في سوريا الخارجة من حرب طويلة وأزمات مناخية ومعيشية متراكمة، لا تقاس تسعيرة القمح بقيمتها السوقية وحدها، بل بما تكشفه عن موقع الفلاح في حسابات الدولة، وعن جدية السياسات الرسمية في حماية الأمن الغذائي.
حين يحدد سعر المحصول الاستراتيجي من دون معادلة شفافة تراعي كلفة الإنتاج ومخاطر الزراعة، يتحول القرار من إجراء إداري إلى اختبار سياسي واقتصادي، فهل تعامل الدولة القمح بوصفه سلعة قابلة للاستيراد عند الحاجة، أم بوصفه ركنا من أركان السيادة والاستقرار الاجتماعي؟
قرار تحديد سعر شراء القمح لموسم 2026 بـ 46 ألف ليرة سورية جديدة للطن أثار موجة اعتراض مفهومة بين المزارعين والمهتمين بالشأن الاقتصادي.
يتجاوز القرار مسألة تحديد بدل شراء الطن إلى رسم حدود العلاقة بين الدولة والمنتج الزراعي، فالسعر يحدد مستوى الثقة بالسياسات الزراعية، وقدرة الفلاح على التخطيط للموسم التالي، واستعداد القنوات الرسمية لاستيعاب المحصول بدل دفعه نحو أسواق بديلة أو محاصيل أقل حساسية وطنيا.
الكلفة الغائبة في قرار التسعير
جوهر المشكلة لا يكمن في فروقات سعرية محدودة، بل في غياب معادلة واضحة لتكاليف الإنتاج. فالفلاح لا يزرع على الورق؛ إنه يتحمل سلسلة طويلة من الأعباء، من مستلزمات الزراعة والطاقة إلى أجور العمل والنقل، قبل أن يواجه عند التسليم شروط الفرز والتصنيف ومواعيد الدفع.
لا يمكن تقييم التسعيرة من رقم الشراء وحده، بل من قدرتها الفعلية على تغطية هذه الكلفة المركبة ومنح المنتج هامشا آمنا للاستمرار.
حين تحدد الجهات الرسمية سعر بذار القمح للموسم الزراعي 2025–2026 عند مستويات مرتفعة تقارب 500 دولار للطن، يصبح من المشروع أن يسأل الفلاح كيف يباع أحد أهم مدخلات الإنتاج بالدولار أو بما يعادله، ثم يشترى مني المحصول بسعر لا يمنحني هامش أمان كافيا؟
حين تفكر الدولة كتاجر
الدولة حين تتعامل مع القمح، لا تستطيع أن تفكر كتاجر يبحث عن أقل سعر شراء، فالسعر المنخفض يكون أكثر كلفة على المدى المتوسط، فإذا شعر الفلاح أن زراعة القمح لم تعد مجدية، فسيقلص المساحات المزروعة، أو يتحول إلى محاصيل أقل أهمية وطنيا وأكثر ربحية فرديا، أو يبيع محصوله خارج القنوات الرسمية متى وجد سعرا أفضل.
في هذه الحالة تخسر الدولة مرتين، الأولى حين لا تضمن توريد القمح المحلي، والثانية عندما تضطر تضطر إلى تعويض النقص بالاستيراد في سوق عالمي متقلب، وبعملة صعبة، وفي ظل بنية مالية واقتصادية لا تزال هشة.
الأمن الغذائي لا يدار بالتقشف
الأمن الغذائي لا يدار بمنطق التقشف المحاسبي وحده، فرغم أن المالية العامة السورية مثقلة، والدولة ليست في وضع يسمح بسياسات دعم مفتوحة وغير مضبوطة لكن التقشف في القمح هو الأخطر، فحين يتعلق الأمر بالرغيف، لا يعود السعر بندا في موازنة، بل يتحول إلى عامل استقرار اجتماعي.
تقارير دولية حديثة تشير إلى أن سوريا واجهت خلال السنوات الماضية إنتاجا منخفضا للحبوب واحتياجات مرتفعة للاستيراد.
أي تراجع إضافي في حوافز زراعة القمح لا يقرأ فقط كخسارة زراعية، بل كعامل ضغط على ميزان المدفوعات، وعلى الخبز المدعوم، وعلى قدرة الدولة على المناورة في لحظة إقليمية ودولية شديدة الاضطراب.
الفلاح ليس ممولا للأمن الوطني
يزداد المشهد تعقيدا عبر إضافة العامل الإنساني، فسنوات الحرب التهمت رأس المال الزراعي، والجفاف أنهك الأراضي، وارتفاع المدخلات جعل المخاطرة أكبر من قدرة المنتج الصغير والمتوسط.
الاعتراضات الشعبية والفلاحية على التسعيرة لا ينبغي التعامل معها بوصفها رفضا عاطفيا، بل إنذارا مبكرا، الفلاح السوري لم يعد قادرا على تمويل الأمن الغذائي من جيبه الخاص، ولا يمكن أن يطلب منه أن يتحمل كلفة البذار والوقود والسماد والنقل والمخاطر المناخية، ثم يمنح سعرا لا يطمئنه إلى الموسم المقبل.
عمليا فإن مطالبة بعض الخبراء والمنتجين بسعر يقترب من 450 دولارا للطن ليست مجرد ضغط نقابي، بل محاولة لرفع السعر إلى مستوى يغطي التكلفة ويترك هامشا يحمي استمرار الزراعة.
الاحتقان الاجتماعي يبدأ من الحقل
حين يضغط الفلاح ويضغط المستهلك يصبح الرغيف نقطة التقاء بين الأزمة الاقتصادية والاحتقان الاجتماعي.
الفلاح الذي لا يجد ربحا في القمح سيغادره، والمستهلك الذي لا يجد خبزا مستقرا في السعر والجودة سيحمل الدولة مسؤولية الإخفاق، وبين الطرفين تقف المؤسسة الرسمية أمام معادلة لا تحتمل الإنكار، فلا استقرار اجتماعيا بلا سياسة قمح عادلة.
أسوأ ما يمكن فعله التعامل مع الغضب بوصفه ضجيجا موسميا سينتهي مع انتهاء الحصاد، فالفلاح الذي يخسر موسما يعيد حساباته قبل أن يزرع من جديد، والقرى التي تفقد جدوى الزراعة لا تعود إليها بسهولة، فتتآكل السيادة الغذائية ويصعب استعادتها بقرار إداري عاجل.
السيادة الغذائية أبعد من وفرة القمح
السيادة الغذائية تتجاوز مسألة توفر القمح داخل الصوامع، وتبدأ من قدرة البلد على إنتاجه بشروط تحفظ استمرار الفلاح في أرضه.
الدولة التي تملك مخزونا مؤقتا، لكنها تخسر المنتجين موسميا، لا تؤمن غذاءها بقدر ما تؤجل أزمتها، فلا يمكن فصل تسعيرة القمح عن البنية التي تحيط بها، من كلفة المدخلات واستقرار الطاقة وعدالة التوريد وسرعة الدفع وثقة الفلاح بأن جهده لن يتحول إلى خسارة مؤجلة.
السعر جزء من معركة أوسع على استقلال القرار الغذائي، فالقمح المستورد يسد فجوة عاجلة لكنه لا يصنع سيادة، فحين تصدر التسعيرة كرقم إداري معزول عن كلفة الإنتاج ومخاطر المناخ والسوق، فإنها تضعف الرابط بين الأرض والرغيف، وتدفع المنتجين إلى خيارات فردية مقلقة على المستوى الوطني.
عمليا فالنقاش حول سعر القمح هو نقاشا عن موقع الزراعة داخل تصور الدولة لأمنها، فكلما تقلصت جدوى زراعة القمح اتسعت مساحة الاعتماد على الخارج، وتحول الرغيف من نتاج دورة محلية إلى سلعة مرتبطة بتقلبات العملة والأسواق وسلاسل الإمداد.
القمح كعقد اجتماعي
القمح السوري هو عقد اجتماعي غير مكتوب بين الدولة والريف، وجوهر أن يبقى الفلاح في أرضه، وأن تضمن الدولة ألا يتحول إنتاج القمح إلى عبء عليه، وحين يختل لا تتضرر الزراعة وحدها، بل تتضرر فكرة الدولة المنتجة، ويتحول الريف من خزان للأمن الغذائي إلى مساحة طاردة للسكان والعمل والاستثمار.
تعديل التسعيرة، أو استكمالها بحزمة دعم واضحة يبدو ضرورة في ملف لا يحتمل التأجيل، فالقمح ليس مكانا مناسبا لاختبار السوق الحرة، ولا مجالا صالحا للمقامرة البيروقراطية، إنه اختبار للدولة نفسها، فهل ترى الفلاح شريكا في الأمن الوطني، أم موردا ضعيفا يمكن تحميله كلفة العجز؟
السيادة لا تبدأ من الشعارات الكبرى، بل من قدرة بلد ما على أن يزرع قمحه، ويحمي فلاحه، ويصون خبزه من الارتهان للسوق والعجز والاستيراد.
القمح السوري بين السعر والسيادة
| عنصر التكلفة / المؤشر | القيمة التقريبية (ل.س / طن) | الملاحظة |
|---|---|---|
| البذار (معادل بالليرة) | ~6,850,000 (500 دولار) | سعر البذار الرسمي بالدولار يثقل كاهل الفلاح منذ البداية |
| الأسمدة والمبيدات | 2,400,000 | ارتفاع حاد بسبب تقلبات السوق وندرة الدعم |
| الحراثة والري والطاقة (وقود/كهرباء) | 1,950,000 | تكاليف تشغيلية مضاعفة نتيجة أسعار الطاقة غير المستقرة |
| أجور العمال والنقل | 1,100,000 | زيادة كلفة النقل وندرته في المناطق النائية |
| إجمالي التكلفة التقديرية للطن | ≈12,300,000 ل.س | ما يعادل 898 دولاراً تقريباً (بسعر 13,700) – أي ضعف السعر الرسمي تقريباً |
| سعر الشراء الرسمي (ل.س) | 46,000 ل.س فقط | يغطي أقل من 0.4% من التكلفة الفعلية بالليرة – فجوة كارثية بسبب انهيار العملة |

