تضع التغطية “الإسرائيلية” للتوغل في قرى جنوب سوريا الحادثة الميدانية ضمن إطار أوسع، يرتبط بطريقة التفكير بالحدود والأمن والمجال الجغرافي.
قرية عابدين في ريف درعا الغربي تحولت من نقطة محلية صغيرة إلى مؤشر على سياسة تتعامل مع الفراغ السوري بوصفه مساحة قابلة لإعادة الترتيب.
في “الخطاب الإسرائيلي”، لا يظهر الحدث غالبا بوصفه دخولا إلى أرض سورية مأهولة، بل كجزء من “منطقة عازلة”، أو “حرية عمل”، أو “إعادة تموضع”، هذه اللغة أداة سياسية تمنح الفعل العسكري شكلا إداريا وأمنيا.
من الحدث المحلي إلى المجال المفتوح
المعطيات المتداولة في “الإعلام الإسرائيلي” تشير إلى وجود الجيش في تسعة مواقع داخل جنوب سوريا، وإلى تحرك قواته في نطاق يصل إلى نحو 15 كيلومترا داخل الأراضي السورية.
هذه الأرقام تنقل النقاش من مستوى الدورية العابرة إلى مستوى المجال الأمني المستمر، فحين تتكرر الحواجز، والتفتيش، ودخول القرى، والتحقيق مع السكان، لا يعود الأمر متعلقا برد على تهديد مباشر، بل يصبح شكلا من أشكال إدارة الأرض من خارج السيادة السورية.
في عابدين، ظهرت الصورة الأكثر اختزالا لهذا التحول؛ أطفال وشبان يضعون حجارة في الطريق لمنع دورية عسكرية، ثم إطلاق نار تحذيري، ثم قصف مدفعي في محيط القرية.
من منظور “الجيش الإسرائيلي” المشهد أمني بامتياز، أما من وجهة نظر السكان فهو مساس مباشر بالحياة اليومية، وهذا التناقض بين تعريف القوة وتعريف المجتمع المحلي هو جوهر الأزمة.
اللغة بوصفها أداة سيطرة
يعمل “الخطاب الإسرائيلي” على نقل الفعل العسكري من حقل السياسة والقانون إلى حقل الإدارة الأمنية.
بدلا من توصيف الوجود بوصفه تغييرا في واقع السيادة، يجري تقديمه كترتيب ميداني قابل للتعديل، وهذا التحويل اللغوي يمنح البقاء العسكري مرونة عالية، فيتوسع عند الحاجة، ويتقلص عند الضغط، ويستمر من دون اعتراف صريح بأنه أصبح واقعا دائما.
المشكلة لا تتعلق بالكلمات وحدها، بل بقدرتها على إنتاج واقع سياسي جديد، فاللغة الأمنية تمنح القوة العسكرية غطاء مرنا فتؤجل السؤال القانوني، وتخفف كلفة الاعتراف السياسي، وتحول الاستثناء إلى ممارسة قابلة للتكرار.
لا يعود الحد خطا فاصلا بين سيادتين، بل يتحول إلى نطاق متحرك تحدده القدرة على الفعل لا نصوص الاتفاقات، ومع تراكم هذا النمط، يتآكل الفارق بين المؤقت والدائم، ويصبح البقاء الميداني حقيقة قائمة قبل أن يصدر أي إعلان رسمي بشأنه.
الأرقام تكشف بنية التفكير
الرقم الأول هو 235 كيلومترا مربعا، وهو حجم المنطقة العازلة التي كانت خاضعة لترتيبات دولية في الجولان ومحيطه.
الرقم الثاني هو 665 كيلومترا مربعا، وهو تقدير أوسع ورد في بعض الخطاب التحليلي “الإسرائيلي” عن حجم المجال الذي تمسك به “إسرائيل” أو تسعى إلى ضبطه في الجنوب السوري.
الفارق بين الرقمين مهم، فالأول يعكس إطارا قانونيا دوليا سابقا، والثاني يعكس تصورا أمنيا مرنا يتجاوز الحدود الرسمية.
هناك أيضا رقم تسعة، وهو عدد المواقع “الإسرائيلية” المشار إليها في جنوب سوريا، ورقم 15 كيلومترا كعمق الحركة “الإسرائيلية” داخل الأراضي السورية، هذه الأرقام الصغيرة نسبيا تصنع واقعا كبيرا، فالسيطرة لا تحتاج دائما إلى ضم معلن أو إدارة مدنية مباشرة، فتكفي نقاط عسكرية، وحواجز طارئة، وقدرة على التفتيش، ومنع وصول السكان إلى أراضيهم، كي تتحول السيادة المحلية إلى مفهوم ناقص.
الفقر كمصدر أمني معاكس
تضيف إليزابيث تسوركوف، الباحثة المتخصصة في الشأنين السوري والعراقي والزميلة في منتدى التفكير الإقليمي بمعهد فان لير، زاوية مركزية في قراءة المشهد، فجنوب سوريا ليس فراغا جغرافيا، بل مجتمع فقير ومنهك.
القنيطرة، وفق تقديرات سابقة، كانت من أفقر المحافظات السورية حتى قبل الحرب، مع نسب فقر شديدة الارتفاع، وعندما تدخل قوة عسكرية إلى بيئة كهذه وتمنع المزارعين من الوصول إلى حقولهم، أو ترش الأراضي، أو تتسبب بتدمير خلايا نحل ومصادر رزق، فإنها لا تؤثر في الأمن فقط، بل تضرب الحد الأدنى من البقاء الاقتصادي.
المفارقة أن السياسة التي تسوق كوقاية من التهديد تخلق بمرور الوقت شروطه الاجتماعية، فالضغط المستمر على مجتمع فقير لا ينتج الطاعة بالضرورة، بل يراكم شعورا بالاستهداف وفقدان الأفق.
هذا الشعور يتحول تدريجيا إلى ذاكرة جمعية قابلة للتسييس، ثم إلى مادة يمكن لأي طرف منظم أن يحولها إلى فعل مقاوم، فلا يعود الخطر خارجيا بالكامل، بل يصبح وليد العلاقة اليومية بين القوة العسكرية والمجتمع المحلي.
“إسرائيل” بين ذاكرة “حسن الجوار” وذاكرة الحواجز
بين عامي 2013 و2018، حاولت “إسرائيل” تقديم نفسها لبعض المجتمعات في جنوب سوريا عبر مساعدات طبية وإنسانية ضمن سياسة “حسن الجوار”.
تلك المرحلة، وفق الإعلام “الإسرائيلي”، حاولت ترسيخ انطباع محدود، لكنه مختلف عن تجربة الاحتكاك اليومي مع الجيش عند الحاجز، فاستمرار التوغل والتفتيش ورش الحقول يخلق وعيا جديدا تؤكد أن “إسرائيل” قوة بطش.
هذا التحول بالغ الأهمية، فالمجتمعات الحدودية لا تبني مواقفها فقط من خلال البيانات السياسية، بل من خلال الاحتكاك اليومي، والحاجز أكثر تأثيرا من التصريح، كما أن تفتيش المنزل أكثر رسوخا من أي حملة إعلامية، ومنع الوصول إلى الأرض يصنع موقفا سياسيا أسرع من النقاشات الدبلوماسية.
“الإعلام الإسرائيلي” بين التبرير والتحذير
ليست التغطية الإسرائيلية موحدة، فهناك خط أمني يركز على إطلاق نار على مواقع “إسرائيلية”، وعلى الرد العسكري، وعلى غياب الإصابات في صفوف الجيش، ويضع الجيش في موقع رد الفعل، ويقلل مساحة الحديث عن المدنيين السوريين.
في المقابل، يظهر خط نقدي في هآرتس وبعض مواد Ynetيسأل عما إذا كانت “إسرائيل” تخلق التهديد الذي تقول إنها تريد منعه.
ينتقد هذا الاتجاه التورط مع المجتمعات المحلية، ويرى أن البقاء الطويل يراكم العداء، وأهمية هذا النقد أنه صادر من داخل “المجال الإسرائيلي” نفسه، لا من خطاب خصوم “إسرائيل” فقط، ما يمنحه قيمة تحليلية إضافية، لأنه يعكس قلقا من نتائج السياسة لا رفضا مبدئيا لـ”إسرائيل”.
الجنوب السوري كساحة فراغ سيادي
الحدث لا يمكن فصله عن ضعف الدولة السورية بعد سقوط النظام السابق وتفكك أدوات الضبط في الجنوب.
عندما تضعف الدولة المركزية، تدخل القوى الإقليمية إلى الهوامش، والجنوب السوري اليوم ليس هامشا محليا، بل عقدة بين “إسرائيل” وسوريا ولبنان والأردن وإيران والولايات المتحدة، وأي فراغ فيه يتحول إلى مجال تنافس.
لا تتصرف “إسرائيل” كقوة ترد على تهديد فوري فقط، بل كقوة بحرية/أطلسية في بيئة برية مضطربة، تسعى إلى دفع حدود الخطر بعيدا عن حدودها الرسمية.
لكنها حين تدفع الخطر جغرافيا، تدخل في تماس مباشر مع مجتمع محلي لا يستطيع فصل الأمن عن الأرض والرزق والكرامة اليومية.
الاتفاق الممكن والسياسة المعطلة
تسوركوف تشير إلى وجود تصور متقدم لاتفاق بين “إسرائيل” ودمشق، مع خلافات قابلة للحل مثل حجم القوات السورية في الجنوب، وضبط الميليشيات والجريمة المسلحة، ومطلب إسرائيل بحرية العمل.
المشكلة ليست تقنية فقط، بل سياسية، فغياب الضغط الأمريكي الكافي، وانشغال واشنطن بملفات أخرى، يمنح “إسرائيل” هامشا لمواصلة السياسة الميدانية من دون كلفة تفاوضية عاجلة.
يصبح الجنوب السوري رهينة معادلة أوسع؛ “إسرائيل” تتحرك ما دام لا يوجد من يضغط عليها، وسلطة دمشق عاجزة عن فرض سيادتها، والسكان يدفعون ثمن الفراغ بين الطرفين.
المؤشر الأهم في الإعلام الإسرائيلي ليس عدد الحوادث، بل طريقة تأطيرها، فحين تتحول عابدين من قرية سورية إلى جزء من “منطقة عازلة”، وتتحول الحواجز إلى “إجراء أمني”، ويغيب السقف الزمني للبقاء، نكون أمام إعادة تشكيل ميداني للحدود من دون إعلان رسمي.
هذه السياسة تمنح “إسرائيل” مكسبا تكتيكيا عبر عمق أمني وحرية حركة وقدرة على مراقبة الجنوب، لكنها تحمل خسارة استراتيجية محتملة في تحويل السكان المحليين من مجتمع مرهق وخائف إلى بيئة عداء متراكم. في هذه الحالة، لا يكون التهديد سابقا على التدخل فقط، بل يصبح نتيجة له أيضا.
جنوب سوريا في الإعلام “الإسرائيلي”
من المنطقة العازلة إلى هندسة الحدود
المساحة العازلة مقابل المجال الممسوك (كم²)
الفارق يعكس توسع النطاق الأمني “الإسرائيلي” خارج الترتيبات الدولية
الوجود العسكري “الإسرائيلي” في الجنوب
9 مواقع و15 كم عمق – مؤشرات على تحول الدورية العابرة إلى احتلال ميداني
تأثير التوغل على الحياة اليومية (تقديرات نوعية)
منع الوصول إلى الأراضي، تدمير خلايا النحل، ورش الأراضي يهدد مصادر الرزق
تأطير الإعلام “الإسرائيلي” للتوغل
اللغة الأمنية تحوّل الفعل العسكري إلى “إجراء مؤقت” وتغيّب السؤال القانوني
الخلاصة: الأرقام (9 مواقع، 15 كم عمق، و665 كم² نفوذ) تكشف تحولاً ميدانياً من “منطقة عازلة” إلى هندسة حدود غير معلنة. اللغة الأمنية في التغطية “الإسرائيلية” تمنح البقاء العسكري مرونة، بينما يتحمل المجتمع المحلي (الفقراء والمنهكون) كلفة السياسة – منع الوصول إلى الأراضي، تدمير مصادر الرزق، وتراكم العداء. غياب الضغط الدولي يحافظ على الوضع القائم، محولاً الجنوب إلى ساحة فراغ سيادي تتفاعل فيه القوة مع الهشاشة الاجتماعية.

