معرض دمشق الدولي 2026.. أين انتهى الاقتصاد وبدأ الاستعراض؟

أُغلقت أبواب الدورة الثالثة والستين لمعرض دمشق الدولي وبقي الرقم الأكبر في واجهة الحدث، فهناك أكثر من مليار دولار ضمن “المخرجات الاقتصادية”!

رقم يحمل معه الكثير من الأسئلة، ولا يكفي للحكم على النتيجة، فالعودة إلى التفاصيل تظهر أن المعلن ليس أموالاً دخلت البلاد، بل خليط من العقود والمذكرات والطلبات والتفاهمات، وبين هذه المفاهيم مسافات قانونية ومالية كبيرة.

نجح المعرض في إعادة دمشق إلى خريطة اللقاءات التجارية وجمع وفوداً وشركات غابت سنوات، لكن السؤال الذي يهم السوريين أبسط من لغة البيانات الختامية، فكم مشروعاً سيمول وينفذ، وكم فرصة عمل ستنشأ، وماذا تحملت الدولة مقابل ذلك؟

المشكلة تبدأ من كلمة «مخرجات»

حسب المؤسسة السورية للمعارض فإن قيمة ما شهدته الدورة تجاوزت 150 مليار ليرة جديدة، أي قرابة 1.23 مليار دولار وفق سعر الصرف الرسمي، ربما الحساب سليم أما مكونات الرقم فلم تُنشر.

لم تنشر حصة العقود الملزمة ولا قيمة طلبات التوريد، ولا مقدار ما أضيف تحت بند “التفاهمات”، فأحيانا تكون مذكرة التفاهم بداية مشروع جدي، لكنها تتوقف أيضاً عند صورة التوقيع. ويبدو جمع هذه الوثائق في سلة واحدة أقرب إلى قياس النوايا منه إلى تسجيل استثمار تحقق.

ينطبق الأمر على التصريحات بأن النتائج زادت أكثر من عشرة أضعاف عن دورة 2025، فالمقارنة صحيحة وفق الرقمين اللذين أعلنتهما الجهة المنظمة للمعرض، لكنها تفتقر إلى قاعدة موحدة.

لم يُكشف ما نُفذ من اتفاقات الدورة السابقة، كما تغيرت العملة واتسع تعريف المخرجات، وفي المقابل، تراجع عدد الزوار من 2.261 مليون إلى 1.4 مليون، أي بنحو 38%، وتخصيص ثلاثة أيام للأعمال يشرح جانباً من الانخفاض، لكنه لا يحوّل بقية الزوار تلقائياً إلى مستثمرين.

ألف جهة لا ألف شركة

تداولت وسائل إعلام عبارة “ألف شركة من 60 دولة”، بينما الأدق نحو ألف جهة بينها وزارات ومؤسسات عامة وغرف تجارة ومجالس أعمال وجهات خدمية وحرفية، كما دخلت 25 دولة في الإحصاء عبر تمثيل جماعي لغرفة وسط أوروبا.

هذه تقلل من المشاركة إنما تغير معناها، فالجناح الألماني كان رسمياً وضم 13 عارضاً، إلا أن المشاركة ركزت على التعرف إلى السوق وبناء الاتصالات، ولم يصدر عنها استثمار معلن.

أما العلاقات التجارية مع تركيا فلم تبدأ من المعرض، حيث بلغ حجم التبادل بين البلدين 3.7 مليارات دولار خلال عام 2025، ويسهم المعرض في توسيع هذا المسار، لكن لا يمكن اعتباره سبباً في انطلاقه.

مشروعات كبيرة وتفاصيل قليلة

تستحوذ حزمة حسياء المقدرة بـ500 مليون دولار على نحو 41% من الحد الأدنى للرقم الإجمالي، وتشمل الحديد والسيراميك والإسفلت ومواد البناء والحجر، وهي قطاعات تحتاجها مرحلة الإعمار، غير أن الإعلان لم يوضح مصدر التمويل، أو حصة كل شريك، أو توقيت ضخ الأموال.

في باب الهوى، جرى الحديث عن ألفي فرصة استثمارية، والمقصود فرص أو مقاسم يمكن تجهيزها، وليس ألفي مصنع جاهز أو مستثمر ملتزم.

أما تأهيل معمل حديد حماة، والتفاهمات الزراعية السعودية، واتفاق غرف التجارة العراقية، ومشروعات الرقة والشيخ نجار، فبقيت قيمها وشروطها بعيدة عن الجمهور، فالحكم عليها ما زال مبكراً، وأن قيمة التوقيع تحددها القدرة على التمويل والتنفيذ.

فاتورة لم تظهر

لم تُنشر موازنة تكشف ما أُنفق على تنظيم المعرض وما حُصّل من رسوم ورعاية. كما غابت أي تقديرات مستقلة لحجم النشاط الذي ولّده الزوار والعارضون في السوق المحلية.

من دون هذه البيانات لا يمكن حساب ربحية الحدث أو معرفة المستفيدين، وتساعد مصانع مواد البناء على تقليل الاستيراد، لكنها تضع المنتجين الصغار أمام منافسة صعبة إذا بقي التمويل والطاقة متاحين للكبار وحدهم.

الامتحان يبدأ بعد المعرض

توزع المشروعات بين دمشق وحسياء وحماة والشيخ نجار وباب الهوى والرقة يعكس محاولة لربط المركز بالمناطق الصناعية والحدودية والشرقية، لكن الخريطة ستبقى على الورق ما لم تصل إليها الأموال والكهرباء والآلات والحماية القانونية.

المسألة لا ترتبط بفشل الدورة الحالية لمعرض دمشق الدولي أو نجاحها إنما بنوع الشفافية التي يجب أن ترافق الأرقام المعلنة.

ما أنجزه المعرض حتى الآن توسيع دائرة الاتصالات وطرح فرص قابلة للتفاوض، وليس تحقيق عائد بمليار دولار.

سيبقى الحكم معلقاً إلى أن تكشف المؤسسة طبيعة العقود ونفقات الدورة، وتتابع مصير الاتفاقات خلال الأشهر المقبلة، فالمشاريع التي يبدأ تمويلها وتنفيذها وحدها ستحدد القيمة الاقتصادية الحقيقية للمعرض.

لوحة تحليل معرض دمشق الدولي 2026
أين انتهى الاقتصاد وبدأ الاستعراض؟ · قراءة تحليلية للأرقام المعلنة والفجوات
القيمة المعلنة للمخرجات
1.23 مليار $
نحو 150 مليار ليرة سورية جديدة
عدد الزوار
1.4 مليون
▼ انخفاض 38% عن 2025 (2.261 مليون)
الكيانات المشاركة
1,000 جهة
شركات، وزارات، غرف تجارية، خدمية
أكبر حزمة استثمارية
500 مليون $
حزمة حسياء (تمثل 41% من الإجمالي)

اتجاه أعداد الزوار (2025-2026)

تفصيل المشاركة (ألف جهة)

الأرقام المالية في السياق (مليار $)

فجوة التنفيذ (تقديري)

تحليل الفجوة بين الإعلان والتنفيذ

العقود الملزمة
غير معلن
لم تُنشر حصة العقود الملزمة ضمن المخرجات
مذكرات التفاهم
نوايا
تم جمعها مع العقود في سلة واحدة دون تفصيل
مصدر التمويل
غير واضح
لم يُعلن عن موازنة التنظيم أو رسوم الرعاية
التنفيذ الفعلي
معلق
يتوقف على وصول الأموال والكهرباء والآلات

الخلاصة النقدية: نجح المعرض في توسيع دائرة الاتصالات، لكن الرقم الأكبر (1.23 مليار دولار) هو خليط من العقود ومذكرات التفاهم والطلبات، وليس أموالاً دخلت البلاد. غابت الشفافية في تفصيل بنود المخرجات، ولم تُنشر موازنة التكاليف، بينما تُرك الحكم معلقاً على مصير المشروعات التي تحتاج إلى تمويل وتنفيذ فعلي لتتحول من استعراض إلى اقتصاد حقيقي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *