في الأنظمة الانتقالية، حيث تتآكل اليقينيات وتُعاد صياغة موازين القوة، لا تكون الرموز أقل أهمية من القرارات، بل تسبقها في التأثير، وحضور الرئيس الانتقالي أحمد الشرع مؤتمر “وحدة الخطاب الإسلامي” في دمشق لم يكن تفصيلاً بروتوكولياً، بل بياناً سياسياً مكثفاً بلغة الصورة والمكان والتوقيت.
في لحظات التحول العميق، تتحول المنصات إلى خرائط، والكلمات إلى إشارات استراتيجية، وعندما يختار رأس السلطة الانتقالية منصة دينية للظهور العلني والمخاطبة، فإنه يعيد ترتيب العلاقة بين الدولة والمجال الديني، ويبعث برسائل متقاطعة إلى الداخل والخارج في آن.
المؤتمر المعني بـ”وحدة الخطاب الإسلامي” ليس حدثاً تخصصياً معزولاً عن المجال العام؛ إنه مساحة تتقاطع فيها الأسئلة اللاهوتية مع رهانات الهوية الوطنية، وتتداخل فيها الدعوة الدينية مع هندسة الاستقرار السياسي، ولا يمكن قراءة حضور الشرع إلا بوصفه فعلاً سياسياً بامتياز، ينطوي على دلالات تتجاوز ظاهر المناسبة، ويستدعي تفكيكاً دقيقاً لبنية الخطاب وسياقه، وللشروط التاريخية التي تجعل من الدين، مرة أخرى، محوراً في إعادة تعريف الدولة السورية في طورها الانتقالي.
دلالات الحضور — إعادة تموضع في الحقل الرمزي
في لحظة انتقال سياسي، تبحث السلطة عن شرعيتها في أكثر من مستوى؛ الدستوري الشعبي والدولي، وهناك مستوى رابعاً يُهمَل في التحليلات هو المستوى الرمزي-الثقافي، وحضور الرئيس الانتقالي مؤتمراً دينياً يحمل ثلاث إشارات أساسية:
- استعادة المجال الديني من الهامش إلى المركز
شهدت السنوات الماضية في سوريا تحييداً للدين ومحاولة وضعه داخل المجال العام ضمن مساحة “الإيمان” وبأقل تأثير على القرارات السيادية السياسية، والحضور الرئاسي في مؤتمر يعنى بـ”وحدة الخطاب الإسلامي” يؤشر على محاولة إعادة تنظيم العلاقة بين الدولة والمؤسسة الدينية، ليس عبر القطيعة، بل عبر الاحتواء المؤسسي، والرسالة هنا مزدوجة:
- إلى الداخل أن الدين ليس ساحة هامشية، بل شأن عام يدخل في صلب الاهتمام “الرئاسي”.
- إلى الخارج بأن المرحلة الانتقالية لا تعني فراغاً أيديولوجياً أو فوضى في المرجعيات.
- البحث عن شرعية اجتماعية موازية للشرعية السياسية
في المجتمعات التي أنهكتها الحرب، تتآكل الثقة في المؤسسات السياسية بسرعة، بينما تبقى البنى الدينية أكثر تماسكاً، بحكم امتدادها الاجتماعي، والظهور في مؤتمر ديني يمنح القيادة الانتقالية منصة للتماس المباشر مع قاعدة اجتماعية واسعة، والحضور الرئاسي ليس استدعاءً للدين كأداة تعبئة فقط، بل توظيفاً له كمساحة لشد عصبية “السلطة” في لحظة هشّة.
- ضبط مفهوم “وحدة الخطاب” في سياق التعدد
عنوان المؤتمر، “وحدة الخطاب الإسلامي”، يحمل في ذاته توتراً مفاهيمياً، فالوحدة تعني التنسيق، أو الانزلاق إلى التوحيد القسري، وحضور الرئيس يطرح سؤالاً: هل المقصود توحيد المرجعية الفقهية؟ أم توحيد الموقف من قضايا الدولة والمواطنة؟
الفرق بين المعنيين جوهري؛ الأول ديني صرف، والثاني سياسي بامتياز.
تحليل الخطاب — بين البراغماتية الأخلاقية وإعادة تعريف الدولة
في الندوة الحوارية، جاء خطاب أحمد الشرع مشبعاً بثلاثة محاور؛ الاستقرار والاعتدال والدولة الجامعة، غير أن القراءة التحليلية تتطلب تجاوز المفردات إلى ما تحمله من بنية فكرية.
- لاعتدال كإطار أمني لا لاهوتي
حين يُستخدم مفهوم “الاعتدال” في السياقات الانتقالية، فإنه غالباً ما يُحمَّل بمعنى سياسي أكثر منه ديني، فهو لا يعني فقط رفض التطرف، بل يعني أيضاً تجفيف منابعه الاجتماعية والاقتصادية.
الخطاب ربط بين تجديد الخطاب الديني والاستقرار الوطني، ما يكشف رؤية ترى في الانضباط الديني عنصراً من عناصر الأمن المجتمعي، هذه مقاربة براغماتية، لكنها تنطوي على خطر اختزال الدين إلى وظيفة ضبط اجتماعي.
- الدولة المدنية بمرجعية ثقافية
من خلال الإشارات إلى “الدولة الجامعة” و”احترام التنوع”، يبدو أن الخطاب سعى إلى طمأنة الأقليات والتيارات غير الدينية، غير أن السؤال الجوهري هل طُرحت هذه المفاهيم بوصفها حقوقاً دستورية غير قابلة للتفاوض، أم بوصفها فضائل أخلاقية؟
الفارق هنا ليس لغوياً، بل بنيوي، فالدولة التي تؤسس مواطنيتها على الحق تختلف جذرياً عن دولة تمنح التعدد بصفته تسامحاً.
- إعادة تعريف العلاقة بين الدين والسياسة
اللافت في الخطاب بحسب ما يمكن استنتاجه أنه لم يذهب نحو علمنة صريحة، ولا نحو تديين السياسة، بل سعى إلى صيغة وسطى:
- دين حاضر في المجال العام، لكنه منضبط ضمن إطار الدولة.
- هذا التوازن هش بطبيعته، ويعتمد على قدرة المؤسسات لا الأشخاص.
السياق الأوسع — رسائل إلى الداخل والخارج
أي خطاب في دمشق اليوم يُقرأ على مستويين:
- داخلياً: المجتمع المنهك بالحرب يحتاج إلى سردية تعيد تعريف “الوحدة” بعيداً عن الإقصاء، فالمؤتمر محاولة لصياغة خطاب ديني يواكب الدولة الانتقالية ويعيد تعريف المجال العام حولها.
- خارجياً: ثمة مراقبة دولية دقيقة لمسار المرحلة الانتقالية، والظهور في مؤتمر ديني يثير تساؤلات لدى بعض العواصم، لكنه في الوقت ذاته يبعث رسالة بأن العملية السياسية ليست مقطوعة عن النسيج الثقافي المحلي.
بين الرمز والممارسة
حضور الرئيس الانتقالي أحمد الشرع مؤتمر “وحدة الخطاب الإسلامي” ليس حدثاً معزولاً، بل جزء من معركة أعمق حول تعريف الدولة السورية في مرحلة ما بعد الصراع.
هل ستكون دولة تُدار بمنطق أمني يستثمر الدين لضبط المجال العام؟
أم دولة تُعيد صياغة عقد اجتماعي يدمج المرجعية الثقافية في إطار دستوري تعددي واضح؟
الاختبار الحقيقي لن يكون في الكلمات التي قيلت في الندوة الحوارية، بل في السياسات التي ستتبعها:
- هل ستُترجم دعوات الوحدة إلى إصلاح مؤسساتي؟
- هل سيُفتح المجال أمام تنوع فقهي وفكري حقيقي؟
- وهل سيبقى الدين مساحة إجماع أخلاقي أم يتحول إلى أداة اصطفاف سياسي؟
في المراحل الانتقالية، لا يكفي أن تُطمئن الخطابات الجمهور؛ المطلوب أن تُبنى الثقة عبر مؤسسات، فالوحدة، إذا لم تُؤسَّس على العدالة، تتحول سريعاً إلى شعار، والشرعية، إذا لم تُدعَم بالممارسة، تبقى صورة في مؤتمر.
بين الدين والسياسة
حضور أحمد الشرع مؤتمر “وحدة الخطاب الإسلامي”
الدستورية
الإطار القانوني والحوكمة
معلنالشعبية
الرضا العام والقبول
متقلبالدولية
الاعتراف الخارجي
مراقبالرمزيَّة – الثقافيَّة
المجال الديني · الأنساق الرمزية
المؤتمر • المركزهل تُترجم الوحدة إلى إصلاح مؤسساتي؟
تنوع فقهي حقيقي أم خطاب واحد؟
هل يبقى الدين مساحة إجماع أم يتحول إلى اصطفاف؟
إلى الداخل
المجتمع المنهك بالحرب يحتاج سردية وحدة غير إقصائية. المؤتمر يحاول صياغة خطاب ديني يواكب الدولة الانتقالية ويعيد تعريف المجال العام.
إلى الخارج
رسالة مفادها أن العملية السياسية غير مقطوعة عن النسيج الثقافي المحلي، وسط مراقبة دقيقة لكيفية إدارة الملف الديني.
“الوحدة، إذا لم تؤسَّس على العدالة، تتحول سريعًا إلى شعار، والشرعية، إذا لم تدعم بالممارسة، تبقى صورة في مؤتمر.”

