حين نشرت فايننشال تايمز في 9 تشرين الأول تحقيقها عن نقل أصول وشركات مرتبطة برجال أعمال من عهد البعث إلى الصندوق السيادي السوري، لم يكن السؤال الاقتصادي مقتصرا على حجم المحفظة.
عمليا أشارت الصحيفة إلى تقدير سابق بلغ 50 مليار دولار، وإلى أصول تمتد من العقارات والمصانع إلى المصارف والمراكز التجارية، فيما تدير شركات مرتبطة بالصندوق أعمالا توفر فرص عمل لأكثر من 40 ألف شخص.
وبعد يومين، نفت وزارة المالية أن يكون الوزير أعلن رقما لقيمة الأصول، وبين الرقم المتداول والنفي الرسمي تظهر المشكلة الأعمق، حيث لا تتوافر حتى الآن صورة عامة قابلة للتحقق عن ماهية الأصول وقيمتها وملكيتها.
ضمن الأساسيات الاقتصادية فإن تجميع الأصول في مؤسسة واحدة لا يكفي لظهور ثروة منتجة، فالأمر يتعلق بقواعد إدارتها، ووضوح حقوق ملكيتها، وقدرتها على تحقيق عوائد تصل إلى المجتمع.
الرقم ليس ثروة جاهزة للإنفاق
ينبغي التعامل بحذر مع تقدير الـ50 مليار دولار، وقيمة الأصول الثابتة لا تعني أن لدى الصندوق هذا المبلغ نقدا للاستثمار أو لتغطية نفقات الإعمار، فالمحفظة تضم أحيانا أرضا أو شركة متعثرة أو عقارا يصعب بيعه، ولكل منها قيمة نظرية وأخرى سوقية، فيما يتطلب تقدير القيمة الفعلية معرفة الالتزامات والديون والنزاعات القانونية المرتبطة بها.
تزيد الحاجة إلى توضيح منهجية التقييم بعدما نفت وزارة المالية صدور الرقم عن الوزير، كما أن تقديرا آخر نشر في أيار تحدث عن نحو ألفي عقار بقيمة 2.5 مليار دولار؛ وهو يخص فئة عقارية محددة، ولا يمكن مقارنته مباشرة بمحفظة يقال إنها تشمل قطاعات وأصولا أوسع.
المطلوب ليس المفاضلة بين رقمين، بل نشر سجل يحدد الأصول المشمولة، وتاريخ تقييمها، والجهة التي قيمتها، وما إذا كانت القيمة تقديرية أو مدققة.
استرداد الأصول لا يحسم ملكيتها
يمكن لاستعادة أصول تعود لمقربون من السلطة السابقة أن تعيد موارد عامة إلى الدولة، وأن تتيح تشغيل منشآت متوقفة أو تحسين إدارتها، لكن وصف الأصل بأنه “مصادر” لا يحسم وحده مشروعية انتقاله إلى مالكه السابق أو إلى الدولة اليوم.
بعض رجال الأعمال المتضررين من المصادرات في عهد البعث ربما يطالبون باستعادة ممتلكات انتقلت إليهم لاحقا، وتتداخل هذه المطالبات مع حقوق عمال وموردين ودائنين.
من هذا المنظور تصبح إجراءات التحقق والتقاضي والتعويض جزءا من السياسة الاقتصادية، فإذا بقيت ملكية شركة أو أرض موضع نزاع، ارتفعت كلفة التمويل والتأمين، وتردد المستثمر في بناء مشروع طويل الأجل عليها.
أما إذا حسمت المطالبات بإجراءات معلنة ومستقلة، فيمكن أن يتحول استرداد الأصول إلى سابقة تعزز الثقة بالقانون، لا إلى إعادة توزيع للملكية بقرار إداري، وضمان استمرار العمل وحماية العاملين مهم أيضا، لأنهم يتحملون سريعا كلفة أي تعثر في هذه المرحلة.
الصندوق كمدير للأصول وصانع للنفوذ
أنشأ المرسوم رقم 113 لعام 2025 الصندوق بصفة مؤسسة اقتصادية ذات شخصية اعتبارية واستقلال مالي وإداري، لكنه ربطه برئاسة الجمهورية، وحدد أهدافا تشمل تنفيذ مشروعات إنتاجية وتحويل الأصول الحكومية غير المستثمرة إلى أدوات للتنمية.
يمنح التشريع قدرة على جمع أصول متفرقة والتفاوض مع المستثمرين عبر جهة واحدة، لكن اتساع الدور، من العقار إلى الصناعة والمصارف والاتصالات، يجعل السؤال عن حدود صلاحياته ورقابته أكثر إلحاحا.
حين تختصر المؤسسة الإجراءات وتدير الأصول بكفاءة تنخفض كلفة الاستثمار، لكن اجتماع سلطة تحديد الأصل، واختيار الشريك، والتفاوض على شروط المشروع، مع محدودية الإفصاح، يضعف قدرة الجمهور على تقييم القرار.
من دون نشر العقود والمعايير وتضارب المصالح، يصعب التمييز بين اختيار اقتصادي يحقق أفضل عائد للدولة واختيار يمنح امتيازا لشبكة محددة، ووصف الصندوق بأنه “سيادي” لا يغني عن تحديد تفويضه، فهل يستثمر أموالا عامة وفق عائد ومخاطر معلنين، أم يدير شركات وأصولا حكومية وينفذ مشروعات تنموية؟ وباختلاف المهمة يقتضي اختلاف أدوات المحاسبة.
الاستثمار الخليجي يحتاج إلى يقين قانوني
تمنح الشراكات الخارجية الصندوق طريقا إلى التمويل والخبرة والأسواق، ويظهر ذلك في مشروع “دمشق الجديدة” مع شركة أرادا التي أعلنت أن قيمته التطويرية الإجمالية المقدرة تبلغ سبعة مليارات دولار.
القيمة المعلنة لمشروع عقاري لا تعني أن هذا المبلغ دخل سوريا نقدا أو أصبح تمويلا متاحا فورا؛ فالتنفيذ يتوقف على التمويل الفعلي، والطلب، والبنية التحتية، ووضوح حقوق الأرض.
يقبل بعض المستثمرين التعامل مع جهة مركزية تختصر البيروقراطية، لكن ذلك لا يلغي حاجتهم إلى معرفة من يملك الأصل ومن يتحمل المسؤولية إذا ظهر نزاع.
وتوفر مبادئ سانتياغو إطارا دوليا طوعيا يركز على الشفافية والمساءلة والإدارة الرشيدة، لكنها ليست شهادة تكتسب بمجرد إعلان النية في الالتزام بها، فالثقة تنشأ من الإفصاح المنتظم والتدقيق المستقل وإمكان التحقق من القرارات.
الاختبار في النتائج المنشورة
يمثل الصندوق فرصة لإعادة تشغيل أصول مجمدة وتوجيهها نحو الإنتاج، لكنه يكرس أيضا تركز القرار الاقتصادي إذا بقيت قواعد إدارته غامضة.
يتوقف المسار على ما ستنشره الحكومة حول قائمة الأصول وحالتها القانونية، وحسابات مدققة، وآلية معلنة لاختيار الشركاء، وبيانات تبين الإيرادات والاستثمار والوظائف التي أضافتها المشروعات.
دلالة تحقيق فايننشال تايمز في أنه وضع أمام المستثمرين والسوريين سؤالا واحدا؛ فهل تتحول الأصول العامة إلى رأس مال منتج يخضع للمساءلة، أم إلى مركز نفوذ يصعب تتبع قراراته؟
لا تجيب قيمة المحفظة عن ذلك؛ الأمر مرتبط بسجل الملكية، والعقود، والحسابات، والنتائج التي يمكن للناس مراجعتها.
إنفوغراف تحليلي | اقتصاد سوريا
الصندوق السيادي السوري: أصول كبيرة وأسئلة مفتوحة
ما الذي تقوله الأرقام عن محفظة الصندوق، وما الذي لا تقوله؟ اختر أحد المحاور لقراءة دلالة الأصول والملكية والحوكمة والاستثمار.
الأرقام لا تقع على مقياس واحد
قيمة الأصول، وتقدير العقارات، والقيمة التطويرية لمشروع، وعدد العاملين، مؤشرات مختلفة. جمعها في رقم واحد أو عرضها بأعمدة متساوية المقياس سيعطي انطباعاً مضللاً.
سلسلة الملكية هي مفتاح القيمة
استرداد أصول عامة قديمة يمكن أن يعيد منشآت إلى الإنتاج، لكنه لا يحسم تلقائياً حقوق الملكية أو مطالبات من يقولون إنهم تضرروا من مصادرات سابقة.
الاستقلال الإداري يحتاج إلى مساءلة معلنة
مرسوم إنشاء الصندوق منحه شخصية اعتبارية واستقلالاً مالياً وإدارياً، وربطه برئاسة الجمهورية. هذا البناء قد يسهّل تجميع الأصول واتخاذ القرار، لكنه يجعل وضوح الرقابة والإفصاح ضرورياً.
- سجل منشور للأصول وقيمتها وتاريخ تقييمها
- حسابات سنوية مدققة من جهة مستقلة
- قواعد معلنة لاختيار الشركاء وإرساء العقود
- آلية واضحة لمعالجة تضارب المصالح ومطالبات الملكية
الصفقة المعلنة ليست بعدُ نتيجة اقتصادية
قد تختصر جهة مركزية التعامل مع الدولة وتسرّع الاستثمار، لكن المستثمر يحتاج كذلك إلى يقين بشأن الملكية والعقود والتمويل والبنية التحتية.

