لم تكن حلب مجرد مدينة صناعية عادية في الجغرافيا الاقتصادية السورية؛ بل كانت، حتى عام 2011، تمثل ما يشبه “المحرّك الصامت” للاقتصاد الوطني، وفق تقديرات غرف الصناعة، كانت حلب تحتضن ما يقارب 35 إلى 40% من القاعدة الصناعية السورية، وتساهم بنحو 30% من الناتج الصناعي، مع تركّز واضح في الصناعات النسيجية والغذائية والهندسية.
هذه الأرقام لا تُستحضر اليوم من باب الحنين، بل لأنها تكشف حجم الفجوة بين ما كانت عليه المدينة، وما آلت إليه بعد أكثر من عقد من الحرب وسنوات من التعافي المتعثر.
المؤتمر الطارئ الذي عُقد في غرفة صناعة حلب جاء ليضع هذه الفجوة على الطاولة بلا مواربة، فلم يكن مؤتمراً تقنياً بقدر ما كان جلسة مكاشفة سياسية–اقتصادية، تعكس إدراك الصناعيين أن المشكلة لم تعد في “الصدمة” بل في “الإدارة”.
من الدمار إلى الاختناق الهيكلي
تشير تقديرات صناعية محلية إلى أن أكثر من 60% من منشآت حلب الصناعية تعرضت لتدمير كلي أو جزئي خلال سنوات الحرب، وأن ما لا يقل عن 70 ألف عامل صناعي خرجوا من سوق العمل بين 2012 و2016.
الأخطر أن مرحلة ما بعد الحرب لم تشهد عودة متناسبة؛ فحتى عام 2024، لم يعد إلى العمل سوى 30 – 35% من الطاقة الصناعية السابقة، وغالباً بطاقة تشغيل لا تتجاوز نصف القدرة.
وفق هذه الأرقام يظهر الفارق بين الدمار الفيزيائي والاختناق الهيكلي، فالأول يمكن إعادة بنائه بالتمويل، أما الثاني فيحتاج إلى سياسات، وارتفاع تكاليف الإنتاج في حلب اليوم ليس رقماً نظرياً:
- تكلفة الطاقة تشكل بين 25 إلى 30% من كلفة المنتج الصناعي، مقارنة بـ10–15% في اقتصادات صناعية نامية.
- أسعار الكهرباء الصناعية ارتفعت خلال السنوات الأخيرة بنسب تقديرية تجاوزت 300% مع تقنين يدفع المصانع للاعتماد على المولدات، حيث تصل كلفة الكيلوواط المنتج بالديزل إلى ثلاثة أضعاف السعر الرسمي.
عملياً، وبعد 2024، لم تعد مصانع حلب تعمل ضمن شروط سوق تنافسية متوازنة، بل داخل منظومة كلف وسياسات تميل بوضوح ضد الإنتاج المحلي، فإضافة لكلف الإنتاج السابقة يتحمّل المنتج الحلبي أعباء لوجستية ونقل داخلي ارتفعت بأكثر من 200% مقارنة بما قبل 2019، فضلاً عن رسوم وضرائب متراكمة تشمل الإنفاق الاستهلاكي والضرائب التقديرية، حتى في ظل تشغيل جزئي لا يتجاوز 40–50% من الطاقة الإنتاجية.
في المقابل، يدخل المستورد الجاهز السوق المحلية محمّلاً برسم حدودي واحد، ودون تحمّل أي كلفة طاقة أو بنية تحتية أو عمالة محلية، بل مستفيداً أحياناً من تخفيضات جمركية جزئية لا تُقابلها سياسات حماية ذكية للمنتج الوطني، ففجوة السعر بين المنتج المحلي والمستورد اتسعت إلى حدود تتراوح بين 40 و70%، ما جعل الاستيراد خياراً أقل مخاطرة وأكثر ربحية من التصنيع، وحوّل بيئة العمل الصناعي من حاضنة للإنتاج إلى إطار يعاقبه اقتصادياً، ويكافئ من يتجاوزه.
الجمارك: سياسة تخفيف أم نصف حل؟
في محاولة لامتصاص الضغط، لجأت الحكومة السورية خلال الأعوام الأخيرة إلى تخفيض جزئي للرسوم الجمركية على بعض مستلزمات الإنتاج، خاصة المواد الأولية غير المتوافرة محلياً، ووفق بيانات رسمية منشورة، تراوحت التخفيضات بين30 و50% لبعض البنود الصناعية، مع توسيع قائمة المواد المعفاة جزئياً من الرسوم.
لكن المشكلة، كما يراها الصناعيون، أن هذه السياسة بقيت انتقائية وغير مكتملة، فالتخفيضات لم تشمل جميع المدخلات، كما أن الرسوم الأخرى (رسم الإنفاق الاستهلاكي، الرسوم المحلية، تكاليف التخليص) التهمت جزءاً كبيراً من الفائدة المتوقعة، فكلفة المادة الأولية المستوردة انخفضت نظرياً، لكنها بقيت مرتفعة فعلياً عند وصولها إلى خط الإنتاج.
الأخطر أن هذه التخفيضات لم تُرفق بسياسة حماية ذكية للمنتج المحلي خصوصا ًفي عام 2025، ما سمح بدخول سلع مستوردة – أحياناً بجودة أقل – تنافس المنتج الحلبي في سوق يعاني أصلاً من ضعف القدرة الشرائية.
المناطق الصناعية: بنية تحتية بلا حوكمة
في مدن ومناطق صناعية رئيسية مثل مدينة الشيخ نجار الصناعية، تظهر المفارقة بوضوح؛ استثمارات ضخمة في الأرض والمقاسم، مقابل خدمات لا ترقى إلى الحد الأدنى من معايير المناطق الصناعية الحديثة.
الصناعيون يتحدثون عن:
- تراجع مستوى الصيانة والخدمات.
- سرقات متكررة ترفع كلفة التأمين الذاتي.
- أسعار مقاسم وأراضٍ لا تتناسب مع العائد الفعلي على الاستثمار.
هذه ليست تفاصيل إدارية، بل عناصر تحدد قرار المستثمر بالبقاء أو المغادرة، فالصناعة، بطبيعتها، تبحث عن الاستقرار طويل الأمد، لا عن حلول مؤقتة.
فجوة الثقة: المشكلة غير المرئية
أزمة صناعة حلب ليست فقط أزمة موارد، بل حوكمة، فحينيشير الصناعيون إلى غياب الردود الحكومية، أو إلى التعامل مع مصانع تشغّل مئات العمال كما لو كانت ورشاً صغيرة، فنحن أمام خلل في الفلسفة الاقتصادية ذاتها.
الاقتصادات التي نجحت في إعادة بناء صناعتها بعد الحروب – من ألمانيا بعد 1945 إلى فيتنام بعد الثمانينيات – لم تفعل ذلك عبر الدعم المالي وحده، بل عبر عقد ثقة بين الدولة والمنتِج، وهذا العقد يبدو هشاً في الحالة الحلبية، حيث يشعر الصناعي أن السياسات تُصاغ “عنه” لا “معه”.
الكلفة الاجتماعية: ما وراء الأرقام
إن توقّف أي مصنع في حلب لا يقتصر أثره على خروج خطوط إنتاج من الخدمة أو تراجع أرقام الناتج الصناعي، بل يطلق سلسلة تفاعلات اجتماعية–اقتصادية متراكبة، تبدأ من العامل الذي يفقد مصدر دخله المباشر، ولا تنتهي عند المورد الصغير أو عامل النقل أو مقدّم الخدمات المرتبط بدورة الإنتاج، فالصناعة، بطبيعتها، تشكّل شبكة تشابك اقتصادي كثيفة؛ وتشير تقديرات غير رسمية إلى أن كل فرصة عمل صناعية مباشرة في حلب كانت تولّد ما بين وظيفتين إلى ثلاث وظائف غير مباشرة في قطاعات النقل، والتخزين، والتجارة، والصيانة، والخدمات المساندة.
عندما تتعطّل هذه الحلقة، لا تتقلص فرص العمل فحسب، بل تتآكل القدرة الشرائية المحلية، ويتراجع الطلب الداخلي، ما يدفع مزيداً من المنشآت الصغيرة إلى الإغلاق أو العمل الهش، فيصبح تعثّر الصناعة أحد المحركات الصامتة لاتساع دائرة الفقر، وانتشار أنماط الاقتصاد غير المنظم، وتحول شرائح واسعة من العمال المهرة إلى قوة عمل مؤقتة أو هامشية، الأمر الذي يضعف البنية الاجتماعية للمدينة بقدر ما يضعف اقتصادها.
هل ما زال هناك هامش للإنقاذ؟
الجواب، بلغة باردة، هو نعم… ولكن بشروط. تخفيض الرسوم الجمركية خطوة ضرورية، لكنها غير كافية. المطلوب حزمة سياسات متكاملة:
- سياسة طاقة صناعية تفضيلية واضحة ومستقرة.
- إعادة هيكلة الرسوم والضرائب بما يحفّز الإنتاج لا الجباية.
- حماية ذكية للمنتج المحلي دون إغلاق السوق.
- إشراك الصناعيين فعلياً في صياغة السياسات، لا الاكتفاء بالمؤتمرات.
حلب لا تحتاج إلى معجزة، بل إلى منطق اقتصادي بسيط: إذا كانت الصناعة هي العمود الفقري للاقتصاد، فلا يمكن إدارتها كملف ثانوي، السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت حلب قادرة على استعادة دورها الصناعي، بل ما إذا كانت السياسات القائمة مستعدة لأن تسمح بذلك.
حلب: الذاكرة الاقتصادية vs واقع السياسات
تحليل بصري لأزمة الصناعة الحلبية (2011-2025)
كانت حلب تمثل “المحرك الصامت” للاقتصاد الوطني.
منشآت تضررت (كلي/جزئي)
فقط 30-35% من الطاقة عادت للعمل بكفاءة 50%.
| تكلفة الطاقة من كلفة المنتج |
10-15% 25-30% (+150%) |
| زيادة أسعار الكهرباء | +300% |
| كلفة المولدات (ديزل) | 3x السعر الرسمي |
الاختناق الهيكلي يجعل المصنع يعمل بخسارة تشغيلية بسبب ارتفاع تكاليف التشغيل.
المنتج المستورد يدخل برسم حدودي واحد، بينما يتحمل المنتج المحلي تكاليف بنية تحتية، طاقة، وعمالة.
النتيجة: الاستيراد أقل مخاطرة وأكثر ربحية من التصنيع.
مقارنة بمستويات 2019.
- رسم إنفاق استهلاكي
- ضرائب تقديرية
- رسوم تخليص
- رسوم محلية
الأعباء تلتهم هامش الربح حتى مع تشغيل جزئي.
- 1. سياسة طاقة صناعية تفضيلية ومستقرة (خفض كلفة الكيلوواط).
- 2. إعادة هيكلة الضرائب: تحفيز الإنتاج بدلاً من الجباية.
- 3. حماية ذكية للمنتج المحلي (ليس إغلاقاً، بل دعماً).
- 4. إشراك الصناعيين في صياغة السياسات (عقد ثقة).

