سوريا أمام انتقال العبء الأمني: واشنطن تغادر العراق وتفتح باب التسليح لسلطة دمشق

يقدم المشهد الإقليمي مقاربة صعبة لسلطة دمشق، فمع نهاية أيلول، تحركت واشنطن لإنهاء وجودها في العراق، ورفعت سوريا من قائمة الرفض الشامل لصادرات الأسلحة والخدمات الدفاعية، في وقت كانت حافلة مدنية تتعرض لإطلاق النار قرب حمص، وشبكة الكهرباء السورية تفقد محطات توليد إثر انفجار خط غاز.

تحمل هذه الصورة احتمال انتقال عبء ضبط المجال الأمني إلى دول المنطقة، فيما تحتفظ الولايات المتحدة بأدوات التأثير من مسافة أبعد.

عمليا فإن التزامن بين تلك الأحداث يحتاج لقراءة واضحة، حيث اكتمل الانسحاب الأميركي من العراق في 30 أيلول 2026، ودخل تعديل سياسة الصادرات الدفاعية إلى سوريا حيز التنفيذ في الأول من تشرين الأول.

نحن أمام تقارب زمني واضح، لكنه لا يثبت وجود ترتيب مشترك معلن، لكن تلك التطورات تطرح سؤالا أساسيا، فمن سيتولى احتواء المخاطر التي كانت القوات الأميركية جزءا من آلية مواجهتها؟

خروج القوات لا ينهي النفوذ

أبقت واشنطن على دعم تدريبي واستخباراتي للعراق بعد انتهاء مهمة التحالف، فمغادرة القواعد تغير طريقة ممارسة النفوذ وكلفته، ولا تمحو العلاقات الأمنية التي تراكمت حولها.

ستتحمل بغداد مسؤولية أكبر في التنفيذ الميداني، بينما يبقى التعاون الأميركي موردا يمكن طلبه أو التفاوض عليه.

بالنسبة إلى سوريا، تمتد أهمية هذا التحول عبر الحدود، فمكافحة تنظيم الدولة تعتمد على تعقب شبكات تتحرك بين مناطق متباعدة، وعلى تبادل المعلومات وسرعة الاستجابة، وإذا ضعفت إحدى حلقات التنسيق، ستظهر الكلفة في الجانب الآخر من الحدود، فالجغرافيا هنا لا تعترف بسهولة بتقسيم المسؤوليات بين وزارات وحكومات.

الانسحاب لا يجعل عودة التنظيم نتيجة حتمية، فالعامل الحاسم هو قدرة المؤسسات العراقية والسورية على تحويل المعلومات إلى عمليات مستمرة، ومنع المسلحين من الاستفادة من اختلاف السلطات وتباعد أولوياتها.

الفراغ الأمني يبدأ عندما يعرف الجميع بوجود التهديد، ولا تكون جهة محددة قادرة على ملاحقته حتى النهاية.

باب التسليح وشروطه

القرار الأميركي بشأن سلطة دمشق يفترض فتح مجال استراتيجي جديد، فطلبات نقل المعدات والخدمات الدفاعية بات خاضعا للنقاش.

لكن مسألة صفقات السلاح بين سلطة دمشق وواشنطن تخضع لاعتبارات معقدة خصوصا بما يتعلق بـ”إسرائيل”، فالقرار الأمريكي برفع الحظر هو ترتيب سياسي أكثر منه عسكر، ولا يتضمن إعلان صفقة، أو ضمان تسليم، أو التزاما بالدفاع عن سوريا. قيمته المباشرة أنه يتيح بحث تعاون عسكري بعدما كان الرفض الشامل نقطة البداية.

يمكن قراءة الخطوة باعتبارها توسيعا لاحتمالات التعامل مع السلطات الحالية في ملفات الأمن، ولا يعني أن واشنطن سلمتها مهمة إقليمية جاهزة، فالمسؤولية الأمنية لا تنتقل بقرار ترخيص وحده؛ تحتاج إلى قيادة منضبطة، وتدريب، وصيانة، وتمويل، وقواعد واضحة لاستخدام القوة.

المشكلة في سياسة سلطة دمشق هي مدى استعدادها لإخضاع القوة للمساءلة، مع سعيها إلى توسيع أدواتها العسكرية، فالانفتاح على التسليح يفقد قيمته الأمنية إذا لم يصاحبه وضوح في صلاحيات الأجهزة ومسؤولية قياداتها عن التجاوزات والإخفاقات.

سيعزز السلاح قدرة السلطة على فرض قراراتها، بينما تبقى قدرتها على حماية السكان موضع شك.

الطريق والكهرباء مقياسان للسيادة

يكشف الهجوم على حافلة قرب جسر مصياف مساء 30 أيلول، وأوقع سبعة قتلى وأربعة جرحى، حجم الفجوة بين توسيع المسؤولية الأمنية لسلطة دمشق وقدرتها على حماية السكان.

مع انتهاء الوجود العسكري الأميركي في العراق وفتح باب مراجعة طلبات التسليح السورية، تصبح كفاءة المؤسسات المحلية أكثر أهمية في ضبط الأمن، وبقاء هوية المهاجمين مجهولة يمنع تحميلها إلى تنظيم الدولة.

الضحايا من قرية سبق أن تعرضت لجرائم وينتمون إلى طائفة محددة، والتحقيق بها يواجه سؤالا إضافيا عن مسألة الاستهداف الطائفي، فهل تستطيع سياسة سلطة دمشق توفير حماية يثق بها السكان، وملاحقة المسؤولين ضمن مسار قضائي واضح؟

استمرار الجرائم من دون حسم يدفع الأهالي إلى البحث عن حماية محلية، ويمنح القوى المسلحة دورا على حساب المؤسسات، فتتسع المسؤولية الأمنية الملقاة على الدولة، فيما تتراجع سلطتها الفعلية على الأرض.

كما يكشف قطاع الطاقة أيضا هشاشة مماثلة، حيث أدى انفجار خط الغاز المغذي لمحطة تشرين إلى خروج ثلاث محطات توليد من الخدمة، وفي وقت سابق قالت الشركة السورية للبترول إن حريق خط الغاز بين الشولا ودير الزور نتج عن تخريب.

تضع هشاشة شبكة الطاقة حدودا عملية لأي دور أمني أوسع تتولاه سلطة دمشق، فتعطل الكهرباء يربك الإنتاج والمياه والخدمات، ويستنزف موارد تحتاجها الدولة لتثبيت الاستقرار.

مع انتقال مزيد من المسؤولية الأمنية إلى حكومات المنطقة، تصبح حماية هذه الشبكة جزءا من قدرة سوريا على تحمل العبء الجديد، فتح باب التسليح لن يسد هذه الثغرة وحده؛ فتبقى قدرة سلطة دمشق موضع اختبار ما دام خلل في نقطة واحدة قادرا على تعطيل الخدمات في محافظات كاملة.

هل تتشكل منظومة أمنية جديدة؟

يرسم الانسحاب الأميركي من العراق وتخفيف قيود التسليح عن سوريا ملامح انتقال نحو تحميل حكومات المنطقة مسؤولية أمنية أكبر، مع احتفاظ واشنطن بأدوات الدعم والتأثير.

هذا التقارب لا يثبت وجود خطة مشتركة معلنة، لكنه يضع سلطة دمشق أمام فجوة بين اتساع الدور الذي يطلب منها وقدرة مؤسساتها على أدائه، وسيكشف حجم التعاون الفعلي وشروطه مقدار ما تستعد واشنطن لتقديمه، وما تتوقع من سلطة دمشق تحمله.

خلال الأشهر المقبلة، ستواجه سلطة دمشق اختبارا يتجاوز قدرتها على انتزاع الاعتراف الخارجي، يظهر في مدى استعدادها لبناء مؤسسات تحاسب على أدائها، وتملك صلاحيات واضحة بعيدا عن الولاءات الشخصية.

الرهان على التقارب مع واشنطن لتثبيت السلطة يوسع التزاماتها الأمنية من دون معالجة ضعف إدارتها في الداخل، وإذا ظل القرار محصورا في دائرة ضيقة والمساءلة مؤجلة، فسيمنحها الانفتاح الأميركي دعما سياسيا فيما تبقى قدرتها على تحمل المسؤولية الجديدة محدودة.

تواجه السلطة بسوريا اختبارا أصعب من الحصول على الاعتراف أو شراء المعدات، فالمواطن يقيس الأمن بعودته من العمل، وبوصول الكهرباء، وبمعرفة مصير التحقيق في جريمة قريبة منه، وهنا تحديدا سيتقرر معنى التحول الجاري، فهل تتسع مسؤولية الدولة مع قدرتها، أم تتراكم عليها مهام جديدة أسرع مما تستطيع تنفيذها؟

انتهاء الوجود العسكري الأميركي في العراق وفتح باب مراجعة طلبات التسليح السورية يوسّعان مسؤولية المؤسسات المحلية. الحماية الفعلية تبقى اختباراً لقدرتها على تحمل هذا التحول.

الخط الزمني: قراران متجاوران، لا خطة مشتركة مثبتة

اضغط على كل حدث لقراءة الواقعة ودلالتها. تاريخ الحدث مميز عن تاريخ نفاذ القرار.

28 أيلول 2026حريق خط الغاز بين الشولا ودير الزور
نسبت الشركة السورية للبترول الحريق إلى التخريب، وتوقف ضخ الغاز من معمل الجبسة إلى محطات التوليد. هذه نسبة رسمية للسبب، ولا تحدد هوية المنفذين.
30 أيلول 2026اكتمال الانسحاب الأميركي من العراق
أُعلن انتهاء مهمة التحالف، مع استمرار دعم أميركي تدريبي واستخباراتي. تنتقل مسؤولية التنفيذ الميداني بصورة أكبر إلى المؤسسات العراقية.
30 أيلول 2026هجوم الحافلة وتعطل محطات الكهرباء
قُتل سبعة مدنيين وأُصيب أربعة قرب جسر مصياف. وفي واقعة منفصلة، أدى انفجار خط الغاز المغذي لمحطة تشرين إلى خروج ثلاث محطات توليد من الخدمة. لا يثبت التقارب الزمني وجود فاعل مشترك.
1 تشرين الأول 2026نفاذ تعديل سياسة الصادرات الدفاعية إلى سوريا
أُزيلت سوريا من سياسة الرفض الشامل ضمن لوائح تجارة الأسلحة الأميركية. أصبحت طلبات التراخيص تُدرس حالةً بحالة؛ ولا يعلن القرار صفقة أو ضمان توريد أو التزاماً بالدفاع عن سوريا.

ما الذي تغيّر في توزيع المسؤولية؟

العراق | انتقال معلن في المهمة
بغدادمسؤولية أكبر عن الأمن والتنفيذ الميداني ومواجهة بقايا تنظيم الدولة.
واشنطندعم تدريبي واستخباراتي بعد مغادرة القوات.
سوريا | تغيير معلن في شروط التعاون
دمشقإمكانية تقديم طلبات تعاون دفاعي قابلة للمراجعة؛ دور أمني أوسع يظل استنتاجاً تحليلياً.
واشنطنتحتفظ بقرار الموافقة على كل طلب، من دون ضمان توريد معلن.

قراءة المقال: تخفيف الحضور العسكري المباشر قد يزيد الاعتماد على الحكومات المحلية. لا يكفي توقيت القرارين لإثبات أن واشنطن عهدت إلى دمشق بمهمة إقليمية محددة.

ضغط ميداني موثّق على الحماية والخدمات

انفجار خط غاز محطة تشرين

30 أيلول | محطات توليد خرجت من الخدمة

3

تشرين · دير علي · الناصرية

عدد المحطات لا يساوي نسبة القدرة الكهربائية المفقودة. لا تتوافر في هذه اللوحة بيانات تسمح بقياس تلك النسبة.

كيف يمتد أثر العطل؟
اضطراب الغاز يوقف التوليد، فيضغط انقطاع الكهرباء على الإنتاج والمياه والخدمات، ويستهلك موارد الإصلاح. هذا مسار أثر تحليلي، وليس تقديراً رقمياً للخسائر.

اختبار دمشق: الاعتراف الخارجي وقدرة المؤسسات

المحاور التالية قراءة تحليلية، وليست درجات أو مؤشرات كمية.

المساءلة وصلاحيات الأجهزة
فتح باب التسليح لا يعالج وحده غموض المسؤوليات. قيمة التعاون تتوقف على وضوح القيادة، وضبط استخدام القوة، وإمكانية محاسبة المسؤولين على التجاوزات والإخفاقات.
حماية السكان والثقة بالمؤسسات
غياب الحسم القضائي في الجرائم قد يدفع السكان إلى ترتيبات حماية محلية. عندها تتوسع مسؤولية الدولة رسمياً، بينما تنكمش سلطتها الفعلية.
تنظيم الدولة والتنسيق عبر الحدود
التهديد المستمر يستلزم تبادل المعلومات ومتابعة الشبكات العابرة للحدود. الانسحاب الأميركي لا يجعل عودة التنظيم حتمية؛ ضعف التنسيق قد يوسع فرص نشاطه.
كلفة الدور الأمني الجديد
إذا تقدمت الالتزامات على التمويل والتدريب وبناء المؤسسات، فقد تتحمل دمشق مسؤولية نتائج لا تملك وسائل التحكم فيها. الدعم السياسي الخارجي لا يكفي لسد هذه الفجوة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *