مشروع SEEP في سوريا: كيف يعيد البنك الدولي تعريف السيادة والعقد الاجتماعي بعد فشل الدولة

في زمن تتفكك فيه حدود الدولة، لا بالسلاح فقط بل بالمشاريع، يأتي مشروع Syria Emergency Electricity Project (SEEP)  كعلامة دقيقة على لحظة تحول أعمق من مجرد “إعادة إعمار”.

ما يجري في سوريا اليوم ليس مجرد محاولة لإصلاح البنية التحتية، بل إعادة تعريف لمعنى من يملك الحق في إدارة ما تبقى من الدولة ومن يقرر ويراقب ويملك السلطة الفعلية في تسيير شؤون الحياة اليومية.

في نظر المؤسسات الدولية، لم تعد سوريا أزمة سياسية بقدر ما أصبحت حالة اختبار لإدارة الفشل الطويل الأمد، فالنظام الدولي حين يفقد الثقة في قدرة دولة ما على أداء وظائفها، يبدأ بتصميم أدوات تحل محلها من دون أن تعلن نهاية الدولة رسميا.
يظهر مشروع SEEP ليس كبرنامج تنموي، بل كبنية حوكمة بديلة؛ دولة صغيرة داخل الدولة، لكنها تدار بمعايير البنك الدولي لا بمعايير الدستور السوري.

من الإنقاذ إلى الإدارة

يهدف SEEP إلى إعادة تأهيل شبكة الكهرباء السورية وربطها بدول الجوار، وعلى رأسها الأردن وتركيا، والأهم من أي جانب فني هو الهيكل الإداري الذي يحكم المشروع، فهناك قواعد مشتريات منفصلة، ووحدة تنفيذية مستقلة ورقابة خارجية، واشتراطات بيئية وأمنية لا تمر عبر القنوات الحكومية التقليدية.

يتحول المشروع إلى ما يمكن تسميته بنية مؤسسية موازية، فهو ينتزع من الدولة ثلاث وظائف كانت جوهر سيادتها؛ القرار التشغيلي والرقابة وإنتاج الشرعية عبر تقديم الخدمة.
ما كانت تفعله الدولة ككيان سياسي، بات يدار اليوم كعقد إداري، ومن منظور النظام الدولي، هذه ليست مصادرة للسيادة بل “إدارة للضرورة”، فلم تعد الأولوية لإعادة بناء الدولة، بل لتفادي انهيار إنساني شامل، وهذا ليس صحيحا على الاطلاق لأن الشأن الانساني هو أمر منسي بالنظام الدولي، والمفارقة أنه كلما فشلت الدولة في أداء وظائفها، ازداد مبرر إدارة هذه الوظائف من خارجها.

سيادة بالتقسيط

في المفهوم يجسد SEEP نموذجا لما يمكن تسميته “السيادة بالتقسيط”، فكل قطاع يدار بوحدة تنفيذية منفصلة، وكل خدمة تخضع لعقد تمويلي خاص، وكل وظيفة تربط بمؤشر أداء دولي، فهو تقسيم للسيادة على شكل عقود وليس مؤسسات.

هذا النوع من الحوكمة يعيد تعريف العلاقة بين المحلي والعالمي، فما يقرر في دمشق، لا ينفذ دون موافقة واشنطن أو عمان أو البنك الدولي، وما ينجز في الميدان، لا يعترف به إلا إذا استوفى معايير “الامتثال البيئي والاجتماعي”، فهناك سيادة تشغيلية منقوصة، لكنها قابلة للإدارة.

ومع أن هذه الصيغة تمنع الانهيار الكامل، فإنها تخلق طبقة جديدة من السلطة لا تنتمي كليا إلى الداخل أو الخارج فهي سلطة هجينة، لا يمكن محاسبتها محليا ولا تفهم دوليا إلا كـ”آلية تقنية”، تخفي السياسة، والسياسة بدورها تخفي أزمة أعمق، من يمثل السوريين في تسيير دولتهم عندما تصبح الدولة نفسها مشروعا ممولا من الخارج؟

من دولة الرعاية إلى دولة المشروع

على المستوى الاجتماعي، يعيد SEEP صياغة العلاقة بين المواطن والدولة، فمنذ منتصف القرن العشرين، تشكل العقد الاجتماعي السوري على اختلاف أنظمته حول فكرة أن الدولة هي الجهة التي تؤمن الخدمات الأساسية مقابل الولاء أو الاستقرار.
اليوم، تنكسر هذه المعادلة، فالكهرباء، الرمز الأكثر حضورا للدولة الحديثة، لم تعد وعدا حكوميا بل منفعة مشروطة تمولها جهة دولية وتديرها وحدات تنفيذية مؤقتة، فيتحول المواطن من “صاحب حق” إلى “مستفيد”، وتتحول الخدمة العامة من أداة شرعية داخلية إلى أداة شرعية خارجية.
حين تأتي الكهرباء عبر مشروع  SEEPيصبح البنك الدولي هو الذي يمنح الضوء، لا الدولة، وتستبدل فكرة الانتماء بفكرة “النفاذ إلى الخدمة” وهو انتقال ثقافي بقدر ما هو اقتصادي.

هذه التحولات هي إزاحة بطيئة لمفهوم المواطنة من المجال السياسي إلى المجال الإجرائي، فالمواطن في النظام ما بعد السيادة لا يطالب، بل يمتثل،  ويحصل على الخدمة ليس كحق، بل لأن المؤسسة المانحة قررت أن ذلك “عملي”.

الهوية المؤسساتية المفقودة

الجانب الأخطر في SEEP ليس فقدان السيطرة على قطاع الطاقة، بل فقدان الهوية المؤسسية نفسها،
فحين تدار الكهرباء بقواعد مشتريات البنك، والمياه بمعايير الأمم المتحدة، والتعليم عبر منظمات غير حكومية، يصبح من الصعب الحديث عن “نظام حوكمة وطني” أو واقعي.
تتحول الدولة إلى فضاء تجريبي تتناوب عليه مؤسسات التمويل، فيما يتآكل جوهرها بوصفها مصدر القرار الشامل.

هناك من يرى في هذا النمط فرصة مؤقتة للنجاة، فإذا كانت الدولة غير قادرة على إعادة بناء ذاتها سريعا، فربما يكون حفظ الوظائف الحيوية شرطا لبقاء المجتمع ذاته، والمشكلة أن “الإنقاذ الإجرائي” نادرا ما يتحول إلى “تعاف مؤسساتي”، فحين تستمر المشاريع في العمل، يصبح وجودها مبررا لاستمرار ضعف الدولة لا علاجه.

ما بعد الإصلاح

يسوق البنك الدولي لهذه المشاريع تحت شعار “الاستجابة الطارئة” أو “إعادة التأهيل السريع، لكن من الناحية العملية، تتحول الطوارئ إلى نظام إدارة طويل الأمد، فما يبدأ كحل مؤقت يتحول تدريجيا إلى قاعدة جديدة، وفي هذا التحول يظهر سؤال أخلاقي وسياسي، فهل يجوز للنظام الدولي أن يعيد تصميم مؤسسات دولة ما تحت غطاء المساعدات؟ وهل يحق له أن يفرض نموذجا للحوكمة باسم الكفاءة والرقابة بينما يغيب أي تمثيل وطني حقيقي؟

هذه الأسئلة جزء من تحول عالمي في مفهوم السيادة بعد عقدين من “الحروب على الفشل، فمن العراق إلى أفغانستان إلى لبنان، باتت المشاريع الدولية هي التي تحدد مسار الدول الهشة، وسوريا ليست استثناء، بل استمرارا لهذا النمط؛ دولة تدار عبر شبكات التمويل والمراقبة، لا عبر عقد اجتماعي داخلي.

الخروج من المأزق: السيادة كمسؤولية داخلية

التحليل الأخلاقي يستدعي رفضا للمقاربتين المتطرفتين، فلا التنديد الرومانسي بـ”التدخل” ولا التسليم البيروقراطي بـ”الحوكمة البديلة”، بل دعوة إلى استعادة السيادة كمسؤولية، لا كملكية.
إذا كانت المؤسسات الدولية ملأت الفراغ الوظيفي، فإن التحدي الحقيقي أمام السوريين هو ملء الفراغ السياسي عبر بناء مؤسسات قادرة على مساءلة هذه المشاريع، ورفضها من حيث المبدأ.

السيادة لا تستعاد بالشعارات، بل بالقدرة على التنظيم والرقابة وإنتاج الشرعية من الداخل، وإلى أن يتحقق ذلك، سيبقى مشروع SEEP علامة على عصر ما بعد الدولة، حيث تدار الأوطان عبر عقود مؤقتة، وتتقاطع النوايا الحسنة مع النتائج غير المقصودة.

الضوء الذي لا يضيء الطريق

ربما سيعيد SEEP بعض الإنارة إلى مدن أنهكها الظلام، لكن السؤال الأعمق لا يزال مظلما، فهل يمكن أن تضيء الكهرباء طريقا نحو السيادة؟
من دون عقد اجتماعي جديد، يغدو الضوء رمزا للارتهان لا للتحرر، وللمراقبة المقنعة لا للنهضة الذاتية، وما يحتاجه السوريون ليس فقط شبكة كهرباء متصلة، بل شبكة ثقة متجددة بينهم وبين دولتهم، فمن دونها، ستبقى المشاريع الدولية مهما بلغت كفاءتها مجرد إدارة مؤقتة لعجز مزمن، لا خروجا حقيقيا من الفشل.

مشروع SEEP: إعادة تعريف السيادة والعقد الاجتماعي في سوريا

بين الدولة والمشروع: كيف يعيد SEEP تعريف السيادة والعقد الاجتماعي في سوريا

مشروع Syria Emergency Electricity Project – تحليل بنية الحوكمة البديلة

ما هو مشروع SEEP؟

مشروع طارئ لإعادة تأهيل شبكة الكهرباء السورية وربطها بدول الجوار (الأردن وتركيا)، يموله البنك الدولي ويدار بوحدة تنفيذية مستقلة.

الهدف الظاهري

إعادة تأهيل البنية التحتية للكهرباء وتوفير الخدمة الأساسية للمواطنين في المناطق المتضررة.

الهدف الخفي

خلق بنية حوكمة بديلة – دولة داخل الدولة – تدار بمعايير المؤسسات الدولية لا بالدستور السوري.

توزيع صلاحيات إدارة المشروع

وظائف الدولة التي تم انتزاعها

السيادة بالتقسيط

كل قطاع يدار بوحدة تنفيذية منفصلة، وكل خدمة تخضع لعقد تمويلي خاص، وكل وظيفة تربط بمؤشر أداء دولي. تقسيم للسيادة على شكل عقود وليس مؤسسات.

من دولة الرعاية إلى دولة المشروع

التحول من الدولة كجهة تؤمن الخدمات مقابل الولاء، إلى الدولة كمجموعة مشاريع ممولة خارجيا. المواطن يتحول من “صاحب حق” إلى “مستفيد”.

الحوكمة الهجينة

خلق طبقة جديدة من السلطة لا تنتمي كليا إلى الداخل أو الخارج. سلطة لا يمكن محاسبتها محليا ولا تفهم دوليا إلا كـ”آلية تقنية”.

الهوية المؤسساتية المفقودة

تتحول الدولة إلى فضاء تجريبي تتناوب عليه مؤسسات التمويل. الجانب الأخطر ليس فقدان السيطرة على قطاع الطاقة، بل فقدان الهوية المؤسسية نفسها.

تأثير SEEP على العقد الاجتماعي

مسار تحول الإدارة الطارئة إلى نظام دائم

مقارنة: السيادة التقليدية مقابل السيادة المُدارة عبر المشاريع

الجانب النموذج التقليدي نموذج SEEP
مصدر الشرعية الدستور والانتخابات الاتفاقيات التمويلية والمعايير الدولية
آلية الرقابة المؤسسات التشريعية والقضائية الوطنية متطلبات الامتثال ومراجعة البنك الدولي
طبيعة القرار سياسي – وطني تقني – دولي
علاقة المواطن بالدولة حقوق وواجبات متبادلة نفاذ إلى خدمات مشروطة
مدة الالتزام دائمة عبر المؤسسات مؤقتة عبر العقود

المفارقات والأسئلة الحرجة

هل يجوز للنظام الدولي أن يعيد تصميم مؤسسات دولة ما تحت غطاء المساعدات؟
هل يحق له أن يفرض نموذجا للحوكمة باسم الكفاءة والرقابة بينما يغيب أي تمثيل وطني حقيقي؟
الإنقاذ الإجرائي نادرا ما يتحول إلى تعاف مؤسساتي: المشاريع تصبح مبررا لاستمرار ضعف الدولة لا علاجه.
من يمثل السوريين في تسيير دولتهم عندما تصبح الدولة نفسها مشروعا ممولا من الخارج؟
هل يمكن أن تضيء الكهرباء طريقا نحو السيادة؟ أم تصبح رمزا للارتهان لا للتحرر؟

مسار الخروج من المأزق: استعادة السيادة كمسؤولية

المؤسسات الدولية
الدولة التقليدية
المشاريع الدولية
المواطنون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *