انتهت حرب غزة، لكن الشرق الأوسط لم يعد كما كان، فالمدن المهدمة يمكن إعادة إعمارها، والبنى التحتية تُرمم عبر الزمن، غير أن التحول الأعمق جرى في مستويات أخرى؛ في طريقة إدارة الحرب نفسها.
كشفت غزة عن نموذج قتال جديد، ليس فقط من حيث التكتيك، بل من حيث طبيعة القرار، فالحرب لم تعد مواجهة بين إرادات بشرية فحسب، بل صارت أيضا تفاعلا بين إرادة سياسية وخوارزمية حسابية.
في تاريخ هذه المنطقة، كانت الجغرافيا دائما الحاكم الخفي، من الصحارى والجبال والموانئ والمضائق، وكلها رسمت حدود القوة، واليوم، أُضيفت جغرافيا جديدة.. جغرافيا البيانات.
في غزة، تجلى هذا التحول بوضوح، فكانت الطائرات تحلق، لكن المعركة الحقيقية كانت تُخاض في مراكز تحليل، حيث تُدمج صور الأقمار الصناعية بإشارات الاتصالات، وتُحول الحركة البشرية إلى أنماط رقمية.
لكن ما بدا تفوقا تقنيا محضا، كان يحمل في طياته توترا أعمق، فهل تستطيع الخوارزمية أن تفهم الشرق الأوسط؟
المنطقة التي تقاوم النماذج
الشرق الأوسط بطبيعته مقاوم للنمذجة؛ إنه فضاء تتداخل فيه القبيلة بالدولة، والدين بالسياسة، والذاكرة بالتاريخ، وفي مثل هذه البيئة، تبدو فكرة تحويل السلوك البشري إلى بيانات قابلة للتنبؤ مغرية وخطيرة في آن.
في غزة، عملت التكنولوجيا على تسريع دورة القتل، فالأهداف تُحدد بسرعة، والقرارات تُتخذ خلال دقائق، لكن المنطقة لا تُدار بالسرعة وحدها، بل بالتوازنات الدقيقة، وبالرمزية، وبحسابات الشرف والهيبة، وضربة دقيقة تُحقق مكسبا عسكريا، لكنها تُنتج سردية طويلة الأمد تتجاوز أثرها المادي، فالخوارزمية تفهم الحركة، لكنها لا تفهم الذاكرة.
نهاية الحرب وبداية النموذج
مع انتهاء الحرب، يتضح أن ما جرى في غزة لم يكن مجرد جولة في صراع مستمر، بل كان اختبارا لنمط جديد من الحروب، فلم يعد التفوق يُقاس بعدد الدبابات أو الطائرات، بل بقدرة الدولة على دمج الذكاء الاصطناعي في بنيتها العملياتية، ومن يملك البيانات، يملك القدرة على الضرب أولا.
لكن الضرب أولا لا يعني الحسم، حيث أظهرت غزة أن التفوق التكنولوجي لا يُترجم تلقائيا إلى استقرار سياسي، فكل ضربة، مهما بلغت دقتها، كانت تُنتج ارتدادات سياسية داخلية وخارجية، وفي زمن الاتصال اللحظي، لا توجد معركة محلية، فكل حدث يتحول إلى خطاب، وكل خطاب يتحول إلى ضغط.
النموذج القادم لحروب الشرق الأوسط لن يكون فقط صراعا على الأرض، بل صراعا على سرعة تفسير الحدث.
من الحرب الصناعية إلى الحرب الخوارزمية
في القرن العشرين، كانت الحروب الصناعية تعتمد على الكتلة، من عدد الجنود وكثافة النار وعمق الجبهة، أما الحروب المقبلة، فستعتمد على الخوارزمية، وستصبح المعركة سباقا بين أنظمة تحليل، وبين قدرات على استشراف السلوك.
الدول الخليجية تستثمر بكثافة في الذكاء الاصطناعي العسكري، وإيران، رغم العقوبات، تطور قدرات غير متماثلة تعتمد على الشبكات واللامركزية، وتركيا تمزج بين الطائرات المسيرة والبرمجيات، “إسرائيل” تُعمق دمج البيانات بالاستهداف، وكل طرف يدرك أن المستقبل ليس لمن يملك السلاح فقط، بل لمن يملك المعالجة، والشرق الأوسط، بتكوينه المعقد، سيظل يختبر حدود هذا التحول، لأن الحرب هنا ليست مسألة تقنية بحتة، بل مسألة هوية.
الإنسان في عصر السرعة
أخطر ما كشفته غزة هو احتمال تراجع المسافة بين التوصية الآلية والقرار السياسي، فعندما تُنتج الأنظمة قائمة أهداف خلال دقائق، يصبح الإغراء كبيرا بالمصادقة السريعة، لكن السياسة لا تتحرك بسرعة المعالج،
ففي هذه المنطقة من العالم، تؤدي حادثة واحدة إلى إشعال حدود متعددة، ويصبح القرار البشري أكثر أهمية لا أقل، فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يُحسن الكفاءة، لكنه لا يتحمل تبعات الخطأ، وعندما تتصاعد الأزمة، لا يُحاسب النظام البرمجي، بل يُحاسب القائد، فالنموذج القادم لن يلغي الإنسان، بل سيضعه تحت ضغط غير مسبوق: ضغط السرعة.
الحروب المقبلة: أقل جيوش، أكثر أنظمة
غزة تشير إلى أن الحروب القادمة في الشرق الأوسط ستكون أقصر زمنا، لكنها أكثر كثافة معلوماتية، فلن تُحسم بالاحتلال الطويل بقدر ما ستُدار عبر ضربات دقيقة مدعومة بالتحليل الفوري.
ستصبح المدن ساحات بيانات، فكل مبنى يحمل إحداثية، وكل اتصال يُقرأ كإشارة، لكن هذا النموذج يحمل خطرا بنيويا، في الاعتماد المفرط على ما يمكن قياسه، وإهمال ما لا يمكن قياسه.
المنطقة تُنتج دائما مفاجآت، وهو ما يسميه بعض المنظرين “البجعات السوداء”، من انقلاب سياسي، واغتيال غير متوقع، وخطأ في الحسابات، وهذه الأحداث لا تظهر في الخوارزميات، لكنها تعيد رسم الخريطة.
توازن جديد للقوة
الحرب في غزة انتهت، لكن توازن الردع في المنطقة يتغير، والأطراف باتت تدرك أن التفوق في الذكاء الاصطناعي يمنح ميزة تكتيكية، لكنه لا يعفي من هشاشة استراتيجية، فالنظام الدقيق لا يمنع سوء التقدير.
النموذج القادم لحروب الشرق الأوسط سيكون هجينا، فهو مزيجا من الطائرات المسيرة، والهجمات السيبرانية، والذكاء الاصطناعي، والحرب النفسية، وسيظل محكوما بعامل قديم: السياسة، فالقوة في هذه المنطقة لا تُقاس فقط بقدرتها على التدمير، بل بقدرتها على احتواء النتائج.
بين الجغرافيا والبرمجيات
الشرق الأوسط كان دائما مسرحا لصراعات القوى الكبرى. واليوم، تُضاف إليه منافسة جديدة؛ من يملك الخوارزمية الأذكى، لكن كما لم تُلغ الطائرة الجغرافيا، لن تُلغي الخوارزمية السياسة.
غزة، بعد أن هدأ غبارها، تكشف عن درس بسيط وعميق، فالتكنولوجيا تغير شكل الحرب، لكنها لا تغير طبيعتها.
الحروب المقبلة في الشرق الأوسط ستكون أسرع وأكثر دقة واعتمادا على البيانات، لكنها ستظل محكومة بالإنسان بخوفه، بطموحه، وبسوء تقديره، فالبرمجيات لا تنتصر وحدها، إنما الإرادة السياسية التي تستخدمها تخسر أو تنصر.
هامش
استُلهم هذا المقال من أفكار وردت في دراسة:
Aaron Blair Wilcox & Chase Metcalf, AI Command and Staff—Operational Evidence and Insights from Wargaming, Military Strategy Magazine, Volume 10, Issue 4, Winter 2026.
الرابط: https://www.militarystrategymagazine.com/article/ai-command-and-staff-operational-evidence-and-insights-from-wargaming/
ما بعد غزة: الخوارزمية كحد جديد في جغرافيا القوة
الحروب الصناعية (القرن 20) ← الحروب الخوارزمية (القرن 21)
من أيام إلى دقائق: ضغط السرعة على القائد البشري
الدول الخليجية، إيران، تركيا، إسرائيل.. كل يدرك أن المستقبل لمن يملك المعالجة
الخطر البنيوي: الاعتماد المفرط على ما يمكن قياسه، وإهمال ما لا يمكن قياسه

