ولا تزال ترى الولاء الشخصي والتنظيمي أهم من المؤسسة، والتسويات الميدانية بديلا عن القضاء، وتتعامل مع السلاح كضمانة سياسية لا كأداة محصورة بقرار الدولة.
وفق هذه الصورة أصبحت إدلب مختبرا لفشل أو نجاح “النموذج السوري الحالي” الذي يريد طمأنة الخارج بلغة الدولة، لكنه لا يزال يدير الداخل بأدوات الحركة المسلحة.
عقدة الأوزبك.. شبكة لا أفراد
تاريخ الجماعات القادمة من آسيا الوسطى في “الجهاد السوري” يشكل المدخل الأهم لفهم التوتر الحالي مع المقاتلين الأوزبك.
أوضحت دراسة متخصصة صادرة عن مركز مكافحة الإرهاب في ويست بوينت تشير إلى أن الجماعات الأوزبكية، مثل كتيبة الإمام البخاري وكتيبة التوحيد والجهاد، كانت بين مجموعات أجنبية أوسع قدمت دعما مهما لهيئة تحرير الشام على مدى أكثر من عقد.
وتصف الدراسة هذه الجماعات بأنها صلبة ومتمرسة قتاليا، مع احتفاظها بروابط أيديولوجية وتنظيمية مع تقاليد سلفية جهادية، حتى في الوقت الذي حاولت فيه هيئة تحرير الشام تقديم نفسها كقوة سورية محلية منفصلة عن القاعدة.
هذه النقطة مركزية فالأوزبك في إدلب ليسوا مجرد “وافدين” مسلحين يمكن تفكيكهم بقرار إداري، وبعضهم تزوج واستقر وأنشأ عائلات واكتسب مكانة قتالية واجتماعية، وآخرون يرى في وجوده السوري جزءا من مسار ديني وسياسي طويل.
أي صدام معهم لا يقرأ داخل الجماعة كإجراء قانوني فقط، بل كتنكر لتضحياتهم أو محاولة لإخراجهم من معادلة السلطة بعد انتهاء الحاجة إليهم، فالمعضلة أن السلطة تحتاج إلى إخضاعهم، لكنها تخشى دفعهم إلى التمرد؛ وتحتاج إلى إرضاء الخارج، لكنها لا تريد خسارة جزء من قاعدتها المسلحة القديمة.
نموذج الدمج.. حل أم تأجيل للأزمة؟
اختارت السلطة السورية، مدعومة جزئيا بفهم أميركي براغماتي، طريق الدمج بدل الإقصاء، ففي حزيران 2025 أبدت واشنطن موافقة مشروطة على خطة لدمج نحو 3500 مقاتل أجنبي سابق في الجيش السوري، خصوصا ضمن الفرقة 84، على أساس أن إبقاءهم داخل مشروع الدولة أقل خطرا من تركهم خارجها حيث يمكن أن ينجذبوا إلى القاعدة أو تنظيم الدولة.
لكن في غياب عقيدة عسكرية وطنية، وقضاء مستقل، وآليات مساءلة شفافة، يتحول الدمج إلى إعادة تدوير للفصائل داخل بزات رسمية، والنموذج السوري الحالي يخلط بين بناء الدولة وضم القوى المسلحة إلى الدولة، الفارق بينهما كبير، فالأول يعني تفكيك الولاءات ما دون الوطنية، والثاني يعني فقط منحها غطاء رسميا.
دمج المقاتل الأجنبي في الجيش لا يجعله تلقائيا جزءا من “المؤسسة الوطنية،، فولاؤه يبقى في كثيرا من الحالات لقائده وجماعته ولذاكرته الجهادية، أو لشبكة المهاجرين التي وفرت له الحماية والمعنى.
ما حدث في إدلب يكشف حدود الدمج الورقي، فعندما تختبر الجماعة في قضية جنائية، تظهر الروابط الحقيقية تحت السطح.
الخارج يراقب.. الشرعية المشروطة
المشكلة لا تقف عند إدلب، فالقوى الغربية حذرت سلطة دمشق من تعيين مقاتلين أجانب في مواقع عسكرية عليا، معتبرة ذلك مصدر قلق أمنيا وسياسيا ويضر بصورة السلطة الجديدة في الخارج، حيث شملت التعيينات السابقة مقاتلين أجانب من الصين وآسيا الوسطى وتركيا ومصر والأردن، بينهم منحوا رتبا عسكرية رفيعة.
السلطة السورية تتحرك في مساحة ضيقة، فإن بالغت في مكافأة المقاتلين الأجانب، خسرت ثقة الغرب والجوار؛ وإن انقلبت عليهم بعنف، خاطرت بتفجير جيوب مسلحة داخل مناطق نفوذها، إنها معادلة شديدة الهشاشة، وتزداد خطورتها لأن دمشق تحتاج إلى الاعتراف والدعم الاقتصادي ورفع العقوبات، في وقت لا تزال فيه صورتها الخارجية محكومة بسؤال الإرهاب والجهادية العابرة للحدود.
حتى تقرير مراقبي العقوبات في الأمم المتحدة، الذي نقلت رويترز أنه لم يجد “روابط نشطة” بين السلطة السورية والقاعدة، لم يمنح شيكا على بياض، فقد أشار إلى قلق دول من بقاء عناصر تكتيكية ذات آراء أكثر تطرفا داخل هيئة تحرير الشام أو المجموعات المندمجة في الجيش، كما قدر وجود أكثر من 5000 مقاتل أجنبي في سوريا، مع قلق خاص من روسيا والصين.
إدلب كإنذار لا كاستثناء
ما جرى مع الأوزبك ليس أول مواجهة من نوعها، وهذه المواجهة الثانية في أشهر بين قوات الحكومة السورية ومسلحين أجانب في إدلب، بعد التوترات المرتبطة بمخيم يقوده الجهادي الفرنسي عمر ديابي، المعروف بعمر أومسن، قرب الحدود التركية في تشرين الأول الماضي.
تكرار هذه الحوادث يكشف ما هو أعمق من تعثر أمني عابر، فهناك بنية حكم لا تزال عاجزة عن تحويل السيطرة العسكرية إلى سلطة قانونية مستقرة، والمشكلة في استمرار التعامل معها كوحدات تفاوضية ذات وزن خاص، لا كأفراد خاضعين لقواعد عامة واحدة.
كلما انتهت أزمة من هذا النوع بتسوية ميدانية بدل مسار قضائي واضح، ترسخ انطباع بأن القانون ليس إطارا جامعا، بل أداة قابلة للتعليق عندما يملك الطرف المقابل ما يكفي من السلاح أو الرمزية أو القدرة على التعطيل، فلا تبدو السلطة كدولة تحتكر القرار داخل مجالها الأمني، بل كحكم انتقالي يوازن بين إرث الفصائل ومتطلبات الدولة، ويفاوض داخل بيته المسلح على الحدود الدنيا للسيادة.
صراع منخفض الشدة أم تفكيك منظم؟
الصراع المرجح بين سلطة دمشق والمقاتلين الأجانب لن يتخذ، في المدى المنظور، شكل مواجهة شاملة، بل سيبقى أقرب إلى احتكاك مزمن تديره السلطة عبر أدوات أمنية وسياسية متقطعة.
لكن هذا النمط من الإدارة لا يعالج أصل الأزمة، بل يرحلها من محطة إلى أخرى؛ فهو يخفف الانفجار من دون تفكيك أسبابه، ويمنح الدولة هامشا مؤقتا للسيطرة من دون أن يحسم سؤالا جوهريا، فهل المقاتلون الأجانب جزء من مؤسسة وطنية منضبطة، أم كتل مسلحة يجري احتواؤها كلما ارتفع منسوب التوتر؟
الحل الحقيقي فيتطلب ثلاث خطوات:
- إنهاء أي تشكيل أجنبي قائم على الهوية القومية أو الشبكة الجهادية.
- إخضاع جميع المنخرطين في الجيش لسلسلة قيادة مختلطة لا تسمح ببقاء الكتلة الأجنبية كتجمع مستقل.
- وضع مسار قانوني واضح للإقامة أو الجنسية أو المحاكمة أو الترحيل، بدل ترك الملف رهينة للتوازنات الأمنية.
النموذج السوري الحالي لا يزال دون هذا المستوى؛ إنه يريد نتائج الدولة من دون شروط.
الدولة تبدأ من حلفائها
اختبار إدلب يظهر في قدرة السلطة على تحويل اعتقال مقاتل أوزبكي إلى إجراء قانوني عادي، لا إلى أزمة سياسية مسلحة.
المقاتلون الأجانب هم المرآة الأكثر قسوة للنموذج السوري، لأنهم يكشفون حدود القدرة على التحول من سلطة أمر واقع إلى دولة قانون، فنجاح سلطة دمشق في تفكيك هذه البنى ودمج الأفراد المنضبطين ضمن مؤسسة وطنية حقيقية يبدو احتمالا افتراضيا، فالوقائع الميدانية تشير إلى سلطة تميل إلى إدارة التناقضات لا حسمها، وإلى شراء الهدوء بالتسويات لا بناء السيادة عبر قواعد ثابتة.
ستبقى إدلب صندوق بريد دائما لكل تناقضات المرحلة، بين سلطة تسعى إلى الظهور بمظهر الدولة، وجماعات لا تزال تتصرف كما لو أن الحرب لم تنته، ونموذج حكم لم يثبت بعد أنه قادر على إخضاع حلفائه قبل مطالبة خصومه بالثقة.
إدلب واختبار “الدولة الممكنة”
توزيع المقاتلين الأجانب حسب الجنسية (تقدير)
وضع المقاتلين الأجانب في النموذج السوري
اشتباكات كفريا والفوعة
قوات الأمن السورية تعتقل مقاتلين أوزبك بعد احتجاج مسلح — أول اختبار لقدرة الدولة على تفكيك كتل المقاومة الأجنبية.مخيم عمر ديابي (عمر أومسن)
توترات مع جهادي فرنسي قرب الحدود التركية، إعادة تأكيد أن القيادات الأجنبية تشكل تحديًا سياديًا متكررًا.نموذج الدمج الورقي
دمج 3500 مقاتل دون تفكيك الولاءات التنظيمية → خطر ظهور “كتل عسكرية موازية” داخل الجيش.الاحتكاك المزمن بدل الحسم القضائي
تسويات ميدانية بدلاً من مسار قانوني يرسخ مبدأ سيادة الدولة فوق السلاح.
