في مطلع تموز 2026، بلغ سعر مبيع الدولار في السوق الموازية بدمشق نحو 132 ليرة سورية جديدة، قبل أن ينهي يوم 16 آب عند المستوى نفسه تقريبا.
تحرك السعر خلال هذه الفترة بين 130 و134.5 ليرة، بينما بقي السعر الرسمي الوسطي عند 122 ليرة للدولار، وتوحي هذه الأرقام باستقرار نقدي نسبي، لكن مؤشرات الذهب والمحروقات والأسعار والقوة الشرائية ترسم صورة مختلفة، فالدولار استقر، فيما واصلت كلفة المعيشة الضغط على السوريين.
السؤال يتجاوز مقدار ارتفاع الدولار أو انخفاضه، ويتصل بطبيعة هذا الاستقرار، فهل يعكس تحسن الإنتاج والثقة بالليرة وتدفق العملات الأجنبية، أم ينتج جزئيا عن شح السيولة وتقييد الطلب وضعف النشاط المصرفي؟
تكشف المقارنة أن سعر الصرف تحول إلى مؤشر غير كاف لقياس صحة الاقتصاد، لأن الأسعار المحلية باتت تستجيب لمجموعة أوسع من العوامل، تشمل كلفة الطاقة والاستيراد والنقل، وضعف المنافسة، واختلال شبكات التوزيع.
دولار مستقر داخل سوق تفتقر إلى الشفافية
اعتمد الرصد على سلسلة واحدة لأسعار مبيع الدولار في دمشق حفاظا على اتساق المقارنة، وبلغ السعر 132 ليرة في 1 تموز، ثم انخفض إلى 130 ليرة يومي 5 و6 تموز، قبل أن يصعد إلى 134.5 ليرة في 14 تموز.
أنهى الشهر عند 130.25 ليرة، وعاد إلى 132 ليرة في 16 آب، وتعني هذه الحركة أن الدولار سجل تقلبات قصيرة، من دون تغير صاف بين بداية الفترة ونهايتها.
تظهر مقارنة المصادر نفسها مشكلة إضافية، حيث نشرت “سوريا تي في” في الأول من تموز سعرا قدره 132 ليرة للمبيع، بينما وضعت CNN الاقتصادية السعر عند 133.5 ليرة، ويعكس هذا التفاوت سوقا مجزأة جغرافيا وزمنيا، تفتقر إلى منصة تداول معلنة وحجم معاملات معروف، فيصبح السعر المنشور مؤشرا استرشاديا، لا سجلا شاملا للصفقات المنفذة.
الفجوة الرسمية تكشف سوقا غير مكتملة
تحافظ السوق الموازية على علاوة تقارب 8% فوق السعر الرسمي، وهو لا يمثل سعر توازن حقيقيا عندما يكون الوصول إلى الدولار بالسعر المعلن محدودا أو مشروطا.
يحمل السعر الموازي بدوره تشوهات ناتجة عن صغر حجم السوق، وتفاوت المعلومات، ومخاطر التداول، وشح النقد.
يختزل النظر إلى السوق بوصفها آلية سعرية حرة جزءا كبيرا من المشكلة، حيث تعمل الأسواق بكفاءة عندما تتوافر المعلومات والمنافسة والسيولة وحرية الدخول والخروج، بينما يفتقر الاقتصاد السوري إلى هذه الشروط مجتمعة، ما يسمح للوسطاء وشبكات التوزيع والجهات القادرة على الوصول إلى التمويل والعملات الأجنبية بامتلاك قوة أكبر في تحديد الأسعار.
الذهب والمحروقات ينفصلان عن حركة الدولار
تحرك سعر غرام الذهب عيار 21 من 14,800 ليرة جديدة للمبيع في بداية تموز إلى 16,100 ليرة في 16 آب، بزيادة تقارب 8.8 في المئة، بحسب بيانات الجمعية الحرفية للصياغة وصنع المجوهرات.
تزامنت هذه الزيادة مع صعود عالمي للذهب يقارب 10%، ما يوضح أن استقرار الدولار المحلي لا يعزل السوريين عن تغير أسعار السلع العالمية.
سلكت المحروقات الاتجاه نفسه، فارتفع بنزين 90 من 125 إلى 142 ليرة لليتر، أي 13.6%، وصعد بنزين 95 من 130 إلى 147 ليرة، بينما زاد المازوت من 107 إلى 120 ليرة، وحافظ الغاز المنزلي على مسار مختلف، إذ انخفضت أسطوانة الغاز من 1,500 إلى 1,470 ليرة.
تكشف هذه الفروق أثر التسعير الإداري والدعم الانتقائي إلى جانب أسعار النفط والنقل والتأمين.
تؤدي زيادة المحروقات إلى أثر متسلسل يتجاوز محطات الوقود، فترتفع كلفة نقل الغذاء وتشغيل المولدات والإنتاج الزراعي والصناعي، ثم تنتقل الزيادة إلى المستهلك حتى مع بقاء الدولار مستقرا، وتتعامل الأسر مع تضخم تقوده الكلفة، بينما يبقى سعر الصرف عاجزا عن التقاط كامل الصدمة.
الأجور تكشف الوجه التوزيعي للأزمة
يبلغ الحد الأدنى للأجور 12,560 ليرة جديدة شهريا، في حين قدر برنامج الأغذية العالمي كلفة سلة الإنفاق الأساسية لأسرة من خمسة أشخاص بنحو 26,551 ليرة خلال حزيران، يغطي الحد الأدنى بذلك 47.3% فقط من الاحتياجات الأساسية، قبل احتساب تدهور محتمل خلال تموز وآب.
تحافظ قيمة الحد الأدنى للأجور على مستوى يقارب 95 دولارا وفق سعر السوق، لكن ثبات قيمة دولار لا يحمي القوة الشرائية عندما ترتفع السلع بوتيرة أسرع.
يصبح التضخم ضريبة غير معلنة تتوزع بصورة غير متكافئة، فتتحمل الأسر ذات الدخل الثابت العبء الأكبر، بينما يستطيع مالكو الذهب والعقارات والمخزون التجاري حماية جزء من ثرواتهم.
شح السيولة: استقرار أم طلب مؤجل؟
أغلقت عملية استبدال العملة القديمة في 31 تموز بعد سحب أكثر من 95% من الكتلة المستهدفة، بحسب مصرف سوريا المركزي.
ظهرت بالتوازي صعوبات في السحب النقدي، ووصل أثرها إلى مستحقات مزارعي القمح، إذ خصص المصرف الزراعي 25% من بعض المدفوعات عبر تطبيق “شام كاش” بسبب نقص السيولة، وفق عنب بلدي.
يوحي ثبات الدولار في هذه البيئة باحتمال وجود استقرار مدفوع جزئيا بكبح الطلب النقدي، فتؤجل الأسر والتجار شراء الدولار عندما يصعب الوصول إلى ودائعهم أو تحويل الأرصدة الرقمية إلى نقد، لكن الطلب المؤجل يمكن أن يعود عند تحسن السيولة.
يبقى هذا تفسيرا يفتقر إلى بيانات عن الكتلة النقدية والاحتياطيات وتدخلات المصرف المركزي وحجم التداول الفعلي.
النمو الاقتصادي لا يساوي تحسن المعيشة
يعرض الخطاب الرسمي توقعات بنمو يبلغ 11.3% خلال 2026، بينما رجح صندوق النقد الدولي نموا من خانتين، مدفوعا بالزراعة والطاقة والتجارة وعودة اللاجئين والزوار.
أشار الصندوق في الوقت نفسه إلى تسارع التضخم، وتعطل النظام المصرفي، واتساع الفقر، ونقص البيانات الأساسية.
يحمل النمو المرتفع جزءا من أثر المقارنة مع قاعدة إنتاجية شديدة الانخفاض، فتستطيع قطاعات محدودة تحقيق قفزات رقمية من دون تحسن مواز في دخل الأسر.
يظهر التفاوت أيضا بين المدن المتصلة بالتجارة والتحويلات، والأطراف التي تتحمل كلفة نقل أعلى وخدمات أضعف وفرص تمويل أقل.
سياسة اقتصادية تتجاوز مراقبة الدولار
تبدأ المعالجة باعتبار المعلومات الاقتصادية منفعة عامة، ويحتاج السوريون إلى نشر منتظم لمؤشرات الأسعار حسب المحافظات، وحجم الكتلة النقدية، والاحتياطيات، وتمويل المستوردات، وحركة الودائع والسحوبات.
يتطلب الإصلاح ربط الأجور بسلة المعيشة لا بالدولار وحده، وتوجيه الدعم إلى الأسر الأضعف، وتحسين الكهرباء والنقل والتخزين الزراعي، وتوسيع المنافسة في الاستيراد والتوزيع، ويحتاج القطاع المصرفي أيضا إلى استعادة السيولة وقابلية السحب، لأن تثبيت العملة عبر خنق التداول يراكم ركودا وطلبا مؤجلا.
تكشف حصيلة الفترة أن الدولار لم يرتفع بين مطلع تموز ومنتصف آب، لكن الاقتصاد الذي يعيشه المواطن أصبح أعلى كلفة، فالاستقرار الحقيقي يقاس بقدرة الأجر على شراء الغذاء والطاقة والسكن، وبقدرة المنتج على التمويل والوصول إلى السوق.
يبقى سعر الدولار مؤشرا مهما، إلا أن تحويله إلى شهادة وحيدة على التعافي يحجب التضخم والتفاوت وضعف المؤسسات، وهي العوامل التي ستحدد ما إذا كان استقرار الليرة قابلا للاستمرار أم مجرد هدنة نقدية قصيرة.
الليرة المستقرة والأسعار المنفلتة
• السعر الرسمي الوسطي للدولار: 122 ليرة • سعر مبيع الذهب عيار 21: من 14,800 إلى 16,100 ليرة • بنزين 90: من 125 إلى 142 ليرة • الحد الأدنى للأجور: 12,560 ليرة • سلة الغذاء الشهرية: 26,551 ليرة.

