تقدم التصريحات الرسمية السورية على المستوى الاقتصادي حالة ارباك غير مسبوقة، فهناك خطاب تقني مغر إعلاميا، لكنه يشكل مفارقة بين ما يحدث على مستوى المجتمع وطبيعة المسار الاقتصادي، فماذا يعني المواطن في إصدار أذون وسندات وصكوك سيادية؟
تبدو المسألة إجراء يمس السياسات الحكومية فهو معني بتمويل جزء من عجز الموازنة وتنظيم السيولة في السوق.
حين تعلن الحكومة السورية هذا القرار، فإن أثره يتجاوز حسابات وزارة المالية إلى علاقة المواطن بالدولة والقطاع المصرفي، فالسندات تحدد مصدر تمويل الإنفاق العام اليوم، والطريقة التي ستتوزع بها كلفته ومنافعه بين السوريين خلال السنوات المقبلة.
ما سندات الخزينة ؟
تعني سندات الخزينة أن الحكومة تحتاج إلى إنفاق أموال تفوق إيراداتها، فتقترض الفرق من المصارف أو الشركات أو الأفراد، فيحصل المشتري مقابل أمواله على سند تتعهد الدولة بسداده بعد مدة محددة، مع فائدة أو عائد متفق عليه.
يستطيع المواطن أن يمول الحكومة مباشرة إذا سُمح للأفراد بشراء السندات، أو بصورة غير مباشرة عندما تستخدم المصارف جزءا من الودائع لشرائها.
تبقى وديعة المواطن مسجلة في حسابه، لكن المصرف يصبح أقل قدرة على توجيه أمواله إلى قروض السكن أو التجارة أو الصناعة.
عمليا تبدأ علاقة المواطن بالسندات من المصرف الذي يضع فيه راتبه ومدخراته، حتى لو لم يشتر سندا واحدا باسمه.
كم تريد الحكومة أن تقترض؟
قدّرت موازنة المواطن لعام 2026 الإنفاق العام بنحو 1.157 تريليون ليرة سورية جديدة، مقابل إيرادات متوقعة تبلغ 958.8 مليار ليرة، ما يترك عجزاً قدره 197.9 ملياراً. وتعادل هذه الفجوة نحو 1.8 مليار دولار وفق سعر الصرف الذي اعتمدته الموازنة، بينما تنخفض قيمتها إلى قرابة 1.62 مليار دولار وفق السعر الرسمي المسجل منتصف تموز 2026.
الدولة تحتاج إلى اقتراض نحو 17 ليرة من كل 100 ليرة تخطط لإنفاقها، ويعادل العجز 20.6% من الإيرادات المتوقعة و5.3% من الناتج المحلي الإجمالي.
تبدو نسبة 5.3% مقبولة عند مقارنتها بدول أخرى، لكن قدرة الدولة على الاقتراض لا تتحدد بحجم اقتصادها فقط، فامتلاك مصارف كبيرة ومدخرات واسعة وسوقا مالية نشطة يتيح تمويل العجز، أما في سوريا التي تعاني ضعف السيولة وارتفاع التضخم وتراجع الثقة بالعملة يجعل هذا الأمر صعبا.
هل تكفي أموال المصارف؟
تبلغ ودائع المصارف التجارية السورية نحو 4.9 مليار دولار، وفق حسابات استندت إلى بيانات عام 2024، ويتجاوز انكشاف هذه المصارف مقارنة بالقطاع المالي اللبناني 1.6 مليار دولار.
يعادل عجز الموازنة المقرر نحو 37% من إجمالي الودائع التجارية، وهي نسبة مرتفعة بالنسبة إلى جهاز مصرفي يحتاج أيضا إلى تمويل الشركات والتجار والمزارعين والأسر.
تدخل السندات هنا في منافسة مباشرة مع المواطن والقطاع الخاص على الأموال المتاحة، فإذا عرضت الحكومة فائدة مرتفعة وضمانا أقوى، سيجد المصرف أن شراء السند الحكومي أسهل وأقل مخاطرة من منح قرض لصاحب ورشة أو مصنع صغير.
تحصل الخزينة على التمويل، بينما يواجه المواطن شروطا أصعب للحصول على قرض، أو يدفع فائدة أعلى، أو يؤجل مشروعا كان يمكن أن يوفر دخلا وفرص عمل.
تكشف سوق دمشق للأوراق المالية بدورها ضعف القدرة على تداول الأدوات المالية، حيث بلغت قيمة تداولات الأسهم خلال النصف الأول من 2026 نحو 2.4 مليار ليرة جديدة فقط، في مقابل عجز حكومي يقترب من 198 مليارا.
لا يعني ذلك استحالة إصدار السندات، لكن بيعها لاحقا صعب، ما يعني زيادة العائد الذي سيطلبه المستثمر مقابل تجميد أمواله.
ماذا يحدث للأسعار؟
يحمل تمويل العجز بالسندات خطرا تضخميا أقل من طباعة النقود، شرط أن تأتي أموال الشراء من مدخرات موجودة فعلا، أما إذا مول المصرف المركزي شراء السندات بأموال جديدة، فإن العملية تصبح شكلا غير مباشر من إصدار النقود، وينعكس أثرها لاحقا على الأسعار وسعر الصرف.
ترتبط النتيجة أيضا بطريقة إنفاق الأموال، فاستخدام القرض في إنشاء محطة كهرباء يمكن أن يخفض تكاليف المصانع ويزيد الإنتاج، أما استخدامه لتغطية نفقات يومية تتكرر كل عام فيضيف أموالا إلى السوق من دون زيادة موازية في السلع والخدمات، ما يرفع احتمال ارتفاع الأسعار.
بلغ التضخم السنوي المقدر في نيسان 2026 نحو 27.5%، وفق تقديرات مستقلة. كما ارتفع السعر الرسمي للدولار إلى 122 ليرة جديدة في منتصف تموز، بينما بُنيت الموازنة على سعر 110 ليرات، فإذا وضع مواطن 100 ألف ليرة في سند بعائد 15%، سيحصل بعد عام على 115 ألفا.
لكن ارتفاع الأسعار بنسبة 27.5% يجعل القوة الشرائية للمبلغ تتراجع بنحو 10% تقريبا، ويحصل المواطن على عدد أكبر من الليرات، لكنه يستطيع شراء سلع أقل.
من سيدفع فوائد الدين؟
تصل الفائدة السنوية إلى نحو 29.7 مليار ليرة إذا مولت الحكومة كامل العجز بعائد 15%، وترتفع إلى 39.6 مليارا عند عائد 20%، ثم إلى نحو 49.5 مليارا عند عائد 25%، وتمثل الحالة الأخيرة أكثر من 5% من الإيرادات المتوقعة، قبل سداد أصل الدين.
تأتي أموال الفوائد في النهاية من الموازنة، أي من الضرائب والرسوم والجمارك وإيرادات النفط وأسعار بعض الخدمات العامة.
لا يرى المواطن عبارة “سداد فوائد السندات” على فاتورة الكهرباء أو عند دفع رسم حكومي، لكنه يتحمل جانبا منها عندما ترتفع الرسوم أو تتراجع الأموال المتاحة للصحة والتعليم والدعم.
يحصل حملة السندات، وغالبيتهم من المصارف والمؤسسات وكبار المدخرين، على العائد، أما المواطن الذي لا يمتلك مدخرات كافية لشراء السندات فيتحمل كلفتها من خلال الأسعار والضرائب.
هنا تظهر قضية العدالة، فتنتقل الأموال من غالبية المواطنين إلى فئة محدودة، ما لم تُستخدم حصيلة الدين في مشروعات تعود منفعتها على المجتمع كله.
متى يستفيد المواطن؟
تتحول السندات إلى أداة نافعة عندما تُوجه حصيلتها إلى استثمارات عامة ترفع قدرة الاقتصاد على الإنتاج وتولد موردا يساعد على سداد الدين، فتصبح الفائدة المدفوعة كلفة لاستثمار يعود بالنفع على المجتمع، بدلا من أن تكون عبئا يستهلك إيرادات الموازنات المقبلة.
تخصص الموازنة 27% من الإنفاق للنفقات الاستثمارية، مقابل 60% للنفقات الجارية و13% للدعم والضمان الاجتماعي، ولهذا السبب تحتاج الحكومة لإعلان المشروعات التي ستمولها السندات، بدلا من إدخال الأموال في الخزينة العامة من دون مسار واضح.
تستطيع الصكوك السيادية أيضا تمويل الكهرباء والنقل والإسكان، بشرط ارتباطها بأصول ومشروعات حقيقية، أما استخدامها لدفع رواتب أو نفقات تشغيلية متكررة فيترك المواطن أمام دين وفوائد، من دون أصل منتج أو خدمة جديدة تساعد على السداد.
ما الخيار الأكثر أمانا؟
يبدو تمويل 20% إلى 30% من العجز عبر السوق المحلية بداية أكثر واقعية، فإصدار ما بين 40 و60 مليار ليرة جديدة، بدلا من محاولة جمع كامل العجز دفعة واحدة.
يمكن طرح أذون قصيرة ثم الانتقال إلى آجال أطول بعد استقرار التضخم وسعر الصرف.
يحتاج المواطن إلى معرفة مقدار ما اقترضته الدولة، والفائدة التي ستدفعها، والمصارف التي اشترت السندات، والمشروعات التي حصلت على الأموال، والطريقة التي ستُسدد بها الديون.
كما يحتاج الاقتصاد إلى منع الشراء الإجباري، ومنع التمويل المباشر من المصرف المركزي، وحماية جزء كاف من أموال المصارف لإقراض الأنشطة المنتجة.
السندات ليست مكسبا أو خسارة للمواطن بطبيعتها، ويتحدد أثرها بما تفعله الحكومة بالأموال بعد اقتراضها، فإذا مولت الإنتاج والخدمات وجرى إصدارها بحجم يناسب السوق، يمكن أن تساعد على خفض التضخم وتحسين الكهرباء وخلق الوظائف.
أما إذا غطت إنفاقا جاريا متزايدا، أو مولها المصرف المركزي، أو استنزفت أموال المصارف، فسيدفع المواطن ثمنها ثلاث مرات؛ عبر ارتفاع الأسعار، وصعوبة الحصول على القروض، وزيادة الضرائب والرسوم مستقبلا.
سندات الخزينة السورية
- النفقات الجارية 60%
- النفقات الاستثمارية 27%
- الدعم والضمان الاجتماعي 13%
- منافسة القطاع الخاص – المصارف تفضل شراء السندات بدلاً من إقراض المشاريع الصغيرة
- ارتفاع تكلفة الاقتراض – على المواطن والشركات على حد سواء
- ضغط تضخمي – إذا مول المصرف المركزي الشراء بأموال جديدة
- تراجع القوة الشرائية – التضخم 27.5% يمحو العائد الاسمي
- ضعف سوق ثانوي – صعوبة تداول السندات لاحقاً
- ارتفاع الأسعار – التضخم يقلص القوة الشرائية
- زيادة الضرائب والرسوم – لسداد الفوائد وأصل الدين
- تراجع الخدمات العامة – توجيه الأموال لخدمة الدين بدلاً من الصحة والتعليم

