تنفتح ذاكرة المؤسسة العسكرية، مع الذكرى الحادية والثمانين لتأسيس الجيش السوري، على تاريخ تتقاطع فيه المعارك مع مصير الدولة، ويغدو استحضاره قراءة في معنى السيادة وحدود القوة ومسار الوطن.
يقدم العقد الأول من تاريخ الجيش نموذجا جمع بين حداثة التأسيس، واضطراب السلطة في دمشق، وبداية مواجهة طويلة مع “إسرائيل”، فمن هدنة تموز 1949 وحتى نهاية 1958، خاض الجيش حملة حدودية متقطعة امتزجت فيها المعركة النظامية بالغارة، وحماية الأرض بالنزاع على المياه والزراعة.
المسألة لا يتعلق بعدد الانتصارات والهزائم، بل بقدرة جيش ناشئ على تحويل ميزته الجغرافية وشجاعة وحداته إلى ردع مستمر، فنجح الجيش السوري في منع تثبيت “السيطرة الإسرائيلية” في مواقع محددة، لكنه لم يمتلك مؤسسة تصل المعركة المحلية باستراتيجية وطنية متماسكة.
في المقابل، استخدمت “إسرائيل” الاشتباكات لتوسيع سيطرتها على الأرض والمياه وطرق الحركة، مستفيدة من اختلال موازين القوة وتراجع قدرة آليات الهدنة على ضبط الحدود.
الجغرافيا التي حددت شكل الحرب
أنشأ اتفاق الهدنة ثلاث مناطق منزوعة السلاح مساحتها نحو 66.5 كيلومتر مربع، من الحولة إلى الشاطئ الشرقي لطبريا والحمة.
ضمت الرقعة قرى وأراضي زراعية ومجاري مياه وطرقا تشرف عليها مرتفعات الجولان، ومنحت التضاريس الجيش السوري قدرة على الرصد والنيران، بينما أعطت “إسرائيل” سهولة في تعبئة القوات وربط المواقع بطرق الجليل.
تمسكت سوريا بالأرض بوصفها جزءا من سيادتها وخط دفاع عن حدود عام 1923 والمرتفعات، بينما تعاملت “إسرائيل” مع الحولة وطبريا ونهر الأردن كمجال للتوسع والسيطرة على المياه والزراعة والاستيطان.
أصبح الجرار الذي يحفر قناة وزورق الشرطة الذي يقترب من الشاطئ أداتين لتغيير السيطرة الفعلية قبل حسم السيادة قانونيا.
الحمة وتل المطلة.. بين النجاح التكتيكي واستدامة المعركة
ظهرت قيمة الموقع في معركة الحمة في 4 نيسان 1951، حيث دخلت قوة “إسرائيلية” قدمت بصفتها شرطة، وتعرفها المصادر العسكرية “الإسرائيلية” اللاحقة كجنود ارتدوا زي الشرطة للتحايل على حظر القوات.
قتل سبعة من أفراد القوة “الإسرائيلية”، ونجحت القوات السورية في منعها من تثبيت وجودها في الحمة، ثم احتفظت بالموقع رغم الغارات الجوية التي استهدفته في اليوم التالي، وأسهم وضوح المهمة الدفاعية في حسم المواجهة لمصلحة سوريا.
اختلفت معركة تل المطلة بين 2 و6 أيار، عندما سيطر عسكريون سوريون ومسلحون محليون على تلال قرب مصب الأردن، واحتاجت “إسرائيل” إلى خمسة أيام باستخدام وحدات احتياط وعناصر من لواء غولاني لاستعادتها، وخسرت 40 قتيلا وفق سجلها الرسمي.
حققت القوة السورية المفاجأة، لكن “إسرائيل” امتلكت الاحتياط والاتصالات والقدرة على مواصلة الهجوم.
حملة على الأرض لا حوادث منفصلة
تكشف قراءة المعارك بمجملها أن “إسرائيل” لم تنتظر حربا نظامية لتغيير الحدود، حيث بدأت بتجفيف الحولة وتوسيع الزراعة وحماية العمال بالشرطة المسلحة، ثم أدخلت الجيش والمدفعية عند حصول مقاومة.
ردت سوريا من المواقع المشرفة وبوحدات تدخل، ما أعطى “إسرائيل” أفضلية اختيار المكان والتوقيت.
عمليا زاد تعطيل لجنة الهدنة منذ حزيران 1951 من خطورة هذا الشكل من المعارك، فخسرت الحدود آلية للفصل بين النشاط المدني والتحرك العسكري، وأصبح المراقبون يتدخلون بعد إطلاق النار، وتحول كل خلاف على حقل أو قناة إلى اختبار إرادة لا ينتج تسوية أو ترتيبا ميدانيا ثابتا.
1955 .. اختبار العمليات المشتركة
أظهرت اشتباكات طبريا عام 1954 انتقال الصراع إلى الماء، فاستخدمت “إسرائيل” زوارق شرطة مدرعة، وردت المواقع السورية من الشاطئ، وقتل “إسرائيليان” وامرأة سورية وأصيب جنود من الطرفين، من دون حسم لمن بدأ النار.
جاء التحول الأكبر عام 1955، حيث نفذت قوة “إسرائيلية” في 22 تشرين الأول غارة قرب موقع عالمين، فاستشهد ثلاثة عسكريين سوريين وجرح ستة وتم وأسر خمسة وأحرقت ثلاث مركبات.
وبعد أقل من شهرين نفذت “إسرائيل” عملية طبريا على امتداد الشاطئ الشمالي الشرقي للبحيرة، وشارك المظليون والمدفعية وقذائف الهاون والقوارب والمركبات في هجوم متعدد المحاور على البطيحة والكرسي والدوكة ومواقع أخرى.
أحصت الأمم المتحدة 56 شهيدا على الجانب السوري، بينهم 41 عسكريا وسبعة من الشرطة وثمانية مدنيين، مع تسعة جرحى وعشرات المفقودين والأسرى، بينما خسرت “إسرائيل” ستة قتلى وعشرة جرحى، ودمرت المواقع ثم انسحبت.
اعتمد الهجوم “الإسرائيلي” على معلومات جمعت مسبقا، وتدريب على القتال الليلي، وتنسيق بين القوات البرية ونيران الإسناد والقوارب، إلى جانب قيادة موحدة وخطة محددة للانسحاب، في المقابل، صمدت المواقع السورية بوصفها نقاط دفاع ثابتة، لكنها افتقرت إلى الاحتياط المتحرك والتنظيم اللازمين لشن هجوم مضاد يوقف تقدم القوات المهاجمة.
بعد عامين تقريبا حدث اشتباك غونين في تموز 1957، ثم معارك 1958، وأكدا قدرة سوريا على فرض ردع موضعي من دون إيقاف دورة التصعيد، ففي معارك غونين استشهد جنديان سوريان وسقط “إسرائيلي” واحد.
أما معارك 1958 فاندلعت في القطاع الشمالي والجلابينة وعين التينة والدردارة، وشهد شهر آذار استخدام الدبابات والمدفعية وسقوط أربعة قتلى و11 جريحا من الطرفين، بينما شاركت 15 دبابة “إسرائيلية” في اشتباك تشرين الثاني.
انتهت المواجهات بلا تغيير إقليمي، لكنها أثبتت أن حماية الموقع لا تمنع الخصم من إعادة الاختبار في مكان آخر.
الحدود بوصفها شبكة فاعلين
ضمت الجبهة مزارعين ورعاة وشرطة حدود وسكانا عربا ومستوطنين ودوريات استخباراتية ومراقبين دوليين.
ربطت “إسرائيل” المستوطنة والعامل والشرطة والجيش ضمن شبكة توسع السيطرة الفعلية، بينما امتلكت سوريا سلسلة من المواقع والسكان القريبين، لكن الصلة بين قرار القيادة وحركة المسلحين المحليين بقيت أقل وضوحا، وتعذر على الأمم المتحدة أحيانا تحديد من بدأ النار.
تظهر معركة 3 كانون الأول 1958 خطورة البنية، فشاهد المراقبون نيرانا سورية أصابت راعيا “إسرائيليا”، ثم بدأت المدفعية “الإسرائيلية” بقصف الدرباشية والجلابينة، وردت المدفعية السورية، وتحول الحادث إلى قتال مدفعي لأن سلسلة الرد كانت أسرع من آلية ضبط التصعيد.
مؤسسة عسكرية داخل دولة مضطربة
تأسس الجيش السوري في الأول من آب 1945، ثم دخل حرب فلسطين بعد أقل من ثلاثة أعوام.
جاءت معارك الحدود بينما كانت الدولة تعاني ثلاثة انقلابات خلال 1949، ثم صراعات عسكرية وسياسية انتهت بسقوط حكم أديب الشيشكلي عام 1954.
لا تثبت هذه الوقائع وحدها سببا مباشرا لكل إخفاق ميداني، لكنها توضح البيئة التي تعطل فيها تراكم القيادة والعقيدة والتدريب.
تحصر بعض القراءات نتائج المعارك في اختلال موازين السلاح والموارد لمصلحة “إسرائيل”، لكن هذا التفسير يغفل قدرة الجيش السوري على حسم معركة الحمة، وصنع المفاجأة في تل المطلة، ومنع فرض حدود جديدة خلال اشتباكات عام 1958.
تكشف هذه الوقائع أن الجندي السوري استطاع تعويض جانب من فجوة الإمكانات بالتمسك بالأرض والمبادرة الميدانية.
ارتبط الخلل الأعمق ببيئة سياسية متقلبة حرمت المؤسسة العسكرية من تراكم خبراتها ضمن عقيدة مستقرة، وتحمل الجيش أعباء حماية الجبهة واضطراب السلطة والتغير المستمر في مراكز القرار، بينما واجه خصما يركز موارده العسكرية على توسيع سيطرته وفرض وقائع جديدة.
ذكرى التأسيس ومعنى الجيش الوطني
تكشف معارك 1949–1958 أن تاريخ الجيش السوري في تلك المرحلة يضم مواجهات نجح خلالها في حماية مواقع سورية ومنع “إسرائيل” من فرض تغييرات دائمة على الحدود.
حمى الجيش السوري مواقع، وفرض كلفة على خصمه، واحتفظ بالحمة، لكنه لم يحول هذه النجاحات إلى نظام ردع يمنع الغارات أو يضبط المنطقة المنزوعة السلاح، فكانت قوته تظهر داخل الموقعة، بينما بقي أثرها محدودا خارجها.
تكتسب ذكرى التأسيس معناها حين تصبح مدخلا لاستخلاص دروس التجربة العسكرية السورية وبناء مؤسسة تحفظ ذاكرتها وتراكم خبراتها.
تقوم قوة الجيش الوطني في قدرته على التعلم والعمل تحت قرار دولة وحماية السيادة بعيدا عن صراعات السلطة، وليس على حجم السلاح وحده، ويكشف العقد الأول لانشاء الجيش أن الجغرافيا منحت الجيش السوري فرصا دفاعية مهمة، لكن تحويل الصمود الميداني إلى ردع طويل الأمد احتاج إلى مؤسسة أكثر استقرارا.
الجيش السوري 1949–1958
الخسائر البشرية في أبرز المعارك
طبريا (1955): استشهاد 56 سورياً (41 عسكرياً، 7 شرطة، 8 مدنيين) مقابل 6 قتلى إسرائيليين، بسبب الهجوم المتعدد المحاور.
شهداء سوريا في عملية طبريا (1955)
تواتر الاشتباكات الحدودية 1949–1958
طبيعة العمليات – سوريا مقابل إسرائيل
إسرائيل: عمليات هجومية متعددة المحاور، مع استخدام المظليين والمدفعية والدبابات، وتخطيط مسبق وقدرة على الانسحاب المنظم.
الخلاصة: نجح الجيش السوري في معارك محددة (الحمة، تل المطلة) بفضل الموقع والشجاعة، لكنه لم يستطع تحويل هذه النجاحات إلى نظام ردع مستدام. في المقابل، وظفت إسرائيل الاشتباكات لتوسيع السيطرة على الأرض والمياه، مستفيدة من اختلال موازين القوى وضعف آليات الهدنة. كان الخلل الأعمق في البيئة السياسية السورية المضطربة، التي حالت دون تراكم خبرة قيادية وعقيدة عسكرية مستقرة.

