تصريحات ترامب عن أحمد الشرع وحزب الله: ماذا تريد واشنطن من سلطة دمشق؟

يحمل تصريح دونالد ترامب الأخير بشأن رغبة الرئيس السوري أحمد الشرع في التحرك ضد حزب الله دلالات تتجاوز سياق المقابلة التلفزيونية، ويندرج ضمن مسار أميركي متدرج لإعادة تأهيل سلطة دمشق واختبار قدرتها على أداء أدوار أمنية تعيد تشكيل ميزان القوى في المشرق.

لكن التصريح لم يصل لمستوى أمر عسكري أو “ضوء أخضر” رسمي لدخول القوات السورية إلى لبنان، بل يبقي هذا الاحتمال ورقة ضغط سياسية وأمنية مفتوحة.

يمكن قراءة هذا المسار من خلال إطار “الرعاية المشروطة والاحتواء المفوض”، فتمنح واشنطن سلطة دمشق الشرعية والإعفاءات الاقتصادية، مقابل أن تتحول سوريا إلى حاجز أمام إيران، وشريك ضد تنظيم داعش، وأداة ضغط على حزب الله، وربما طرف في ترتيبات أمنية مستقبلية مع “إسرائيل”.

تصريح حقيقي بصياغة متداولة غير دقيقة

في أحدث مقابلة، قال ترامب إن الشرع يرغب في تنفيذ عملية ضد حزب الله، وإنه يستطيع القيام بها بطريقة “أكثر دقة” وأقل تدميرا للمباني.

سأله المذيع عما إذا كان الرئيس السوري يحتاج إلى ضوء أخضر أميركي، فأجاب: “أنا أفكر في الأمر”

أبقى ترامب موقفه ضمن مساحة محسوبة من الغموض، فأبدى استعداده للنظر في منح سلطة دمشق هامشا للتحرك ضد حزب الله من دون الإعلان عن تفويض سياسي أو عسكري.

يتيح له هذا الغموض استخدام احتمال الدور السوري ورقة لتهديد الحزب، والضغط على إسرائيل لتعديل أسلوب عملياتها، واختبار استعداد سلطة دمشق لتحمل مسؤوليات أمنية أوسع، مع الاحتفاظ بحرية التراجع أو التصعيد وفق تطورات الميدان والمفاوضات.

من تعريف المشكلة إلى اختيار المنفذ

بدأ المسار العلني لتصريحات ترامب بصورة تدريجية، ففي أيار 2025 وصف ترامب لبنان بأنه ضحية مستمرة لحزب الله وراعيه الإيراني.

وفي دافوس، كانون الثاني 2026، انتقل إلى عبارة أكثر حركية: “لدينا حزب الله في لبنان، وعلينا أن نفعل شيئا هناك”.

في تلك المرحلة كان ترامب حدد المشكلة، لكنه لم يحدد من سيتولى حلها، غير أن تحقيقا نشرته رويترز في آذار كشف أن مسؤولين أميركيين وسوريين ناقشوا منذ 2025 احتمال قيام سلطة دمشق بدور ضد حزب الله في شرق لبنان.

حسب تحقيق رويترز فإن مسؤولا سوريا بين أن واشنطن وافقت من حيث المبدأ على تنفيذ عملية في شرق لبنان متى توافرت الظروف المناسبة، بينما نفى المبعوث الأميركي توم باراك أن تكون الولايات المتحدة شجعت عملية عابرة للحدود.

في 7 حزيران انتقلت الفكرة إلى خطاب ترامب المباشر، فقال إنه يريد هجمات “أكثر جراحية” على حزب الله، وبين أنه “يمكننا أن نساعد، أو يمكننا أن نوصي بسوريا”، مؤكدا أن الشرع “سيسره أن يساعد”، وبعد ستة أيام خرج الرئيس السوري لينفي الشائعات عن دخول بلاده إلى لبنان.

لكن ترامب لم يتراجع، ففي قمة السبع في 16 حزيران قال إنه اقترح على “إسرائيل” أن “تدع سوريا تتولى أمر حزب الله”، ثم أعلن أن سوريا ستنجز المهمة إذا لم تستطع “إسرائيل” القيام بها من دون قتل أعداد كبيرة من المدنيين.

تطور الخطاب من “يجب فعل شيء” إلى “يمكن التوصية بسوريا”، ثم إلى “سوريا ستقوم بالمهمة”، وصولا إلى التفكير في موافقة أميركية محتملة.

الرعاية المشروطة.. الشرعية مقابل الوظيفة

وفق الواقعية الكلاسيكية الجديدة، لا تكفي موازين القوة لتفسير السياسة الخارجية؛ إذ تمر الضغوط الدولية عبر تصورات القادة وقدرات الدول ومؤسساتها.

انهيار النظام السوري السابق، وانحسار إيران، وإضعاف حزب الله، أوجدت فرصة استراتيجية، لكن ترامب ترجم هذه الفرصة إلى علاقة شخصية وصفقة سياسية مع الشرع.

قبل مطالبة سلطة دمشق بأي دور لبناني، بدأ ترامب بمنحها مكاسب ملموسة، ففي حزيران 2025 أنهى برنامج العقوبات الأميركية على سوريا، وفتح الطريق أمام تخفيف القيود المالية والاستثمارية، مع الإبقاء على العقوبات المرتبطة بنظام البعث وتنظيم داعش والانتهاكات.

كما حدد البيت الأبيض جملة شروط، بينها مكافحة الإرهاب، ومعالجة ملف المقاتلين الأجانب، ومنع عودة داعش، والتحرك نحو ترتيبات مع إسرائيل.

وفي تموز 2026 بدأت واشنطن عملية إزالة سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وأصبحت الرسالة واضحة؛ إعادة الإعمار والاستثمارات والاندماج المالي هي حوافز مقابل تغيير تموضع سلطة دمشق وسلوكها الأمني.

السيطرة على الممرات لا الأراضي فقط

القراءة التقليدية ترى سوريا أرضا فاصلة بين تركيا والعراق و”إسرائيل ولبنان”، أما الجيوبوليتيك الشبكي فيراها عقدة تتحكم في تدفقات السلاح والمال والمقاتلين والطاقة.

خلال عهد البعث، شكلت سوريا الحلقة المركزية في شبكة الإمداد الإيرانية إلى حزب الله، واليوم لا تحتاج واشنطن إلى اجتياح سوري للبنان بقدر ما تحتاج إلى تحويل الحدود من ممر لوجستي للحزب إلى حاجز يمنع إعادة تسليحه.

في المقابل، تستخدم الولايات المتحدة سيطرتها على شبكات الدولار والعقوبات والاستثمار لإعادة ربط دمشق بالاقتصاد الغربي والخليجي، فإذا أصبح إعادة إعمار سوريا معتمد على الرضا الأميركي ورأس المال الخليجي، يصبح الرجوع إلى المحور الإيراني أكثر كلفة بالنسبة إلى الحكومة السورية.

سوريا كمتعهد أمني

عبارة ترامب “دعوا سوريا تتولى الأمر” تجسد منطق الحرب عبر البدلاء، فالولايات المتحدة تحدد النتيجة، لكنها تدفع الآخرين إلى تحمل التكلفة الميدانية.

ترامب لا يريد قوات أميركية في مواجهة حزب الله، كما يبدو مستاء من طول العمليات “الإسرائيلية” وحجم تدميرها، فيبحث عن قوة محلية تستطيع ضبط المجال الحدودي والضغط على الحزب، بينما تبقى واشنطن المفاوض والضامن وصاحبة الحوافز والعقوبات.

لكن وصف سوريا بأنها “وكيل أميركي” تبسيط فالأدق أنها مرشحة لتصبح شريكا تنفيذيا محدود الاستقلالية، يحصل على الشرعية والموارد مقابل خدمات أمنية، وهذه علاقة تكليف وضغط أكثر منها تحالفا دفاعيا متكافئا.

دمشق وسياسة التموضع المرن

الشرع، من جانبه، يحاول الحصول على مكاسب الانفتاح الأميركي من دون الانجرار إلى حرب تفجر سوريا من الداخل.

تجمع سياسة الرئيس السوري بين التعاون مع واشنطن، والاعتماد على تركيا، والانفتاح على الخليج، ورفض إعلان القطيعة الكاملة مع بقية القوى.

نفيه المتكرر نية التدخل العسكري في لبنان لا يستبعد تعاونا أمنيا محدودا ضد حزب الله، ما دام لا يتطور إلى تحرك عسكري واسع عبر الحدود.

التموضع المرن بالنسبة لسلطة دمشق تعني الاستفادة من القوة الأميركية دون التحول إلى تابع كامل لها، وكلما بالغ ترامب في رفع سقف المهمة، وكلما اتسع الدور المطلوب منها، ارتفع الثمن السياسي والاقتصادي الذي ستطالب به مقابل ذلك.

أخطار الرهان الأميركي

تكمن المشكلة في أن ترامب يتحدث عن سوريا كأنها دولة مستقرة تمتلك جيشا متماسكا وحرية حركة واسعة.

المؤسسات السورية ما تزال قيد البناء، والانقسامات الطائفية والمناطقية لم تُحسم، والذاكرة اللبنانية للوجود السوري للنظام السابق لم تختف، فأي دخول سوري إلى لبنان من دون طلب رسمي من حكومته سيمنح حزب الله فرصة لإعادة تقديم نفسه كحركة “مقاومة” ضد تدخل أجنبي، ويثير صداما طائفيا، أو ردا إيرانيا، أو تنافسا تركيا – “إسرائيليا” داخل سوريا ولبنان.

إضعاف حزب الله لا يساوي بناء دولة لبنانية، فإذا جرى تفكيك القوة المسلحة للحزب من دون تعزيز الجيش والمؤسسات اللبنانية، ووجود خطة استراتيجية دفاعية واضحة وقوية، سينشأ فراغ أمني تستفيد منه اسرائيل أولا، وممكن جماعات أخرى متطرفة وخطيرة.

تطبيع ليس بريئا وتفويض لم يكتمل

تكشف تصريحات ترامب تحولا عميقا في النظرة الأميركية إلى سلطة دمشق، فأصبحت دمشق في التصور الأميركي دولة يمكن إعادة تأهيلها وتكليفها بوظائف إقليمية.

لكن المشروع لم يصل بعد إلى مرحلة التفويض العسكري، والأرجح أن واشنطن تريد أولا استخدام سلطة دمشق لحصار حزب الله من الشرق، وضبط شبكات إيران، وتحمل مسؤوليات مكافحة الإرهاب، مع إبقاء احتمال التدخل ورقة ضغط.

إنها سياسة “رعاية مشروطة واحتواء مفوض”؛ تمنح سوريا فرصة العودة إلى النظام الدولي، لكنها تطلب منها في المقابل أن تتحول إلى عقدة في النظام الأمني الذي تعيد الولايات المتحدة بناءه في المشرق.

السؤال الأساسي فيما إذا كانت الدولة السورية قادرة على أداء هذا الدور من دون أن تدفع هي ولبنان ثمنا يفوق مكاسب الانفتاح الأميركي.

المسار الأميركي تجاه سوريا – لوحة تفاعلية

المسار الأميركي تجاه سوريا

تصريحات ترامب عن أحمد الشرع وحزب الله – رعاية مشروطة واحتواء مفوض
أيار 2025 – تموز 2026
بداية المسار
أيار 2025
“لبنان ضحية مستمرة”
ترامب يصف لبنان بأنه ضحية حزب الله وإيران
كانون الثاني 2026 – “لدينا حزب الله، علينا أن نفعل شيئاً”
الانتقال إلى الدور السوري
آذار – حزيران 2026
“يمكننا أن نوصي بسوريا”
تقارير عن مباحثات أميركية–سورية لدور ضد حزب الله
7 حزيران – “الشرع سيسره أن يساعد” 16 حزيران – “سوريا ستنجز المهمة”
الرعاية المشروطة
حزيران 2025 – تموز 2026
إعفاءات مقابل شروط
  • رفع برنامج العقوبات تم
  • إزالة من قائمة الإرهاب قيد التنفيذ
  • مكافحة الإرهاب شرط
  • ترتيبات مع إسرائيل شرط
تطور تصريحات ترامب تجاه الدور السوري
من تحديد المشكلة إلى التفويض المحتمل
شدة التصريح (مقياس نسبي)
أيار 2025 – تحديد المشكلة كانون الثاني 2026 – الحاجة إلى فعل آذار–حزيران – التوصية بسوريا تموز 2026 – “أنا أفكر في الأمر”
الشروط الأميركية (الرعاية المشروطة)
  • مكافحة الإرهاب – منع عودة داعش وتفكيك خلاياه
  • معالجة ملف المقاتلين الأجانب – منع استخدام الأراضي السورية كملاذ
  • التحرك نحو ترتيبات مع إسرائيل – ضبط الحدود ومنع التهديدات
  • قطع شبكات إيران – تحويل سوريا من ممر إلى حاجز
  • الشفافية في ملف النازحين – تهيئة بيئة العودة الآمنة
المكاسب السورية (الحوافز)
  • تم رفع برنامج العقوبات (حزيران 2025)
  • قيد التنفيذ إزالة من قائمة الدول الراعية للإرهاب (تموز 2026)
  • متوقع تخفيف القيود المالية والمصرفية
  • متوقع فتح الاستثمارات الخليجية والغربية
  • متوقع الدعم لإعادة الإعمار
المعادلة: الشرعية + الموارد ↔ خدمات أمنية وتغيير في التموضع الإقليمي
ميزان القوى في المشرق
تقدير النفوذ النسبي لكل فاعل (تصور تحليلي)
قيم نسبية من 0 إلى 100
مخاطر على سوريا
  • انجراف إلى حرب جديدة – دخول لبنان قد يفجر صراعاً طائفياً
  • رد إيراني – استهداف المصالح السورية أو زعزعة الاستقرار
  • تناقض مع تركيا – إذا تعارض الدور مع المصالح التركية
  • إرهاق المؤسسات – جيش غير جاهز لعمليات خارجية
  • فقدان الشرعية الداخلية – إذا نظر إليه كعميل أميركي
مخاطر على لبنان
  • فراغ أمني – تفكيك حزب الله دون تعزيز الجيش اللبناني
  • تدخل خارجي – إعادة إنتاج الاحتلال السوري بغطاء جديد
  • صراع طائفي – إعادة إحياء الانقسامات الداخلية
  • رد إسرائيلي – عمليات متزامنة قد توسع رقعة الدمار
فرص محتملة
  • إعادة الإعمار – تدفق استثمارات غربية وخليجية
  • عودة إلى النظام الدولي – فك العزلة المالية والسياسية
  • ضبط الحدود – الحد من تهريب السلاح والمخدرات
  • استقرار نسبي – تخفيف الضغوط الأمنية الداخلية
  • بناء مؤسسات – دعم تقني وتدريب للجيش والأمن
شبكة العلاقات والضغوط
تأثير كل طرف على المسار السوري – اللبناني
نسبة تأثير (تقديري)
الرعاية المشروطة
واشنطن تمنح دمشق الشرعية والإعفاءات الاقتصادية مقابل تحول سوريا إلى حاجز أمام إيران، وشريك في مكافحة الإرهاب، وأداة ضغط على حزب الله.
الاحتواء المفوض
ترامب يريد قوة محلية تضبط الحدود وتضغط على الحزب، بينما تبقى واشنطن المفاوض والضامن وصاحبة الحوافز والعقوبات.
التموضع المرن لدمشق
الشرع يحاول الاستفادة من الانفتاح الأميركي من دون الانجراف إلى حرب، مع الاعتماد على تركيا والانفتاح على الخليج، ورفض القطيعة الكاملة مع القوى الأخرى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *