حادثة تدمر: بين تحولات الجيش السوري الجديد وعودة التهديد الإرهابي

        تنقلنا العملية الإرهابية التي حدث في تدمر ضد جنود أمريكيين وسوريين لمرحلة مختلفة من الصراع فوق سوريا، حيث لا جبهات واضحة أو طرف يمكن التعامل معه لأن العملية تم تنفيذها من قبل عنصر أمن سوري حسب التصريحات.

        المشهد يمكن اعتباره استكمالا لمأزق تشكيل الجيش والجهاز الأمني في سوريا، فتحويل الفصائل إلى قوة نظامية دون بعد وطني واضح يجعل من الصعب في الظرف السوري إيجاد فصل داخل الجبهة التي تحارب الإرهاب، فسلطات دمشق ومنذ استيلائها على الحكم قامت بأمرين كسرا معادلة الأمن الداخلي، الأول حل الجيش بشكل كامل ما أتاح فراغ أمنيا يصعب سده بمجموعات من الفصائل، والثاني إلغاء الخدمة الإلزامية، رغم الاعتراضات عليها، فألغت بذلك البعد الوطني العام.

مشهد العملية: ما وراء الرواية الميدانية

في الثالث عشر من كانون الأول 2025، أعادت تدمر السورية نفسها إلى واجهة الصراع الدولي، ليس كرمز أثري للحضارة المهددة، بل كنقطة تماس ناري بين قوى الأمن السورية الجديدة وشركائها الأمريكيين في مكافحة الإرهاب.
الهجوم الذي أودى بحياة جنديين أمريكيين ومترجم مدني خلال دورية مشتركة سورية-أمريكية لم يكن مجرد حادث أمني معزول، بل اختبار فعلي لبنية التعاون الأمني الهشة التي تشكلت عقب الانفتاح السياسي بين سلطة دمشق وواشنطن بعد عام 2024.

المهاجم الذي تمكن من إطلاق النار على عناصر الدورية قبل أن يقتل، عنصر في الأجهزة الأمنية السورية حسب البيان السوري، وهذه المعلومة، هي النقطة المحورية في فهم طبيعة الهجوم؛ فالمسألة ليست في هوية المنفّذ فحسب، بل في طبيعة البيئة المؤسسية التي أنتجته.

 طبيعة العملية: بين “الاختراق الداخلي” و”التمرد المتبقي”

الإرهاب ليس ظاهرة معزولة، بل استراتيجية صراع سياسي، ويمكن تصنيف حادثة تدمر ضمن عمليات “التمرد المتبقي” Residual Insurgency، التي تنشأ في فراغات السلطة بعد انهيار منظومة أمنية أو إعادة تشكيلها.

إعادة بناء القوى الأمنية والعسكرية: هندسة جديدة لهشاشة قديمة

بعد سقوط النظام السابق، لم تنشأ مؤسسات الأمن والجيش السوريين على أسس تقليدية للدولة الوطنية، بل تشكلات من تحالف عريض بين فصائل مسلحة متباينة الخلفيات، تتصدره هيئة تحرير الشام التي تحولت من إلى كيان سياسي-أمني يسعى لشرعنة وجوده ضمن البنية الجديدة.

تحت مظلة هذا التحالف، جرى تشكيل جهاز أمني متعدد المرجعيات الفكرية والتنظيمية، أقرب إلى ائتلاف وظيفي منه إلى مؤسسة متماسكة، واستوعب هذا الجهاز عناصر سابقة من فصائل إسلامية، ومقاتلين محليين من مناطق الشمال والوسط، وهذا الخليط، وإن وفر على المدى القصير قدرة ميدانية على ضبط مناطق حساسة مثل إدلب وحمص والساحل، إلا أنه يفتقر إلى وحدة العقيدة الأمنية والسياسية، الأمر الذي يضعف فاعليته في مواجهة التهديدات المعقدة العابرة للولاءات.

في المقابل، أُنشئ الجيش السوري الجديد بوصفه تحالفا عسكريا مشتركا وليس بنية نظامية موحدة، معظمها يعمل وفق أنماط قتال غير نظامية ومتأثرة بعقيدة “الحرب الشبكية”، ورغم التنسيق الميداني الظاهر، فإن الانقسام في الولاءات والمرجعيات الفكرية يجعل من الجيش الجديد بنية هجينة؛ تتأرجح بين منطق الدولة ومنطق الفصائل.

أما المنطقة الصحراوية الممتدة بين تدمر والسخنة والبوكمال، فهي تمثل اليوم ما يمكن تسميته بـ”الثغرة الاستراتيجية الدائمة” في جسد الأمن السوري الجديد، فهي مساحة شاسعة خارج السيطرة الكاملة، تتقاطع فيها خطوط النفوذ الأمريكية والسورية والفصائلية، وتضعف فيها القدرة الاستخباراتية على التنبؤ بالتهديدات أو مراقبة التحركات المعادية.

هذه المعطيات جميعها تخلق بـ بيئة الارتداد الإرهابي(Terrorist Rebound Environment)  أي البيئة التي تنتجها الأنظمة الأمنية غير المتجانسة، حيث تتكاثر الفرص أمام الخلايا المنعزلة أو العناصر المنفلتة لاستغلال التناقضات البنيوية بين الشركاء الأمنيين.
وفي الحالة السورية الجديدة، فإن الخطر في الطبيعة الائتلافية والمجزأة للأجهزة نفسها، التي تجعلها عرضة للارتباك، وتفتح الباب أمام الهجمات الرمزية ضد رموز التعاون الدولي — كما حدث في عملية تدمر.

الدلالات الأمنية والسياسية للحادث

أولا: هشاشة التحالف الأمني

الحادثة تكشف أن الشراكة السورية-الأمريكية لم تتجاوز بعد مرحلة “التحالف الميداني المؤقت”، فبينما تعلن واشنطن أن الهجوم من تنفيذ “داعش”، يصرّ مسؤولون سوريون على أن المهاجم تصرّف بشكل منفرد، وهذا الاختلاف في السرديات الأمنية يكشف ضعف الثقة المتبادلة، ويهدد بتقويض أي تنسيق استخباراتي مستقبلي.

ثانيا: عودة “التهديد المتكيّف”

تنظيم الدولة الإسلامية، وإن لم يتبن الهجوم بعد، يُظهر قدرة على إعادة تعريف نفسه عبر تكتيكات منخفضة الكلفة وعالية الرمزية، فاستهداف دورية مشتركة قرب تدمر يحقق غايتين استراتيجيتين:

  1. تقويض صورة التحالف السوري-الأمريكي الجديد.
  2. تذكير العالم أن خلايا التنظيم ما زالت تملك ذراعا طويلة في البادية رغم انحسارها البنيوي.

ثالثا: معضلة الشرعية الأمنية

الجيش السوري بشكله الجديد يواجه معادلة معقدة، فكيف يبرهن على قدرته في مكافحة الإرهاب دون أن يبدو تابعا لقوة أجنبية؟
هذا التوتر البنيوي يجعل من كل عملية مشتركة حقل اختبار للسيادة الوطنية بقدر ما هي اختبار للأمن.

السيناريوهات المستقبلية

من المرجّح أن تختار واشنطن ردا محسوبا يستهدف خلية أو موقعا مرتبطا بداعش في البادية، دون الانجرار إلى مواجهة أوسع، فالهدف ترميم الردع العسكري دون تدمير الإطار السياسي الناشئ مع السلطة بدمشق.
إلا أن هذا السيناريو يتوقف على قدرة السوريين على تقديم تعاون استخباراتي فعّال يُثبت أن الهجوم لم يكن نتيجة اختراق داخل أجهزتهم.

إذا تبيّن أن المهاجم مرتبط ببنية أمنية داخلية، فمن المحتمل أن يؤدي الحادث إلى برود في التعاون الثنائي أو تحوّله إلى تنسيق محدود عبر وسطاء، ما يحمل إمكانية ظهور فراغ ميداني جديد في وسط البلاد؛ تستغله خلايا التنظيمات المتشددة لإعادة التموضع.

الأخطر في السيناريوهات هو عودة الإرهاب المحلي الهجين، حيث تشير بعض المعطيات إلى تحول الخطر من الجماعات المنظمة إلى الأفراد المؤدلجين أو المحبطين داخل الميليشيات التي أعلنت حل نفسها، وهذا النمط الذي يشبه نموذج “الذئب المنشق” وليس “الذئب المنفرد” يمثل تطورا نوعيا يهدد استقرار أجهزة الأمن الوليدة.

تدمر كاختبار رمزي للأمن السوري الجديد

تدمر ليست فقط ساحة اشتباك، بل مرآة لتناقضات الدولة السورية ما بعد الحرب، فالجيش الجديد يحاول أن يعيد تعريف ذاته بآليات خارج الولاء الوطني، فيما تسعى الولايات المتحدة لاختبار مدى استدامة شريكها المحلي.
أما الإرهاب، فهو لا يعيش في الفراغ، بل “ينمو في المساحات التي تفقد فيها الدولة ثقتها بنفسها”.

حادثة تدمر، في هذا السياق، ليست عودة لداعش فحسب، بل تجسيد لتحول الإرهاب من تنظيم إلى ظاهرة اجتماعية-أمنية مركبة، تتغذى من ضعف البنى المؤسسية أكثر مما تعتمد على قدرات ميدانية.

الحدث يطرح سؤالا استراتيجيا حاسما؛ هل ستتمكن “سوريا الجديدة” من بناء مؤسسات أمنية تتجاوز إرث الخوف والولاءات المتعددة، لتصبح قادرة على إنتاج “مناعة أمنية وطنية” حقيقية؟
الجواب سيحدّد ما إذا كانت تدمر محطة عابرة في التاريخ، أم نذير دورة جديدة من الفوضى تحت غبار الصحراء.

تدمر مجددا: عودة الظلال في قلب الصحراء السورية – تحليل تفاعلي

تدمر مجددا: عودة الظلال في قلب الصحراء السورية

تحليل تفاعلي للعملية الإرهابية وأبعادها الجيوسياسية والأمنية في سوريا ما بعد الحرب

ملخص الحادثة

في الثالث عشر من كانون الأول ٢٠٢٥، استهدفت عملية إرهابية دورية مشتركة سورية-أمريكية قرب مدينة تدمر الأثرية، مما أسفر عن مقتل جنديين أمريكيين ومترجم مدني. الهجوم نفذه عنصر أمني سوري، مما يثير أسئلة جوهرية حول طبيعة الأجهزة الأمنية السورية الجديدة.

السياق الجيوسياسي

تأتي العملية في مرحلة انتقالية من الصراع السوري بعد الانفتاح السياسي بين دمشق وواشنطن عام ٢٠٢٤. يشكل الهجوم اختباراً لبنية التعاون الأمني الهشة التي تشكلت عقب هذا التحول، ويكشف عن عمق المشكلات البنيوية في مؤسسات الأمن السورية الجديدة.

تفاصيل العملية

نفذ الهجوم عنصر أمني سوري خلال دورية مشتركة بالقرب من تدمر، مما يدل على وجود “اختراق داخلي” أو “تمرد متبقي” داخل الأجهزة الأمنية السورية نفسها. العملية تتبع نمط “الذئب المنشق” أكثر من “الذئب المنفرد”.

الأطراف الفاعلة

الأجهزة الأمنية السورية
ائتلاف هجين من فصائل مسلحة متباينة
الجيش السوري الجديد
تحالف عسكري مشترك وليس بنية نظامية موحدة
تنظيم الدولة الإسلامية
المنفذ المحتمل للعملية (رغم عدم تبنيه الرسمي)

التحليل الاستراتيجي

الهجوم يمثل “بيئة الارتداد الإرهابي” (Terrorist Rebound Environment) التي تنتجها الأنظمة الأمنية غير المتجانسة، حيث تتكاثر الفرص أمام الخلايا المنعزلة لاستغلال التناقضات البنيوية بين الشركاء الأمنيين.

الهيكل الأمني السوري الجديد: مكونات الهشاشة

قبل 2024

انهيار النظام الأمني القديم

حل الجيش السوري بشكل كامل وإلغاء الخدمة الإلزامية، مما أدى إلى فراغ أمني يصعب سده.

2024-2025

تشكيل الأجهزة الأمنية الجديدة

تشكيل جهاز أمني متعدد المرجعيات أقرب إلى ائتلاف وظيفي من فصائل إسلامية ومقاتلين محليين.

كانون الأول 2025

عملية تدمر

الهجوم الذي كشف هشاشة التحالف الأمني السوري-الأمريكي والتناقضات البنيوية الداخلية.

الدلالات الأمنية والسياسية للحادث

هشاشة التحالف الأمني
عالية

الاختلاف في السرديات الأمنية بين واشنطن ودمشق يكشف ضعف الثقة المتبادلة ويهدد بتقويض التنسيق الاستخباراتي المستقبلي.

عودة “التهديد المتكيّف”
متوسطة إلى عالية

تنظيم الدولة الإسلامية يُظهر قدرة على إعادة تعريف نفسه عبر تكتيكات منخفضة الكلفة وعالية الرمزية تستهدف نقاط الضعف البنيوية.

معضلة الشرعية الأمنية
عالية جداً

الجيش السوري الجديد يواجه تحدياً مزدوجاً: إثبات قدرته في مكافحة الإرهاب دون أن يبدو تابعاً لقوة أجنبية.

السيناريوهات المستقبلية المحتملة

السيناريو الأول: الرد الأمريكي المحسوب

الاحتمال: 40%

تختار واشنطن ردا محسوبا يستهدف خلية أو موقعا مرتبطا بداعش في البادية، دون الانجرار إلى مواجهة أوسع. الهدف ترميم الردع العسكري دون تدمير الإطار السياسي الناشئ مع دمشق.

المتطلبات: تقديم السوريين تعاون استخباراتي فعّال يُثبت أن الهجوم لم يكن نتيجة اختراق داخل أجهزتهم.

السؤال الاستراتيجي الحاسم

هل ستتمكن “سوريا الجديدة” من بناء مؤسسات أمنية تتجاوز إرث الخوف والولاءات المتعددة، لتصبح قادرة على إنتاج “مناعة أمنية وطنية” حقيقية؟

الجواب سيحدّد ما إذا كانت تدمر محطة عابرة في التاريخ، أم نذير دورة جديدة من الفوضى تحت غبار الصحراء.

تحليل تفاعلي للعملية الإرهابية في تدمر – كانون الأول 2025

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *