في مجتمعات ما بعد النزاع، لا تعود الأرض مجرد عقار، بل تصبح نصا مفتوحا تتنازع عليه الذاكرة، والشرعية، والقانون، والاقتصاد، وفتوى الشيخ أسامة الرفاعي حول أراضي “الإصلاح الزراعي” لا يمكن قراءتها باعتبارها حكما فقهيا معزولا؛ إنها ليست مجرد رأي فقهي، بل تدخل مباشر في واحدة من أعمق العقد السياسية في سوريا الحديثة عبر سؤال الملكية بوصفه سؤال سلطة.
من يملك الأرض يعني من يملك النفوذ والموارد وحق رسم التوازنات الاجتماعية؛ وبأي شرعية تمنح هذه السلطة — شرعية الدولة، أم شرعية الثورة، أم شرعية الفقه؟ ومن يملك، في لحظة انتقال مضطربة، حق إعادة تعريف هذه الشرعية وتثبيتها في الوعي العام؟
الفتوى، في جوهرها، تعيد توصيف الإصلاح الزراعي بوصفه “غصبا”، وبالتالي فإن الملكيات الناشئة عنه تفتقر إلى المشروعية الدينية، وبذلك تنتقل المسألة من سجل القانون الوضعي إلى ميزان الحلال والحرام، هنا تحديدا تكمن خطورتها.
الملكية كفعل سياسي
الإصلاح الزراعي الذي بدأ في حقبة عبد الناصر ثم تعمق في سوريا مع صعود حزب البعث، لم يكن مجرد سياسة اقتصادية؛ كان مشروعا لإعادة هندسة المجتمع الريفي، وسعى إلى تفكيك البنى الإقطاعية، وإعادة توزيع السلطة الرمزية والمادية في الريف، وكان فعلا سياسيا بامتياز، حتى وإن حمل خطاب العدالة الاجتماعية.
لكن الملكية، كما تظهر التجارب المقارنة، ليست مجرد وثيقة تسجيل عقاري؛ إنها علاقة اجتماعية متجذرة، فمن يملك الأرض يملك النفوذ، والذاكرة، والقدرة على تحديد مصائر الآخرين، وأي تدخل في نظام الملكية عبر الدولة أو عبر الفتوى هو تدخل في توازنات القوة ذاتها.
فتوى الرفاعي تعيد تعريف هذه المعادلة من منظور أخلاقي – ديني: ما بني على الغصب يبقى غصبا، مهما طال الزمن، غير أن السؤال الذي يتوارى خلف هذا المبدأ الصارم: هل الزمن عامل محايد؟ أم أنه يعيد إنتاج الشرعية بطرق أخرى؟
التقادم بين الفقه والقانون
في الفقه الإسلامي الكلاسيكي، الغصب لا ينشئ ملكية، والحق لا يسقط بالتقادم، أما في القانون المدني الحديث، فالتقادم أحد أدوات تثبيت الاستقرار، ومرور الزمن، وتعدد البيوع، واعتماد الناس على الوضع القائم، كلها عناصر تنتج ما يمكن تسميته «شرعية الأمر الواقع.
هنا تتصادم فلسفتان:
- فلسفة أخلاقية ترى في الحق قيمة مطلقة غير قابلة للتآكل.
- وفلسفة قانونية ترى في الاستقرار الاجتماعي مصلحة عليا قد تتطلب تسويات مؤلمة.
عندما تقدم الفتوى بوصفها مرجعية نهائية، فإنها تميل إلى إلغاء البعد الثاني، فهي لا تكتفي بإدانة الماضي، بل تلقي بظلاله الثقيلة على الحاضر؛ لا يجوز البيع، ولا الشراء، ولا حتى الصلاة في الأرض المغصوبة، إنها صياغة تحول المسألة من نزاع مدني إلى أزمة ضمير.
لكن ماذا عن الفلاح الذي ورث قطعة أرض منذ خمسين عاما، ولم يعرف يوما مالكا سواها؟ ماذا عن الأبناء الذين ولدوا ونشؤوا وبنوا بيوتهم فوق تلك الأرض؟ هل يصبحون، فجأة، أطرافا في “خطيئة” لم يرتكبوها حسب توصيف الرفاعي؟
الفتوى كفاعل سياسي
من السهل النظر إلى الفتوى باعتبارها اجتهادا دينيا، لكن في سياق هش كسوريا، لا يمكن فصلها عن أبعادها السياسية، فهي تعيد فتح ملف الملكيات في لحظة حرجة، حيث تتنازع القوى المختلفة على إعادة رسم قواعد اللعبة.
الخطاب الذي يربط الإصلاح الزراعي بـ”البدعة” و”الإفساد” يتجاوز النقد الاقتصادي ليحمل إدانة أيديولوجية لمرحلة كاملة من تاريخ الدولة الوطنية، وهنا تتحول الفتوى إلى أداة لإعادة كتابة السردية، ليس فقط لأن السياسات فشلت، بل إن أصلها غير مشروع أخلاقيا.
هذه النقلة من “الفشل” إلى “الحرمة” ذات أثر عميق، فالفشل يمكن إصلاحه أو مراجعته؛ أما الحرام، فيقتضي التوبة والرد.
إشكالية العدالة الانتقالية
في المجتمعات الخارجة من النزاعات، تطرح مسألة استعادة الحقوق ضمن أطر العدالة الانتقالية التي لا تقوم على إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، بل على موازنة دقيقة بين رد المظالم ومنع إنتاج مظالم جديدة.
الفتوى، بصيغتها الحالية، تميل إلى مقاربة صفرية؛ إما إعادة الحق للمالك الأصلي أو بقاء الحرام قائما، لكنها لا تقدم تصورا مؤسساتيا لكيفية إدارة هذا التحول، فهل تنشأ لجان تحقيق؟ هل تعتمد آليات تعويض؟ كيف يتعامل مع الأراضي التي تغيرت طبيعتها بالكامل؟
غياب هذه الأسئلة يترك الباب مفتوحا لفوضى مطالبات تغذي نزاعات محلية، خاصة في مناطق تداخلت فيها الملكيات وتغيرت الخرائط الديموغرافية.
بين الأخلاق والاقتصاد
ثمة بعد اقتصادي لا يمكن تجاهله، فإعادة فتح ملف الملكيات الزراعية تربك سوق العقارات، وتجمد الاستثمارات، وتعمق حالة عدم اليقين، فالملكية المستقرة شرط أساسي لأي تعاف اقتصادي.
في الوقت ذاته، لا يمكن إنكار أن بعض سياسات نزع الملكية في الماضي شابها تعسف أو فساد، وتجاهل هذا البعد بدعوى الاستقرار يكرس شعورا بالظلم المكبوت.
هنا تتبدى الحاجة إلى مقاربة مزدوجة:
اعتراف بالمظالم التاريخية، دون تحويل المجتمع إلى ساحة تصفية حسابات ممتدة.
الدين والفضاء العام
السؤال الأعمق الذي تطرحه الفتوى هو: ما حدود تدخل الخطاب الديني في قضايا الملكية العامة؟
في المجتمعات التي يتداخل فيها الديني بالمدني، يصعب رسم خط فاصل حاد، لكن تحويل النزاعات العقارية إلى مسائل إيمان يغلق أبواب التسوية، وعندما يصبح شراء الأرض معصية، لا يعود النقاش تقنيا حول التعويض أو التقادم؛ بل يتحول إلى سؤال خلاص فردي.
هذا التحول يحمل الأفراد عبئا يفوق طاقتهم، ويضعف دور المؤسسات، فبدل أن تكون الدولة أو القضاء إطارا لحل النزاع، يدفع الأفراد للبحث عن “إبراء ذمة” شخصي، في سياق قد لا تتوفر فيه معلومات أو وثائق كافية.
نحو مقاربة أكثر اتزانا
الاعتراف بقدسية الملكية الخاصة مبدأ راسخ في الفقه الإسلامي كما في القانون الحديث، لكن القدسية لا تعني الجمود، فالتاريخ مليء بتحولات في نظم الملكية، بعضها ظالم، وبعضها استجاب لتحولات اجتماعية عميقة.
المطلوب ليس إنكار المبدأ الأخلاقي الذي تستند إليه الفتوى، بل إدماجه في إطار أوسع يأخذ في الحسبان:
- تعقيدات التعاقب الزمني للملكية.
- حقوق الأجيال اللاحقة.
- ضرورة الاستقرار الاجتماعي.
- إمكانات التعويض بدل الاسترداد الحرفي.
بغير ذلك تتحول النية في تصحيح ظلم قديم إلى مدخل لخلق ظلم جديد.
فتوى أسامة الرفاعي ليست مجرد رأي فقهي حول بيع أرض؛ إنها تدخل في صلب سؤال الدولة والمجتمع: كيف نعرف الشرعية بعد عقود من التحولات؟ ومن يملك سلطة هذا التعريف؟
إشكالية الملكية في سوريا ليست تقنية، بل وجودية، فالأرض تختزن تاريخا من السلطة والمقاومة والتهجير وإعادة التشكيل، وعندما يتدخل الخطاب الديني ليحسم المسألة بلغة الحلال والحرام، فإنه يعيد صياغة هذا التاريخ في قالب أخلاقي صارم.
غير أن المجتمعات لا تدار بالصرامة الأخلاقية، كما لا تدار بالبراغماتية المجردة، بين هذين الحدين، ثمة مساحة معقدة تحتاج إلى مؤسسات قوية، ونقاش عام صريح، وإرادة سياسية تتجاوز الثأر إلى التسوية.
السؤال ليس فقط: هل كانت تلك الأراضي مغصوبة؟ بل: كيف نمنع أن يتحول السعي لرد الغصب إلى دورة جديدة من انعدام اليقين والاقتلاع؟
بين الفتوى والملكية: العقار ساحة صراع أخلاقي
أعيد توزيعها
لا يسقط بالتقادم
استقرار اجتماعي
55% براغماتية

