تفتح زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى بروكسل بابا واسعا لقراءة التحول الأوروبي في التعامل مع سوريا بعد سقوط نظام البعث، فالاتحاد الأوروبي الذي قدم نفسه طوال سنوات بوصفه قوة تدافع عن الانتقال السياسي وحقوق السوريين والمحاسبة، بدا في المرحلة الجديدة أقرب إلى فاعل يعيد ترتيب مصالحه تحت غطاء معياري مألوف.
في عمق هذه تتحدث بروكسل بلغة الشرعية، لكنها تمارس سياسة أكثر ارتباطا بالاستقرار والهجرة والأمن وإعادة التموضع في شرق المتوسط.
تظهر القرارات الأوروبية الأخيرة، بما فيها استئناف التعاون ورفع العقوبات عن وزيري الداخلية والدفاع، أن الاتحاد لا يطبق بصورة متماسكة ما بشر به منظرو “القوة المعيارية الأوروبية”، فبدل أن تكون المعايير شرطا صارما لبناء العلاقة مع السلطة السورية الجديدة، تحولت إلى مفردات مرنة تستخدم في البيانات، بينما تتحرك السياسة الفعلية وفق حسابات أكثر واقعية.
وفق هذه الصورة تصبح زيارة الشيباني لحظة كاشفة، لا لأنها تعلن عودة سوريا إلى أوروبا، بل لأنها تكشف حدود الخطاب الأوروبي عندما يواجه دولة خارجة من حرب وانهيار وفراغ سلطوي.
المفهوم حين يصطدم بالسياسة
يعد إيان مانرز، أستاذ العلاقات الدولية وأحد أبرز منظري مفهوم “القوة المعيارية الأوروبية”، من الأسماء التي أسهمت في تفسير خصوصية الاتحاد الأوروبي بوصفه فاعلا يسعى إلى تشكيل ما ينظر إليه دوليا كسلوك شرعي ومقبول.
وفق هذا المنظور، لا تعتمد أوروبا أساسا على الإكراه العسكري، بل على قدرتها تحويل منظورها للشرعية والحكم إلى قواعد عامة في السياسة الدولية.
غير أن الحالة السورية بعد سقوط نظام البعث تكشف فجوة واضحة بين النظرية والممارسة، فالاتحاد الأوروبي لم ينتظر تبلور عقد سياسي داخلي مستقر، أو قيام مؤسسات تمثيلية راسخة، أو اتضاح آليات المحاسبة، كي يبدأ إعادة وصل علاقاته مع دمشق.
اختار بدل ذلك الانخراط التدريجي مع السلطة الجديدة، والاكتفاء بلغة مشروطة وعبارات عامة عن الانتقال الشامل، هنا تبدو “القوة المعيارية” أقل حضورا كمنظومة قيم، وتستخدم كأداة بلاغية تمنح القرار السياسي مظهرا أخلاقيا.
من عزل النظام إلى احتواء السلطة الجديدة
منذ عام 2011، تعامل الاتحاد الأوروبي مع العقوبات على سوريا بوصفها أداة ضغط سياسية واقتصادية في آن واحد، حيث ربطت بروكسل هذه الإجراءات بتدهور أوضاع حقوق الإنسان، واستخدام القوة ضد المحتجين، وتعثر أي مسار سياسي جاد.
لم تكن العقوبات موجهة فقط إلى تعطيل موارد النظام السابق أو تقييد حركته الخارجية، بل إلى تأكيد موقف أوروبي يتلخص أن استمرار العلاقات الطبيعية مع أي سلطة يرتبط بحد أدنى من الالتزام السياسي والقانوني تجاه المجتمع الذي تحكمه.
بعد سقوط نظام البعث، تغير الإيقاع سريعا، وانتقلت أوروبا من سياسة العقاب إلى سياسة الاحتواء، ومن خطاب العزلة إلى خطاب الشراكة المشروطة، وهذا الأمر مفهوم من زاوية المصالح؛ فالدولة السورية تحتاج إلى مؤسسات عاملة، والأسواق تحتاج إلى حد أدنى من الاستقرار، والجوار الأوروبي يخشى موجات جديدة من الهجرة والفوضى.
الإشكالية أن هذا التحول لم يبن على مراجعة معيارية واضحة، بل على افتراض عملي بأن التعامل مع السلطة الجديدة أفضل من تركها خارج النظام الدولي.
رفع العقوبات عن وزارتي القوة
يمثل رفع العقوبات عن وزيري الداخلية والدفاع النقطة الأكثر حساسية في هذا المسار، فالأمر لا يتعلق بوزارة اقتصادية أو هيئة خدمية، بل بمؤسستين تمسكان بملفات الأمن والسلاح والحدود والسجون.
من منظور القوة المعيارية، يفترض أن يكون الانفتاح على هاتين الوزارتين مشروطا بأدلة واضحة على خضوعهما لرقابة مدنية، وعلى التزامهما بقواعد المحاسبة، وعلى تحولهما من منطق الفصيل إلى منطق الدولة.
التصرف الأوروبي يوحي بأن الأولوية انتقلت من مساءلة بنية القوة إلى استخدامها في ضبط الواقع، فبروكسل تحتاج إلى شريك أمني داخل سوريا لمتابعة ملفات الهجرة، وشبكات التهريب، وعودة اللاجئين، ومخاطر الجماعات المسلحة.
أصبح رفع العقوبات أداة لتسهيل الاتصال والعمل، لا نتيجة لتحقق معايير سياسية صلبة، فتراجع البعد المعياري، فأوروبا لا تنتظر اكتمال الشرعية الداخلية، بل تساهم في إنتاج شرعية خارجية مبكرة لوزارات لم تختبر بعد بما يكفي أمام المجتمع السوري.
الشرعية الخارجية بدل الشرعية الداخلية
تطرح المرحلة السورية الجديدة سؤالا جوهريا، فمن يمنح الشرعية؟ الشعب عبر عقد سياسي ومؤسسات تمثيلية، أم الخارج عبر الاعتراف والتعامل ورفع القيود؟ في السلوك الأوروبي الأخير، تظهر كفة الاعتراف الخارجي أكثر وزنا من مسار الشرعية الداخلية، فالسلطة التي تحظى بحوار سياسي رفيع في بروكسل، وتفتح أمامها قنوات تعاون، وتخفف عنها القيود، تحصل عمليا على رصيد سياسي يتجاوز ما أنتجته العملية الداخلية نفسها.
لا يعني هذا الأمر أن أوروبا تصنع السلطة السورية الجديدة، لكنها تساهم في تثبيتها قبل اكتمال اختبارها المحلي، والمفارقة أن الاتحاد الذي ربط لسنوات شرعية العلاقة مع دمشق بالانتقال السياسي، بدأ يوسع العلاقة قبل أن تتضح بنية ذلك الانتقال.
يظهر الخطاب المعياري حاضرا في البيانات، بينما تمنح الممارسة السياسية أولوية للواقعية المؤسسية، فوجود طرف يمكن مخاطبته أهم من اكتمال شروط تمثيله.
المصالح حين ترتدي لغة القيم
تتحدث أوروبا عن سوريا بلغة دعم الاستقرار والانتقال وحقوق المواطنين، لكن ترتيب الأولويات يكشف حضورا قويا لحسابات داخلية أوروبية.
ملف اللاجئين يضغط على الحكومات، والهواجس الأمنية تؤثر في الناخبين، وإعادة الإعمار تفتح مساحة تنافس اقتصادي وسياسي، كما أن غياب أوروبا عن دمشق يترك المجال لقوى إقليمية ودولية أخرى.
ضمن هذا المشهد، تتحول القيم إلى لغة تنظيم للمصالح أكثر من كونها قيدا عليها، فالاتحاد يستطيع أن يقول إنه يدعم دولة سورية شاملة، لكنه يتحرك عمليا نحو ما يضمن الحد الأدنى من الاستقرار القابل للإدارة، فهو يستطيع أن يطالب بالمحاسبة، لكنه يفتح قنوات مع مؤسسات القوة قبل أن تتضح حدود المساءلة، وقادر أيضا على التحدث عن عودة آمنة للاجئين، لكنه يعرف أن بعض عواصمه تريد تسريع هذا الملف لأسباب داخلية.
اختبار أوروبا لا اختبار سوريا وحدها
تحاول بروكسل تقديم سياستها الجديدة بوصفها دعما لسوريا ما بعد البعث، غير أن هذه المرحلة تختبر أوروبا أيضا، حيث أسقطت السنوات الماضية السردية القديمة التي حصرت المشكلة في شخص النظام السابق وحده، وفتحت سؤالا أعمق حول بناء الدولة، وتوزيع السلطة، وضمان الحقوق، وإعادة تعريف العلاقة بين المركز والمجتمع، والتعامل مع هذه الأسئلة يحتاج إلى أكثر من رفع عقوبات أو عقد حوارات وزارية.
القوة المعيارية، إن أخذت بجدية، تقتضي أن يكون الاتحاد أكثر اتساقا عبر دعم اقتصادي مشروط بشفافية واضحة، وانفتاح سياسي مرتبط بمسار تمثيلي فعلي، وتعاون أمني محكوم بضمانات معلنة، ومساهمة في الإعمار تراعي حقوق المتضررين والنازحين.
الاكتفاء بإطلاق عبارات عامة عن الشمولية والاستقرار، مع تسريع التطبيع العملي، يحول المفهوم إلى غطاء ناعم لسياسة تقليدية.
أوروبا التي تعظ أقل مما تساوم
تكشف زيارة الشيباني إلى بروكسل أن العلاقة السورية – الأوروبية دخلت مرحلة جديدة، لكنها توضح أيضا أن الاتحاد الأوروبي يتصرف بصفته قوة مصلحية أكثر منه قوة معيارية خالصة، فهو لا يتخلى عن لغة القيم، لكنه يكيفها مع حسابات الاستقرار والهجرة والأمن والنفوذ.
أصبحت “القوة المعيارية الأوروبية” في الحالة السورية وعدا غير مكتمل، وربما خطابا يستخدم لتلطيف انتقال سياسي تقوده الضرورة أكثر مما تقوده المبادئ.
ستحتاج سوريا إلى أوروبا في التمويل والتجارة وإعادة الاندماج الدولي، وستحتاج أوروبا إلى سوريا مستقرة بما يكفي كي لا تتحول مجددا إلى مصدر قلق إقليمي وداخلي.
بين الحاجتين، ينبغي ألا تضيع المسألة الأساسية؛ شرعية الدولة السورية المقبلة يجب أن تبنى داخل سوريا أولا، عبر العدالة والتمثيل والمحاسبة، لا عبر قاعات بروكسل وحدها، والاتحاد الأوروبي يستطيع أن يساعد في هذا المسار، لكنه يفقد حق الادعاء المعياري حين يسبق اعترافه السياسي تحقق الشروط التي طالما جعلها أساسا لخطابه.
سوريا وأوروبا بعد زيارة الشيباني: الشرعية بوصفها ميدانا للنفوذ
إعادة الإعمار كساحة شروط
أوروبا تمتلك القدرة المالية لكنها تربط الدعم بالحوكمة، الشفافية، اللامركزية ومشاركة المجتمعات المحلية. تمنع تحويل الإعمار إلى غنيمة، لكنها تمنح أوروبا نفوذاً كبيراً على أولويات الدولة.
ملف الهجرة والعودة
الاستقرار السوري شرط لتخفيف الضغط الأوروبي. لكن العودة الآمنة تتطلب أهلاً محلياً وضمانات. الاختبار: أوروبا في مقاومة التسرع، ودمشق في جعل العائدين مواطنين كاملي الحقوق.
الشرعية الداخلية أولاً
الاتحاد الأوروبي يساعد في تحديد “الدولة الطبيعية” بعد الحرب، لكن الامتحان الحاسم يبقى داخل سوريا: سيادة القانون، تمثيل جميع المكونات، ومحاسبة الانتهاكات.
العقوبات كلغة سياسية
منذ 2011، كانت العقوبات أداة لرسم حدود الشرعية، واليوم تتحول إلى الاحتواء المشروط: رفع تدريجي مع الاحتفاظ بجوهر الرسالة: العودة للمجتمع الدولي عبر السلوك السياسي.

