تتجاوز أهمية الأنباء المتداولة عن انتشار عسكري وتقني تركي في الساحل السوري ومطار دمشق سؤال صحتها المباشرة.
الخبر، سواء ثبتت تفاصيله كاملة أم بقي بعضها في نطاق الروايات المحلية، يكشف تصورا عن موقع سوريا داخل التوازن الإقليمي الجديد؛ دولة خرجت من حرب طويلة بعد حل جيشها وتفكيك مؤسساتها العسكرية، فوجدت حدودها رخوة وسماءها مكشوفة، وتحولت إلى ساحة تنافس بين تركيا و”إسرائيل” وروسيا والولايات المتحدة على تحديد هوية القوة التي ستعيد تشكيل منظومتها الأمنية وتملأ الفراغ العسكري.
ترسم المواقع المذكورة خريطة متكاملة أكثر مما تعكس حوادث منفصلة؛ من ثكنة دفاع جوي قرب صافيتا، وقاعدة محتملة في مشتى الحلو، ومحطة استطلاع على مرتفعات القرداحة، ورادار تركي الصنع في مطار دمشق.
تشكل هذه النقاط قوسا يمتد من البحر المتوسط إلى قلب العاصمة، ومع اجتماع الجغرافيا بأدوات الرصد والإنذار، يبرز السؤال حول الجهة التي تراقب سوريا، وتمتلك بيانات أجوائها، وتستطيع تحويل تلك البيانات إلى نفوذ سياسي وعسكري.
الجغرافيا التي تستعيد سلطتها
يفرض الساحل السوري نفسه بوصفه مفتاحا لفهم التحولات الجديدة، فترتفع الجبال سريعا خلف الشريط البحري الضيق، وتمنح من يسيطر على قممها قدرة واسعة على مراقبة الطرق والموانئ والمجال الجوي.
من تلك المرتفعات يمكن متابعة الحركة بين طرطوس واللاذقية وحمص، ورصد أجزاء من البحر المتوسط، والإشراف على المسالك المتجهة نحو الحدود اللبنانية.
يحمل هذا الساحل أيضا سويات من التاريخ العسكري، فاحتفظت روسيا في طرطوس بمنفذها البحري الوحيد على المتوسط، وحولت حميميم إلى مركز لعملياتها الجوية منذ تدخلها في الحرب السورية.
كما اعتمدت إيران وحزب الله لسنوات على الطرق الواصلة بين الداخل السوري والساحل ولبنان، وسيكتسب أي حضور تركي قرب صافيتا أو القرداحة معنى يتجاوز حجم القوة المنتشرة؛ فيضع أنقرة داخل المجال الجغرافي الذي احتكرته موسكو وحلفاؤها سابقا.
تمنح مشتى الحلو، الواقعة ضمن سلسلة المرتفعات الداخلية، قيمة مشابهة، فالمكان القريب من عقد الطرق بين طرطوس وحمص وحماة يسمح بمراقبة الحركة بين الساحل والوسط، وتتحول منشأة محدودة، إذا ثبت وجودها، إلى عين تتابع خطوط الإمداد أكثر من كونها قاعدة قتالية تقليدية.
من حماية الحدود إلى إدارة العمق
تركز الوجود التركي في سوريا خلال السنوات الماضية على الشريط الشمالي، حيث ارتبطت العمليات العسكرية بمنع تمدد القوات الكردية وإبعادها عن الحدود.
أما الانتقال نحو الساحل ودمشق، فيعني تحولا من سياسة المنطقة العازلة إلى سياسة العمق الاستراتيجي.
تميل القوى الإقليمية الصاعدة إلى بناء نطاقها الأمني خارج حدودها، عبر نقل خطوط المراقبة والردع إلى عمق الدول المجاورة، وتتعاظم هذه النزعة عندما تكون الدولة المجاورة ضعيفة وتعتمد في تدريب جيشها وتسليحه على الخارج.
وفق هذه الزاوية ترى أنقرة أن أمنها يبدأ في حلب، لكنه يكتمل في دمشق والساحل؛ لأن السيطرة على المجال الجوي والطرق العسكرية السورية تمنحها قدرة أكبر على مواجهة التنظيمات المسلحة، وضبط التحركات الكردية، ومراقبة المنافسين الإقليميين.
يكشف هذا الاحتمال عن طبيعة مختلفة للنفوذ التركي، فأنقرة لا تحتاج إلى احتلال مساحات واسعة أو إدارة المدن مباشرة، ويكفيها أن تمسك بالمفاصل التي تُبنى حولها المنظومة الأمنية السورية الجديدة، من دون الحاجة إلى انتشار عسكري واسع أو إدارة مباشرة للأراضي.
الرادار بوصفه أداة للسيادة
يقدم رادار HTRS-100 المركب في مطار دمشق المثال الأوضح على التداخل بين الوظيفة المدنية والقيمة الاستراتيجية.
صُمم النظام لمراقبة الحركة الجوية وتحسين سلامة الطيران، ويبلغ مداه نحو 185 كيلومترا وفق مواصفات الشركة المصنعة، ما يتيح تغطية جنوب سوريا وأجزاء من لبنان والمجال القريب من الحدود مع “إسرائيل”، من دون أن يشمل كامل سوريا أو لبنان كما تزعم بعض الروايات.
تمنح بيانات الرادار المشغل صورة مستمرة عن الطائرات المدنية والأهداف الجوية الواقعة ضمن مداه، وتصبح هذه الصورة أكثر أهمية إذا جرى دمجها مع رادارات أخرى أو مراكز قيادة عسكرية.
المراقبة الجوية تشكل المرحلة الأولى من أي منظومة دفاعية؛ إذ يبدأ الدفاع بمعرفة ما يتحرك في السماء قبل امتلاك القدرة على اعتراضه.
يبدو الصراع على بيانات الرادار أكثر أهمية من جنسية الجهاز نفسه، فإذا بقي التشغيل والقرار والبيانات في يد المؤسسات السورية، يصبح النظام أداة لاستعادة جانب من السيادة الجوية، أما وجود طواقم تركية أو ربط الجهاز بشبكات قيادة خارجية، فسيجعل أنقرة شريكا فعليا في إدارة السماء السورية، وينتقل التعاون التقني من حدود المساعدة إلى مساحة النفوذ.
“إسرائيل” أمام عين جديدة في السماء
اعتادت “إسرائيل” منذ سقوط النظام العمل في المجال السوري بقدر كبير من الحرية، فاستهدفت مستودعات ومطارات ومراكز عسكرية، واستخدمت الأجواء السورية للوصول إلى أهداف أبعد، مستفيدة من حل الجيش والتخلي عن أرثه الممتد منذ الاستقلال.
يضيف الحضور التقني التركي عنصرا جديدا إلى هذه المعادلة، فأنقرة عضو في حلف شمال الأطلسي، وتملك صناعة دفاعية متقدمة وشبكة رادارات وخبرة في تشغيل الطائرات المسيرة.
ظهور أنظمة تركية داخل سوريا يساعد “دمشق” على توثيق التحركات “الإسرائيلية” وإصدار إنذارات مبكرة، حتى قبل وصول منظومات قادرة على الاعتراض.
تدفع هذه التطورات “تل أبيب” إلى مراقبة النيات التركية بقدر مراقبة القدرات، فالرادار المدني وحده لا يغير ميزان القوة، لكن تحويله إلى جزء من شبكة قد يحد تدريجيا من حرية العمل الإسرائيلي، عندها تصبح المنشآت التركية أهدافا محتملة إذا اعتبرتها “إسرائيل” جزءا من بنية دفاع جوي تهدد عملياتها، ما يفتح الباب أمام احتكاك غير مباشر بين قوتين إقليميتين تتنافسان من دون رغبة معلنة في الحرب.
روسيا وإدارة الانكماش
تتعامل موسكو مع سوريا بعد سقوط النظام من موقع مختلف، فتقلصت قدرتها على تحديد مسار الدولة، بينما تحولت أولوياتها نحو حماية ما يمكن الحفاظ عليه من الوجود العسكري والاقتصادي في طرطوس وحميميم.
يضع التمدد التركي المفترض روسيا أمام خيارين، فإما قبول توزيع جديد للنفوذ، فتحتفظ فيه موسكو بقواعدها ومصالحها البحرية، بينما تتولى أنقرة إعادة بناء أجزاء من الجيش السوري، أو المنافسة الصامتة، فتستخدم خلالها تركيا علاقتها بالسلطة الجديدة لتقليص الدور الروسي تدريجيا.
يميل ميزان المصالح إلى التعايش المؤقت، حيث تحتاج سلطة دمشق إلى علاقات مع الطرفين، وموسكو إلى ممر يسمح لها بالبقاء، بينما تستفيد أنقرة من تجنب مواجهة مباشرة مع روسيا.
لكن كل محطة مراقبة تركية قرب الساحل تحمل رسالة بأن المساحة التي كانت تُعد عمقا روسيا أصبحت مفتوحة أمام لاعب آخر.
المقايضة الكبرى مع واشنطن
يربط الخطاب المتداول بين التحرك التركي في سوريا وملفات الأكراد ومنظومة S-400 ومقاتلات F-35 .
تفتقر هذه الرابطة إلى دليل يثبت وجود صفقة واحدة متكاملة، لكنها تعكس اتجاها سياسيا قابلا للفهم، فتسعى أنقرة إلى التخلص من العقوبات الأميركية، واستعادة موقعها في برنامج المقاتلة المتقدمة، والحصول على قبول أميركي لمقاربتها تجاه القوات الكردية.
تستطيع تركيا في المقابل تقديم نفسها لواشنطن بوصفها القوة القادرة على تثبيت سوريا، وضبط حدودها، ومنع النفوذ الإيراني، وحماية المؤسسات الجديدة من الانهيار.
تعطي هذه الوظيفة أنقرة أوراقا تفاوضية تتجاوز الملف السوري، خصوصا مع تصاعد الحديث عن نقل منظومة S-400 إلى دولة خليجية وإنهاء العقبة التي تمنع عودتها إلى برنامج F-3.
يعكس هذا المسار ابتعادا تدريجيا عن سياسة الموازنة بين روسيا والغرب، من دون الوصول إلى قطيعة كاملة مع موسكو، وتظهر سوريا في قلب هذه المناورة، حيث تستطيع تركيا إثبات قيمتها للأميركيين، والحفاظ في الوقت نفسه على قنواتها مع الروس.
الفراغ الإيراني ومشكلة السيادة
أنتج حل الجيش السوري وتفكيك مؤسساته العسكرية فراغا واسعا في مجالات التدريب والاستخبارات وحماية المنشآت وإدارة الحدود والمجال الجوي.
تتحرك تركيا لملء جزء من هذا الفراغ، مستفيدة من قربها الجغرافي وعلاقتها الوثيقة بالقيادة السورية الجديدة، ويطرح هذا المسار سؤالا أساسيا، فهل تسهم المساعدة الخارجية في بناء قوة وطنية مستقلة، أم تعيد تشكيل اعتماد سوريا على القوى الإقليمية؟
يحمل رفع علم أجنبي فوق منشأة عسكرية، إن ثبت، رمزية تتجاوز أي اتفاق تقني، فالأعلام تعلن حدود السلطة قبل أن تعلن الصداقة، وظهورها داخل الثكنات يفتح أسئلة حول القيادة وملكية المعلومات ومدة الانتشار والأساس القانوني للوجود.
تتضاعف حساسية هذه الأسئلة في الساحل، بسبب الأهمية العسكرية والاستراتيجية للمنطقة وقربها من القواعد الروسية والموانئ وخطوط الحركة الواصلة إلى وسط سوريا ولبنان.
سوريا بين المظلة والشراكة
تقف سوريا أمام مرحلة تتحدد فيها السيادة من خلال شبكات الرادار ومراكز التدريب وقواعد البيانات بقدر ما تتحدد عبر السيطرة على الأرض.
تمنح المساعدة التركية لسلطة دمشق فرصة لإعادة بناء جيش ومقدرة على مراقبة أجوائها وحدودها، لكنها تعطي أنقرة نفوذا طويل الأمد داخل المؤسسات التي يُفترض أن تحمي استقلال القرار السوري.
تكشف الروايات المتداولة، بصرف النظر عن دقتها، صورة الشرق الأوسط الجديد، فروسيا تنكمش من موقع الهيمنة إلى موقع الدفاع عن قواعدها، وإيران فقدت ممراتها القديمة، و”إسرائيل” تحاول فرض تفوقها، وتركيا تتقدم عبر الفراغ مستندة إلى الجغرافيا والاقتصاد والصناعة العسكرية.
ستتحدد النتيجة وفق قدرة سلطة دمشق على تحويل المساعدة الخارجية إلى قدرة وطنية، فالدولة التي تملك الرادار من دون امتلاك بياناته، والجيش من دون فرض عقيدته، والقاعدة من دون امتلاك قرارها، تبقى سيادتها معلقة بين الأعلام التي ترفرف فوق أراضيها.


ياحيف