تدخل سوريا اليوم مرحلة يتجاوز فيها سؤال الحل حدود السلطة وشكلها، أو خرائط السيطرة العسكرية بين الشمال والجنوب والشرق، أو قدرة الحكم الانتقالي في دمشق على إعادة وصل البلاد بالعالم بعد سنوات العزلة.
المعيار الحقيقي لأي مستقبل سوري هو تأسيس سلام لا يقوم على غلبة طرف داخلي، ولا على تقاسم النفوذ بين القوى الخارجية، بل على استعادة مبدأين غابا طويلا عن الحياة السورية، فلا شرعية للحرب كأداة حكم، ولا شرعية لتحويل سوريا إلى منطقة نفوذ دائمة للآخرين.
لا يكفي أن تنتقل سوريا من الحرب المفتوحة إلى الهدوء الأمني، أو من العزلة الدبلوماسية إلى الاعتراف الخارجي، إذا بقي منطق القوة مصدر الشرعية، وبقيت الجغرافيا السورية قابلة للاستخدام كورقة في صراعات الإقليم.
السلام الحقيقي يبدأ حين تصبح الدولة إطارا جامعا للسوريين لا غنيمة للمنتصرين، وحين يتحول الخارج من صاحب قرار إلى عامل مساعد محدود، لا وصيا دائما على مستقبل البلاد.
هذه الصيغة هي مدخل جيوسياسي بالغ الواقعية، فكل شرعية جديد لا تبدأ من هذين المبدأين ستنتج هدنة لا سلاما، ودولة اسمية لا سيادة فعلية، ونظاما سياسيا قابلا للانفجار عند أول تبدل في موازين القوى الإقليمية.
سوريا في الطور الجديد
مع تشكل “سلطة انتقالية” في دمشق أواخر 2024، دخلت سوريا طورا سياسيا جديدا تراجعت فيه صلاحية المعادلات القديمة من سلطة الدولة، ومعارضة مسلحة تدعي تمثيل البديل، وخارج يتعامل مع الجغرافيا السورية كمساحة نفوذ قابلة للتقسيم والإدارة.
عمليا، يكمن الخطر في أن لا تنتهي الحرب بوصفها منطقا لإدارة سوريا، بل أن تتغير صورتها فقط من مواجهة عسكرية مفتوحة إلى منظومة وصايات متنافسة تعيد إنتاج التفكك بأدوات أقل صخبا، عندها لا تعود الجبهات وحدها ما يقسم البلاد، بل تتولى الترتيبات الأمنية، وشبكات المصالح، والاعتماد الاقتصادي، والارتباطات السياسية تثبيت حدود غير معلنة داخل الدولة الواحدة.
هذا النوع من الوصاية لا يحتاج إلى إعلان سيطرة كاملة كي يمارس أثره؛ يكفي أن تصبح القرارات السيادية مشروطة بحسابات الخارج، وأن تتحول مؤسسات الدولة إلى ساحات توازن بين نفوذ متعارض.
النتيجة أن سوريا تخرج من الحرب من دون أن تستعيد السلام، وتسترجع حضورها الدولي من دون أن تمتلك سيادتها الفعلية.
الجغرافيا حين تتحول إلى عبء
لم تعد قوة الدولة تقاس فقط بحجم جيشها أو حدودها المعترف بها، بل بقدرتها على منع الآخرين من تحويلها إلى “ممر” أو “عازل” أو “منصة”، وسوريا اليوم تقع في قلب هذا الاختبار.
تعيش سوريا لحظة إقليمية مضطربة بفعل الحرب الأميركية-“الإسرائيلية” ضد إيران، وتوتر الممرات البحرية، وارتفاع قيمة الطرق البرية البديلة، ما جعل سلطة دمشق تسوق نفسها بوصفها ممرا آمنا للتجارة والطاقة بين الخليج وآسيا الوسطى والمتوسط، بعد إعادة فتح معابر وطرق تجارية رئيسية.
هذا التحول يراه البعض فرصة لكنه يحمل خطرا، فالبلد الذي يعاد اكتشافه كممر يختزل إلى وظيفة جغرافية لا إلى دولة سياسية، والسؤال ليس كيف تستفيد سوريا من موقعها؟ بل كيف تمنع موقعها من ابتلاع سيادتها؟
لا شرعية للحرب كأداة حكم
الحل السوري لا يمكن أن يختزل في إعادة ترتيب موازين القوة، حيث أثبتت سنوات الصراع أن كل معادلة تبنى على الغلبة وحدها تنتهي إلى تعطيل السياسة، وإضعاف مؤسسات الدولة، وتعميق الانقسام المجتمعي، وفتح الباب أمام مزيد من التدخل الخارجي.
وما بدا في لحظات كثيرة مكسبا لطرف، سرعان ما تحول إلى خسارة وطنية أوسع من تهجير وانهيار اقتصادي وتآكل في السيادة، وانكشاف استراتيجي غير مسبوق.
أي مستقبل سوري ليس ميزان قوى جديدا فحسب، بل عقدا سياسيا جديدا يجرم استخدام الحرب كوسيلة لإنتاج الشرعية.
لا يمكن لأي سلطة انتقالية، مهما نالت من اعتراف خارجي، أن تبني شرعية مستدامة إذا تعاملت مع القوة بوصفها مصدر الحكم لا وسيلته المحكومة بالقانون، كما لا يمكن لأي طرف محلي أن يختصر مستقبله في حماية خارجية.
الحماية الخارجية قد تمنح مكسبا مؤقتا، لكنها تصنع هشاشة دائمة، ومن يطلب حماية الخارج ضد الداخل يفتح الباب، في النهاية، لأن يطلب الخارج ثمنا من السيادة.
القرار 2254 وحدود النصوص الدولية
ما زال القرار 2254، رغم كل ما أصابه من تعطيل وتآكل، الإطار الدولي الوحيد الذي يمنح التسوية السورية لغة سياسية جامعة من انتقال سياسي وعملية سورية-سورية، واحترام وحدة البلاد وحماية المدنيين.
لكن عمق العمل ليست في تكرار النصوص، بل في تحريرها من الاستخدام الدبلوماسي البارد، فـ”السوري-السوري” لا يعني أن يفاوض السوريون بعضهم تحت سقوف مرسومة في أنقرة أو “تل أبيب” أو طهران أو واشنطن أو موسكو؛ بل يعني أن تكون مصالح هذه القوى عوامل تؤخذ في الحسبان، لا بدائل عن الإرادة الوطنية.
تركيا و”إسرائيل”.. سوريا بين مشروعين إقليميين
إقليميا، تواجه سوريا معادلة معقدة، فتركيا ترى في سوريا عمقا أمنيا لا يمكن التفريط به، خصوصا في ملف “قسد” والحدود الشمالية.
في المقابل، تنظر “إسرائيل” إلى أي تموضع تركي عسكري أو سياسي في سوريا بوصفه تهديدا استراتيجيا محتملا، ونفذت ضربات ضد مواقع عسكرية سورية في سياق هذا التنافس.
لم تعد سوريا فقط ساحة ما بعد الحرب الأهلية، بل صارت نقطة تماس بين مشروعين إقليميين؛ تركي يريد ضبط الشمال وإعادة هندسة المجال السوري بما يضمن أمنه ونفوذه، و”مشروع إسرائيلي” يريد إبقاء سوريا ضعيفة ومجزأة القدرة العسكرية، خاصة في الجنوب والوسط.
بينهما تقف سلطة دمشق أمام اختبار دقيق، فكيف تستفيد من التنافس دون أن تصبح رهينة له؟
الاقتصاد بين الرافعة والفخ
اقتصاديا، يفتح تخفيف العقوبات نافذة مهمة، لكن هذه النافذة قد تتحول إلى رافعة سيادية أو إلى فخ. فإذا دخلت أموال الإعمار بلا شفافية ومساءلة، ستعيد إنتاج أمراء الحرب بلباس رجال أعمال، وإذا ربطت الاستثمارات بشبكات نفوذ خارجية، ستنتقل الوصاية من الدبابة إلى العقد التجاري.
المعركة المقبلة ليست فقط على الدستور والانتخابات، بل على قواعد إعادة الإعمار فمن يملك الأرض ويقرر أولويات الإنفاق ويراقب العقود؟ ومن يضمن حق النازحين واللاجئين في العودة والمطالبة بالممتلكات؟
الاعتراف الخارجي لا يصنع الشرعية
مشاركة سوريا في اجتماعات مالية دولية، والانفتاح المتزايد عليها، يعكسان رغبة غربية وإقليمية في إعادة إدماج دمشق في الاقتصاد العالمي وفي هندسة موقع جديد لها ضمن سلاسل الإمداد الإقليمية.
لكن الاعتراف الدولي لا يكفي لصناعة دولة، فهو يمنح السلطة الانتقالية مساحة مالية ودبلوماسية، لكنه لا يمنحها شرعية داخلية تلقائية.
الشرعية تبنى عندما يشعر السوري في إدلب والقامشلي ودرعا والسويداء وحمص ودمشق أن الدولة ليست غنيمة فصيل، ولا واجهة لمحور، ولا جهازا أمنيا معاد تدويره.
بين الهدوء والاستقرار
إن أخطر ما يحدث الآن هو أن يخلط السوريون، ومعهم المجتمع الدولي، بين الهدوء والاستقرار، فالأول نتيجة تعب أو خوف أو انشغال القوى الإقليمية بجبهات أخرى.
أما الاستقرار فيحتاج إلى عدالة انتقالية، وإصلاح أمني، ولامركزية مدروسة لا تفكك الدولة، ودمج عسكري لا يبتلع المجتمعات المحلية، ومصالحة لا تمحو الجرائم باسم الواقعية.
ليست سوريا بحاجة إلى سلام يعلن نهاية المعارك، بل إلى نهاية منطق الحرب، ولا تحتاج إلى سيادة خطابية ترفع في المؤتمرات، بل سيادة عملية تمنع تحويلها إلى ممر بلا إرادة، أو حاجز أمني بلا شعب، أو ورقة تفاوض بين الآخرين.
الحل السوري يبدأ من جملة واحدة، فلا شرعية لمن يحكم بالحرب، ولا شرعية لمن يستقوي بالخارج على وطنه.
وما لم تتحول هذه الجملة إلى قاعدة دستورية وسياسية وأمنية، ستبقى سوريا خارجة من حرب، لكنها لم تدخل السلام بعد.

