في قلب المشرق، حيث ينكسر العمران أمام الجغرافيا القاسية، تتبدى البادية السورية كمنطقة تختبر قدرة السلطة على البقاء أكثر مما تختبر قوتها، فهي تمتد كأوسع مساحة فراغ في الخريطة، وكأثقل عقدة أمنية في السياسة، فبين تدمر والتنف، تتداخل الجغرافيا بالتاريخ، والفراغ بالمعنى.
فعلى مدى السنوات الأخيرة، لم تهدأ الصحراء، حيث هجمات متقطعة، وكمائن غامضة، وعمليات تستهدف الجيش السوري القديم، وأحيانا جنودا أمريكيين، لتذكر الجميع أن الخطر في سوريا لا يختفي، بل يتغيّر شكله فقط.
ما حدث مؤخرا قرب تدمر لم يكن مجرد هجوم عابر، إنما أعاد فتح السؤال الأهم؛ فهل البادية السورية منطقة يمكن “السيطرة” عليها فعلا، أم أنها كيان جغرافي – سياسي خارج منطق الهيمنة التقليدية؟
تدمر… عقدة الجغرافيا وإرث الأمن المفقود
منذ فجر التاريخ، كانت تدمر مدينة الحدّ الفاصل بين الإمبراطورية والفراغ والسلطة والبادية. واليوم، وبعد أن صارت مرّتين ميدانا للحرب، عادت لتؤدي الدور نفسه ولكن بلغة جديدة تتراوح بين لغة الأمن والتهديد.
حين حررها الجيش السوري بمساندة القوات الروسية عام 2016 بدا وكأن السيطرة العسكرية استعادت رمزية المكان، لكن سرعان ما سقطت المدينة مجددا، لتُثبت أن الجغرافيا في البادية لا تُحتل، بل تُساكن بحذر.
فالمكان الذي كان في الماضي مركزا للقوافل والتجارة، صار اليوم عقدة أمنية لا يمكن الإمساك بها دون فهم طبيعتها المزدوجة، مفتوحة كالرمال ومغلقة كالأسرار.
الصحراء كمرآة للسياسة لا ساحة للحرب
من الناحية العسكرية، تبدو العمليات في البادية “متوقعة”، فهي نتاج طبيعة الأرض القاسية واتساعها اللامحدود، لكنّ جوهر المشكلة ليس عسكريا، فالبادية، كما ترى الولايات المتحدة وعديد القوى الإقليمية، هي قضية سياسية لمنطقة تماسّ بين سلطات متعددة لا تفصلها حدود واضحة.
في تلك المنطقة تلتقي قوات “قسد” في الشمال الشرقي، وقوات النظام الممتدة من دمشق غربا، ومجموعات متبدلة الولاء جنوبا نحو السويداء ودرعا.
في هذا الموزاييك الممزّق، لا يمكن لأي جيش أن يفرض الأمن وحده، لأن السيطرة في البادية لا تُقاس بعدد الحواجز، بل بقدرة الأطراف على احتواء بعضها سياسيا.
أي حديث عن “تأمين البادية” يظل أقرب إلى الوهم منه إلى الاستراتيجية، فالمنطقة التي كانت قبل 2011 مجرد ممر خال، تحوّلت بعد الحرب إلى مساحة رمادية لا يمكن احتواؤها بالوسائل التقليدية.
البعد الإقليمي – من المثلث الحدودي إلى المتوسط
تتجاوز أهمية البادية حدودها السورية، فهي الحلقة الرخوة في أمن المشرق بأكمله، فمن الجنوب، تلامس حدود الأردن، ومن الشرق تنفتح على العراق، ومن الغرب تمتد نحو العمق السوري، ومن الشمال تتصل بخطوط الصراع الكردي.
الولايات المتحدة، التي تحتفظ بقاعدتها في التنف، تدير وجودها هناك لا كقوة احتلال فقط بل كـ”عين سياسية” تراقب المشهد بأكمله، ووجودها لا يهدف إلى ضبط الصحراء بقدر ما يسعى إلى التحكم باتجاهات الصراع السوري والإقليمي.
ومن هذه النقطة بالتحديد، تتقاطع كل مشاريع النفوذ في الشرق الأوسط:
- المشروع الإيراني الساعي إلى ربط طهران بالبحر المتوسط عبر العراق وسوريا ولبنان.
- والمشروع الأمريكي المقابل، الهادف إلى قطع هذا الامتداد من خلال شبكة قواعد وتفاهمات تمتد من الخليج حتى الساحل السوري.
هكذا تصبح البادية السورية الجبهة غير المعلنة بين قوتين عالميتين تتصارعان على خطوط الإمداد أكثر من تنافسهما على المدن.
تدمر مجددا… الإشارة لا الحادثة
الهجوم الأخير قرب تدمر، على أهميته العسكرية، يحمل دلالة سياسية تتجاوز حجم الحدث نفسه، فهو يعكس هشاشة المنظومة الأمنية التي تحاول القوى الخارجية تثبيتها، ويكشف أن البادية لا تزال عصيّة على التصنيف؛ فهي ليست منطقة حرب معلنة، وليست مستقرة تماما.
زيارة الوفد العسكري الأمريكي قبل الحادثة أوحت بأن واشنطن بدأت تدرك أن “إدارة الخطر” باتت أكثر تعقيدا من “مكافحته”، فالتعامل مع داعش أو غيرها لم يعد الهدف بحد ذاته، بل منع انفجار الفوضى التي تتجاوز سوريا إلى الأردن والعراق و”إسرائيل”.
ما لم يتم تأمين البادية، فإن المشرق كله يبقى مفتوحا على احتمال صراع داخلي – إقليمي يصعب احتواؤه.
الجغرافيا بوصفها قدرًا
لا شيء يفوق الجغرافيا سلطة، والبادية السورية تجسّد هذا الواقع بأوضح صوره؛ فهي ليست فراغا جغرافيا بل امتلاء بالتناقضات، فكل تل صغير فيها يمكن أن يتحول إلى خط تماس، وكل طريق ترابي يمكن أن يصير ممرا للتحالف أو للهجوم.
منذ 2011، كانت الصحراء مختبرا لكل التجارب الأمنية، ففيها انهارت نظريات مكافحة الإرهاب، وتكشف عجز الجيوش عن السيطرة على المكان.
ومع ذلك، ظلت البادية قلب الصراع السوري، لأنها ببساطة لا تنتمي إلى طرف واحد، بل تُعيد تعريف معنى “الطرف” ذاته.
إعادة تعريف الأمن السوري
البادية اليوم مفتاح الفهم الجديد للأمن في سوريا، فاستقرارها لا يمكن أن يتحقق بالقوة العسكرية، ولا عبر انسحابٍ يتركها للفراغ، فالحل الحقيقي يبدأ حين تُعاد صياغة العلاقة بين الحدود والمركز، والسياسة والجغرافيا.
الأمن في سوريا لا يمكن أن يُبنى على خطوط تماسّ جامدة، بل على رؤية تتجاوز الجبهات إلى فكرة الدولة القادرة على احتواء جغرافيتها بدل الخوف منها، وعندها تتحول البادية من خطر إلى اختبار؛ ومن ساحة تهديد إلى مختبر لإمكانية التعايش بين القوى المتصارعة.
رمال تختزن الذاكرة والمستقبل
البادية السورية ليست فراغا أمنيا، بل مساحة معلقة بين الأزمنة، إنها ذاكرة الحرب السورية، ومرآة هشاشتها، ومختبر التحولات الإقليمية المقبلة، وما لم تُفهم بوصفها كذلك، ستظل تنتج مفاجآتها عبر هجمات متفرقة، وانهيارات موضعية، وصراعات لا تنتهي.
إنها ليست رمالا خامدة، بل رمالتفكر، وفي زمن تُعاد فيه خرائط الشرق الأوسط، تصبح هذه الرمال من ترسم الحدود الأخيرة، لا بين الدول فقط، بل بين فكرة الأمن ذاتها وفكرة البقاء.
البادية السورية: جغرافيا الفراغ والخطر في قلب المشرق المتحوّل
“البادية السورية ليست رمالًا خامدة، بل رمال تفكر، وفي زمن تُعاد فيه خرائط الشرق الأوسط، تصبح هذه الرمال من ترسم الحدود الأخيرة”

