حين طلبت سلطة دمشق من بيروت تسليم ضباط سوريين لجأوا إلى لبنان بعد سقوط نظام بشار الأسد، بدا المشهد وكأنه تكرار لتاريخ لم يكتمل بعد، غير أن ما يجري اليوم ليس امتدادا ميكانيكيا لما كان، بل انعكاس عميق لتحولات جذرية في بنية الدولة السورية نفسها، وفي معادلة القوة اللبنانية التي طالما تأرجحت بين السيادة والتبعية، وبين الحسابات الداخلية والتوازنات الإقليمية.
محاولة سلطة دمشق الأخيرة لا يمكن قراءتها كتحرك أمني معزول، بل كاختبار مزدوجلمدى قدرة سوريا الجديدة على ممارسة سيادتها خارج حدودها، واختبار للبنان في مدى تحرره من ظل “العقدة” السورية المهيمنة على لبنان منذ الاستقلال.
ذاكرة السيطرة… وإرث الجغرافيا السياسية
منذ دخول القوات السورية إلى لبنان عام 1976، تحول الأمن إلى لغة مشتركة بين البلدين، كانت دمشق آنذاك ترى في لبنان “الخاصرة الغربية” لأمنها القومي، وبيروت ترى في سوريا “الممر الإجباري” لتوازناتها الداخلية، وانتهى هذا التداخل بانسحاب الجيش السوري عام 2005، لكن العلاقات الأمنية ظلت معلقة بين الحنين إلى النفوذ والخوف من عودته.
اليوم تتغير المعادلة جذريا. فسلطة دمشق التي تحاول إعادة بناء جهازها الأمني في ظل سلطة انتقالية ناشئة، ترى في الضباط الفارين إلى لبنان تهديدا مزدوجا، فهم من جهة شهود على مرحلة تريد الدولة الجديدة طي صفحتها، ومن جهة أخرى أدوات محتملة لإعادة إنتاج النظام السابق في المنفى.
أما بيروت، فترى في هؤلاء الضباط عبئا سياسيا لا تملك ترف التعامل معه؛ فإذا سلمتهم عادت شبهة التبعية؛ وإذا تجاهلتهم، خسرت ورقة تفاوضية في علاقاتها الجديدة مع سلطة دمشق.
الدبلوماسية عبر الأجهزة
الطلب السوري الرسمي بتسليم نحو مئتي ضابط لا يعبر فقط عن رغبة قضائية أو أمنية، بل عن إرادة سياسية لاختبار جدية لبنان في التعامل مع سوريا الجديدة كدولة بشرعية كاملة.
فمن خلال هذا الملف، تحاول سلطة دمشق أن ترسخ صورة مفادها أنها دولة قادرة على العمل ضمن الأطر القانونية والدبلوماسية، إنها محاولة لإعادة تعريف مفهوم “الأمن المشترك”، لكن على قاعدة الندية لا الهيمنة.
غير أن لغة الأجهزة لا تزال تسبق لغة المؤسسات، فالطلب السوري قدم عبر قنوات أمنية لا سياسية، ما يعكس هشاشة الدولة السورية في طورها الانتقالي، فحين تكلم الأجهزة باسم الدولة، تفقد الدبلوماسية معناها الحقيقي، وتتحول القضية من شأن قانوني إلى ملف سيادي حساس.
لبنان، من جهته، استقبل الطلب ببرود محسوب، فلا رفض قاطع، ولا قبول صريح، إنما سلسلة اجتماعات في الظل، وتصريحات لبنانية غامضة تؤكد “التعاون الأمني من دون المس بالسيادة”، وهي لغة مألوفة في بيروت؛ قول “اللاشيء” بطريقة لا تغضب أحدا.
ازدواجية الموقف اللبناني
في لبنان، لا يقاس الموقف بمقدار وضوحه، بل بتفاديه الاصطدام بين مراكز القرار المتصارعة، فالدولة اللبنانية، التي تعيش منذ عامين حالة تفكك مؤسساتي وشلل حكومي شبه دائم، تدرك أن أي استجابة فورية لطلب سلطة دمشق بشأن الضباط السوريين الفارين ستعيد فتح جروح سياسية لم تلتئم بعد.
القوى المرتبطة التي كانت ضمن محور المقاومة، تميل إلى عدم التعامل مع الطلب السوري، بينما ترى التشكيلات الأخرى أن أي تجاوب لبناني خارج الأطر القضائية والدبلوماسية الواضحة سيكون انتكاسة لسيادة الدولة وتكرارا لأساليب ما قبل 2005.
وبين هذين الخطين، تواصل الحكومة اللبنانية المناورة في منطقة رمادية تحاول فيها خلق توازن فيها بين ضرورات الأمن المشترك مع سلطة دمشق وضغوط الداخل المنقسم، وذلك في مشهد يجسد مأزق الدولة اللبنانية المزمن عبر البحث عن التوازن بين الحاجة إلى سوريا والخوف منها.
جاء الرد اللبناني على طريقة بيروت المعهودة؛ مداهمات جزئية، واعتقالات رمزية، وتصريحات فضفاضة حول مكافحة التهريب والمخططات المشبوهة، لكن لم يسلم أحدا، فاختارت بيروت الرمزية على الفعل، والتهدئة على المواجهة، محافظة على مساحة تتيح لها التكيف مع أي اتجاه تتخذه رياح دمشق المقبلة.
دلالات الطلب السوري
طلب سلطة دمشق من بيروت لا يمكن فصله عن حاجة الدولة السورية الجديدة إلى ترسيخ شرعيتها، فالنظام الانتقالي الذي يحاول بناء مؤسسات أمنية، يدرك أن توقيف الضباط “الفارين” يشكل جزءا من روايته الداخلية عن استعادة الدولة، و لكن يجب أخذ الموضوع من الوجهة القانونية فهؤلاء ليسوا مطلوبين ولا توجد بحقهم أي أحكام قانونية ، لذلك المطالبة بهم ليس بحق يمكن أن تحاسب عليه الدولة اللبنانية في حال تجاهلته.
لكن الأهم أن هذا الطلب يحمل رمزية عميقة تتجاوز الأشخاص، فهو إعلان ضمني بأن سوريا لم تعد تقبل أن تكون لبنان ساحة مفتوحة للفارين، وأنها تسعى لاستعادة “مركز القرار الأمني” الذي تفتت بعد سقوط النظام.
من زاوية أخرى، تظهر الخطوة السورية رغبة في تغيير أدوات التأثير على لبنان، حيث تعتمد سلطة دمشق على لغة المؤسسات ولكن بملامح أمنية.
هذه المقاربة مقدمة لمرحلة جديدة من العلاقات الثنائية، عنوانها “الندية الحذرة” واعتراف متبادل بالسيادة مع بقاء إرث الشكوك القديمة في الخلفية.
الأمن كأداة لإعادة تعريف السيادة
في علم العلاقات الدولية، السيادة ليست فقط السيطرة على الأرض، بل أيضا القدرة على ضبط الفضاء الأمني خارج الحدود، ومطالبة سلطة دمشق بتسليم ضباط النظام السابق من لبنان هي محاولة لاستعادة الهيبة عبر الجغرافيا، وممارسة شكل من أشكال النفوذ على أرض لم تعد تحت سلطتها المباشرة، أو أنها مطالبات اسرائيلية ضمن أجندة الاتفاق مع اسرائيل باستكمال تصفية الجيش السوري السابق بكل وجوده الفيزيائي.
لكن السؤال: هل تستطيع سوريا الجديدة ممارسة الضط على لبنان من دون أن تكرر أنماط الإكراه؟
الجواب يعتمد على ما إذا كانت سلطة دمشق تدرك أن القوة الناعمة أكثر فاعلية من أدوات الإكراه العسكري، فاستعادة الضباط عبر المحاكم والاتفاقات الرسمية تختلف جذريا عن استدعائهم عبر التهديد أو الضغط، وهي ما سيحدد إن كانت سلطة دمشق قادرة على بناء دولة حديثة تحترم مبدأ فصل السلطات وشرعية القانون الدولي.
لبنان بين الخوف والفرصة
أما لبنان، فهذه القضية تضعه أمام مرآة ذاته، فهل يستطيع بلد يعاني من انقسام سياسي وانهيار اقتصادي أن يتعامل بندية مع جاره الأكبر؟
يخشى لبنان أن يتحول التعاون الأمني إلى مدخل لاستعادة النفوذ السوري، وتحتاج بيروت إلى شراكة أمنية مع سلطة دمشق لضبط الحدود، وكبح شبكات التهريب والتسلل التي أنهكت البلدين، وهنا تتجلى المفارقة اللبنانية القديمة من خلال التوازن بين الخوف من سوريا والحاجة إليها.
المخرج الوحيد من هذه المعضلة هو تحويل التعاون الأمني إلى شراكة مؤسساتية شفافة، تدار عبر اتفاقات معلنة لا صفقات غامضة، وعندها فقط يمكن للبنان أن يتعامل مع دمشق الجديدة لا كظل للماضي، بل كجار يسعى لإعادة تعريف مستقبله.
قراءة في الرموز
وراء مشهد الطلب السوري تختبئ دلالات رمزية أبعد من الملفات الأمنية:
- دمشق تريد أن تقول إنها استعادت موقعها الإقليمي كدولة مسؤولة قادرة على التنسيق مع جيرانها ضمن أطر قانونية.
- بيروت ترد بصمت محسوب لتقول إنها لم تعد “ساحة خلفية”، بل دولة ذات قرار سيادي ولو محدود.
- المنطقة برمتها تشهد تحولا في أدوات النفوذ من التدخل العسكري إلى الدبلوماسية الأمنية، ومن التحالفات العقائدية إلى التفاهمات البراغماتية.
في العمق، ليست قضية الضباط السوريين في لبنان سوى فصل من سردية أكبر لإعادة تعريف العلاقة بين بلدين تقاسما الجغرافيا والتاريخ والجرح ذاته.
فإذا كانت سوريا الجديدة تبحث عن العدالة والمحاسبة، ولبنان يسعى إلى ترميم مفهوم الدولة، فإن هذا الملف يمكن أن يكون منعطفا في تطبيع العلاقة بينهما على أسس قانونية وإنسانية، لا أمنية فحسب.
لكن ذلك يتطلب شجاعة سياسية غير مألوفة في البلدين تعترف بالماضي من دون الارتهان له، وتسعى لصياغة مستقبل لا تفرضه الأجهزة، بل ترسمه المؤسسات.
دمشق وبيروت: الأمن كمرآة للسيادة
قراءة في محاولات سوريا الجديدة استعادة ضباطها من لبنان
منذ دخول القوات السورية إلى لبنان عام 1976، تحول الأمن إلى لغة مشتركة بين البلدين.
اليوم تتغير المعادلة جذرياً. الضباط الفارون إلى لبنان يمثلون تهديداً مزدوجاً: شهود على مرحلة تريد الدولة الجديدة طي صفحتها، وأدوات محتملة لإعادة إنتاج النظام السابق في المنفى.
في لبنان، لا يقاس الموقف بمقدار وضوحه، بل بتفاديه الاصطدام بين مراكز القرار المتصارعة.
بيروت تختار الرمزية على الفعل، والتهدئة على المواجهة، محافظة على مساحة تتيح لها التكيف مع أي اتجاه تتخذه رياح دمشق المقبلة.
الطلب السوري الرسمي بتسليم نحو مئتي ضابط يعبر عن إرادة سياسية لاختبار جدية لبنان في التعامل مع سوريا الجديدة كدولة بشرعية كاملة.
لبنان استقبل الطلب ببرود محسوب: لا رفض قاطع، ولا قبول صريح، إنما سلسلة اجتماعات في الظل وتصريحات غامضة تؤكد “التعاون الأمني من دون المس بالسيادة”.
التحليل الاستراتيجي للقضية
التسلسل الزمني والمفاصل التاريخية
1976: بداية التواجد السوري
دخول القوات السورية إلى لبنان في إطار قوات الردع العربية، بداية علاقة السيطرة الأمنية.
2005: انسحاب الجيش السوري
انسحاب القوات السورية من لبنان بعد اغتيال رفيق الحريري وضغوط دولية، نهاية الوجود العسكري المباشر.
سقوط النظام السوري
فَرَّ عدد من الضباط السوريين إلى لبنان بعد سقوط نظام بشار الأسد، بحثاً عن ملاذ آمن.
الطلب السوري الحالي
طلب سلطة دمشق من بيروت تسليم نحو مئتي ضابط سوري لجأوا إلى لبنان، اختبار جديد للعلاقات الثنائية.
عوامل التأثير والتداعيات
قراءة في الرموز والدلالات
- دمشق تريد أن تقول إنها استعادت موقعها الإقليمي كدولة مسؤولة قادرة على التنسيق مع جيرانها ضمن أطر قانونية.
- بيروت ترد بصمت محسوب لتقول إنها لم تعد “ساحة خلفية”، بل دولة ذات قرار سيادي ولو محدود.
- المنطقة برمتها تشهد تحولا في أدوات النفوذ من التدخل العسكري إلى الدبلوماسية الأمنية، ومن التحالفات العقائدية إلى التفاهمات البراغماتية.
الخاتمة: نحو علاقة جديدة
ليست قضية الضباط السوريين في لبنان سوى فصل من سردية أكبر لإعادة تعريف العلاقة بين بلدين تقاسما الجغرافيا والتاريخ والجرح ذاته.
إذا كانت سوريا الجديدة تبحث عن العدالة والمحاسبة، ولبنان يسعى إلى ترميم مفهوم الدولة، فإن هذا الملف يمكن أن يكون منعطفاً في تطبيع العلاقة بينهما على أسس قانونية وإنسانية، لا أمنية فحسب.
لكن ذلك يتطلب شجاعة سياسية غير مألوفة في البلدين تعترف بالماضي من دون الارتهان له، وتسعى لصياغة مستقبل لا تفرضه الأجهزة، بل ترسمه المؤسسات.

