منذ انهيار نظام البعث في كانون الأول 2024، أعيد تشكيل السلطة في دمشق على أسس مغايرة جذرياً لما كان عليه المشهد السياسي السوري لعقود.
لم تعد الدولة السورية الجديدة وريثة للبعث، بل تجلٍّ جديد لمرجعية دينية صاعدة جعلت من الإيمان مصدرا للشرعية، ومن النص الديني مرجعا للسياسة العامة.
وفي مواجهة هذا التحول، تواصل قوات سوريا الديمقراطية (قسد) الدفاع عن نموذجها القائم على العلمانية المجتمعية والكونفدرالية الديمقراطية، المستلهمة من فكر عبد الله أوجلان، الذي يُقدّم المجتمع لا الدولة بوصفه حامل القيم والمعنى.
وبهذه الصورة يتجاوز الصراع بين سلطة دمشق وقسد حدود الجغرافيا والنفوذ، ليغدو صداماً فلسفياً حول ماهية السلطة نفسها:
- هل الدولة أداة بشرية لتنظيم العيش المشترك؟
أم هي كيان أخلاقي يتلقى شرعيته من السماء؟
إنها ليست حرباً على الأرض بقدر ما هي حرب في الأرض، حيث تتحول الجغرافيا إلى مرآة للأيديولوجيا.
ولادة مرجعيتين متناحرتين
تسعى القيادة الجديدة في دمشق إلى ترسيخ ما تسميه “الدولة المؤمنة”؛ دولة تستمد قوتها من الشرع الديني لا من التوافق السياسي، وبهذا التحول، خرجت السلطة من عباءة الفكر القومي إلى فضاء الثيوقراطية السياسية، حيث تُصبح حماية الإيمان جزءاً من الأمن القومي، والطاعة واجباً دينياً قبل أن تكون التزاماً قانونياً.
في المقابل، تُعيد قسد صياغة مشروعها بوصفه ثورة ضد القداسة السياسية، فهي تعتبر أن الدولة، متى استدعت السماء لتبرير سلطتها، تفقد مشروعيتها الأرضية، وتبني تصورها للشرعية على قاعدة المشاركة والمواطنة المتساوية بين الأكراد والعرب والسريان، في تجربة اجتماعية تسعى إلى نزع القداسة عن السلطة وإعادتها إلى الناس.
وُلد في سوريا توأمان متخاصمان؛ دولة تُؤمن بأن الله مصدر السلطة، وحركة ترى أن المجتمع هو مصدر المعنى، وبينهما مساحة رمادية من الشك والدم والتجريب.
من شرعية السماء إلى شرعية الأرض
في مفاوضات مارس 2025 التي سعت إلى دمج قسد في “الجيش الوطني الجديد”، وبدا الخلاف فكرياً أكثر منه عسكرياً، فسلطة دمشق طالبت بولاء ديني “للدولة المؤمنة”؛ معتبرة أن الجيش الجديد يجب أن يكون “حارس العقيدة والأمة”.
أما قسد فرفضت أي صيغة تتضمن التزاماً عقائدياً، متمسكة بفكرة “الجيش المجتمعي” الذي يخضع للمدنيين لا للمؤسسة الدينية أو العقائدية.
تجلّى الصدام هنا حول مفهوم الشرعية؛ فهل مصدرها السماء أم الناس؟ وهل يُكتسب الحق بالحكم من النص أم من العقد الاجتماعي؟
هذا الانقسام لم يكن قابلاً للتسوية، لأن اللغة ذاتها لم تعد مشتركة، فحين تتحدث سلطة دمشق عن “الطاعة” تفهمها قسد كـ”خضوع”، وعندما تتحدث قسد عن “التمثيل” تراها دمشق “فتنة وتشظيّاً”، فالمفاهيم نفسها فقدت معناها الواحد، وصارت تعني أشياء متناقضة تماماً.
الجغرافيا كمرآة للأيديولوجيا
في دمشق، تُرسم خريطة السلطة كما تُرسم خريطة الإيمان، فالمركز العاصمةُ، “القلب الطاهر للأمة”، ومنها تُشع السلطة نحو الأطراف التي يُنظر إليها كـ”مناطق تحتاج إلى هداية سياسية”، في المقابل، تُعيد قسد بناء الجغرافيا من الأطراف إلى المركز، ومن المجالس المحلية إلى الهياكل الإدارية؛ في حركة تصاعدية مضادة لمنطق الهرم السلطوي.
إنها، في جوهرها، جغرافيا لاهوتية مقابل جغرافيا مدنية، فسلطة دمشق ترى الأرض امتداداً للقداسة، وتتعامل مع السيطرة المكانية بوصفها واجباً دينياً، أما قسد، فتراها مجالاً للتعدد والتجريب الاجتماعي، وتصبح كل بلدة سورية ساحةً لتجسيد مرجعية ما؛ الحسكة كرمز للمواطنة التشاركية، وحلب كرمز لعودة المركزية اللاهوتية، وكل اشتباك، من دير الزور إلى منبج، ليس فقط نزاعاً على خطوط السيطرة بل على موقع الإنسان بين الله والدولة.
من المهادنة إلى التصادم
كانت اتفاقات الهدنة في تشرين الأول 2025، ثم محاولات التهدئة في كانون الأول من العام نفسه، محاولات متكرّرة لاحتواء التوتر المتصاعد بين قوات الحكومة السورية وقسد في شمال حلب، لا سيما في أحياء الشيخ مقصود والأشرفية.
لكنّ هذه التفاهمات الهشّة لم تصمد طويلاً، إذ عادت الاشتباكات نهاية كانون الأول لتكشف أن ما يفصل الطرفين أعمق من خطوط تماس عسكرية، فخلف القصف والبيانات المتبادلة، برزت ثنائية رمزية أخذت شكل مواجهة بين خطابين متباينين في المرجعية والمعنى؛ دمشق تُقدّم صراعها بوصفه معركة للحفاظ على وحدة البلاد ونظامها القيمي، بينما ترى قسد نفسها مدافعة عن تجربة مجتمعية مدنية تحاول مقاومة ما تعتبره “عودة للوصاية الدينية على السياسة”.
لم يكن القتال مجرّد نزاع على حيّ أو معبر، بل تعبيراً ميدانياً عن تناقض فكري بين لاهوت الدولة وعقلانية المجتمع، فاللغة التي تسود في الخطب الرسمية والبيانات المحلية تعكس، في جوهرها، صراعاً على من يحتكر تعريف الخير والشر، والشرعية ذاتها في سوريا الجديدة.
البعد الإقليمي والدولي
تتقاطع هذه الثنائية الفكرية مع توازنات الإقليم، فتركيا تخوض حربها ضد قسد باسم “الأمن القومي” وبدوافع دينية أيضاً، معتبرة أن النموذج الكردي العلماني تهديد لعقيدة الأمة، أما الولايات المتحدة فتحاول حفظ التوازن، داعمة قسد عسكرياً من جهة، ومتفهمة للحكومة السورية الدينية من جهة أخرى، ما دام الطرفان لا يُهددان مصالحها المباشرة.
وهكذا تتحول سوريا إلى مختبر “جيوفكري” نادر؛ في شمالها تجربة دنيوية لإدارة المجتمع، وفي مركزها سلطة لاهوتية تبحث عن هيمنة مقدسة، وبينهما فراغ جيوسياسي يملؤوه التناقض أكثر مما تملؤه السياسة.
فكران لا يلتقيان
كان الصدام بين البعث وقسد سابقاً صراعاً بين قومية وعلمانية، أما اليوم، فهو صراع بين لاهوت ودنيوية، والاختلاف لم يعد في شكل الدولة، بل في مصدرها الوجودي، فسلطة دمشق ترى أن الإنسان حر لأنه مؤمن، وقسد ترى أنه مؤمن لأنه حر.
في هذا الإطار، لا يعود الدمج أو المصالحة ممكنين إلا نظرياً، لأن كلاً من الطرفين يحمل رؤية للعالم لا تتسع للأخرى، فسلطة دمشق تبني الدولة على فكرة الإيمان الموحّد، بينما تبني قسد المجتمع على فكرة التعدد المتصالح، واللقاء بينهما يعني تنازلاً فكرياً لا سياسياً فحسب، وهو ما لا يبدو مطروحاً في الأفق القريب، و بين هذين الطرحين يتمزق الوطن، حيث لا رؤية شمولية وكلية تقوم على مبدأ أساس هو مصلحة سوريا فوق كل مصلحة.
. الشرعية بين السماء والأرض
تُدار معركة الشرعية اليوم بأدوات رمزية متقنة، فالدولة الدينية في دمشق تُقدّم نفسها كـ”حارسة الأخلاق”، وتُلبس قراراتها ثوباً شرعياً يجعل معارضتها فعلاً آثما، وخطابها الرسمي ممزوج بالمفردات الدينية وتتحول السياسة هنا إلى عبادة، والمعارضة إلى معصية.
أما قسد، فتواجه هذا الخطاب بما يمكن تسميته “المواطنة الأخلاقية“؛ تصور يرى أن القيم تُبنى من تفاعل المجتمع لا من الوحي، فهي أخلاق تُصاغ بالنقاش والممارسة، لا بالتكليف الإلهي، فتتقابل في الخطابين منظومتان رمزيتان متعارضتان:
- الدولة تعتبر النظام الأخلاقي مطلقاً ومقدساً.
- وقسد تعتبره نسبياً ومتغيراً، محكوماً بوعي الجماعة.
هذا الصدام القيمي ينعكس عملياً في إدارة المناطق، فبينما تُحكم سلطة دمشق قبضتها بالرقابة والمواعظ والفتاوى،
تُدار مناطق قسد بالمجالس الشعبية والنقاشات المفتوحة حول القيم والقوانين، فلا تتواجه سلطتان فقط، بل تصوران متضادان للإنسان نفسه، فهو تابع يتلقى التكليف من سلطة عُليا، ومن جانب قسد هو فاعل يصنع المعنى بنفسه؟
صراع الأفقين
ليست المسألة السورية اليوم من يحكم، بل كيف تُعرَّف السلطة نفسها، فسلطة دمشق التي تستند إلى مرجعية دينية تسعى إلى توحيد المجتمع بالعقيدة، وقسد التي تستند إلى فلسفة مدنية تسعى إلى توحيده بالمواطنة، وتتحركان في مدارين لا يلتقيان إلا في لحظة تصادم.
ربما تنجح الوساطات في تثبيت هدنة جديدة، لكن ما لم يُحسم سؤال الشرعية، ستبقى البلاد ساحة لتنازع بين لاهوت الدولة وأنسنة المجتمع، ففي سوريا اليوم تبدل المرجعيات يغير الجغرافيا، ولأن المرجعيات في دمشق وقسد لا تزال تتحرك في اتجاهين متعاكسين فإن خريطة سوريا لن تستقر إلا يوم ينظر الى سوريا كوحدة متكاملة قضيتها سورية مستقلة واحدة وأرضها واحدة ومصلحتها فوق أي مصلحة، وأبناؤها متساوون بالحقوق والقوانين دون تفرقة دينية أو عرقية أو مذهبية.
جدول يوضح العلاقة بين سلطة دمشق وقسد على مدار عام
| التاريخ | الحدث | الطبيعة | النتيجة | المصدر المرجعي |
| 8 كانون الأول 2024 | سقوط نظام الأسد وبدء المرحلة الانتقالية في دمشق | تحول سياسي شامل | بروز قسد كفاعل رئيسي في الشمال والشرق السوري، وتثبيت نفوذها الأمني والإداري | AP / Al-Jazeera / TRT عربي |
| آذار 2025 | توقيع اتفاق مبدئي بين الحكومة الانتقالية وقسد لدمج القوات ضمن الجيش الوطني السوري | تفاهم رسمي | اتفاق مؤجل التنفيذ وتثبيت دور قسد كمكوّن وطني محتمل ضمن هيكل الدولة الجديدة | AP / Al-Araby / Reuters |
| نيسان 2025 | بدء مفاوضات تقنية حول إدارة الموارد والمعابر في مناطق الجزيرة وشرق الفرات | مفاوضات غير معلنة | لم يتم التوصل إلى اتفاق حاسم بشأن تقاسم الموارد أو إدارة المعابر | Reuters / Syria TV |
| تموز 2025 | تصاعد توتر سياسي بين سلطة دمشق وقسد إثر تصريحات متبادلة حول هوية الدولة الجديدة ومرجعيتها | توتر سياسي | تراجع الثقة بين الطرفين وتصاعد الخطاب الأيديولوجي المتناقض (ديني مقابل مدني) | Al-Monitor / Enab Baladi |
| 7 تشرين الأول 2025 | اتفاق هدنة شامل في حلب (الشيخ مقصود والأشرفية) بعد اشتباكات محدودة | هدنة ميدانية | تهدئة مؤقتة استمرت أسابيع فقط قبل أن تنهار في نهاية العام | TRT عربي / BBC Arabic |
| 22 كانون الأول 2025 | اندلاع اشتباكات واسعة في أحياء شمال حلب بين الجيش السوري وقسد بعد انهيار الهدنة | اشتباك مسلح | انهيار التهدئة وتبادل الاتهامات بخرق الاتفاق، وسقوط قتلى من الطرفين | Wikipedia / Ramallah News |
| 6 كانون الثاني 2026 | تجدد القصف المتبادل في حلب وتوتر جديد في دير الزور والرقة | اشتباك محدود | تصعيد جديد كشف هشاشة التفاهمات السابقة وعدم وجود آلية مراقبة فعالة | AP / Al-Araby |
| 7 كانون الثاني 2026 | تجدّد الاشتباكات وسقوط قتلى مدنيين، مع تبادل الاتهامات بخرق اتفاقات التهدئة | تصعيد ميداني | إعادة طرح ملف الاندماج والتهدئة على طاولة وسطاء دوليين (التحالف والروس) | Ramallah News / AP |
دمشق وقسد: لاهوت الدولة وأنسنة المجتمع
الصدام الفكري بين النموذجين
مصادر الشرعية السياسية
مفهوم السيادة والسلطة
المنظور الزمني للمشروعين
مصادر القيم والنظام الأخلاقي
المفاهيم المتضادة في الصراع الفكري
التطور التاريخي للصراع
المواقف الإقليمية والدولية
المواقف الإقليمية والدولية
سيناريوهات المستقبل المحتملة
ملاحظات حول المواقف الإقليمية
تركيا: معادية لقسد لأسباب أمنية ودينية، مع تفهم محدود للنموذج الدمشقي الديني.
الولايات المتحدة: داعمة لقسد عسكرياً مع تفهم محدود للنموذج الدمشقي.
روسيا: محايدة إلى حد كبير، تركز على المصالح الاستراتيجية والاستقرار دون انحياز أيديولوجي.
الدول العربية: دعم محدود لدمشق، مع تحفظ على نموذج قسد.
الاتحاد الأوروبي: دعم محدود لقسد، مع تحفظ على النموذج الديني لدمشق.

