الحدود السورية – الإسرائيلية 2025–2026: تحولات الجنوب وصراع النفوذ الإقليمي

مع نهاية عام 2025، فقدت الحدود السورية – “الإسرائيلية” طابعها “الساكن” الذي اتسمت به منذ اتفاقية فك الاشتباك عام 1974، وتحولت الجغرافيا الجنوبية السورية إلى مساحة رمادية، فلا حرب شاملة ولا سلام مستقر، بل تفاعل مستمر بين الفراغ السيادي السوري و”المبادرات الأمنية الإسرائيلية” التي تجاوزت الردع التقليدي إلى إدارة ميدانية مباشرة.

في عام 2026، يتوقع أن تشهد هذه الجبهة تحولا في نمط التهديدات والاستجابة، بما يعيد تعريف أمن “إسرائيل” شمالا، وسيادة سوريا جنوبا.

المتغيرات الميدانية والسياسية في مطلع 2026

تظهر بدايات عام 2026 أن الجنوب السوري لم يعد ساحة فراغ أمني فحسب، بل مختبرا لتوازنات قوى جديدة تتقاطع فيها المصالح المحلية والإقليمية، فمع تحول السيطرة الميدانية إلى كيانات متفرقة وتراجع سلطة الدولة، برزت أنماط جديدة من التنظيمات المسلحة تعيد تشكيل المشهد الأمني على الحدود.

  1. إعادة هيكلة الفصائل السورية المحلية

شهد الجنوب السوري خلال عامي 2024 و2025 بروز مجموعة من التشكيلات المحلية ذات الطابع الدفاعي، بعضها متجذر في البنية الاجتماعية والعشائرية للمنطقة، وبعضها الآخر مرتبط بمحور المقاومة الإقليمي. أبرزها:

  • تحالف قوات الجنوب:
    يضم عددا من المجموعات المحلية التي انحدرت من فصائل “الجيش الحر” السابقة، ويعمل في مناطق درعا والقنيطرة بقدرات محدودة وبخطاب غير مؤدلج، ويركز نشاطه على ملء الفراغ الأمني الذي خلفه انسحاب قوات النظام، ومنع التوغلات “الإسرائيلية” في مناطق التماس، دون ارتباط تنظيمي بجهات خارجية.
  • جبهة المقاومة الإسلامية في الجولان:
    تعرف أيضا باسم “جبهة أولي البأس”، وهي تشكيل مقاوم أعلن عن نفسه في أواخر 2024 كامتداد لشبكة “محور المقاومة” في سوريا، وتعمل الجبهة بشكل خاص في ريف القنيطرة الغربي، وتنفذ عمليات محدودة ضد أهداف “إسرائيلية” أو مواقع مراقبة على خط الفصل.
  • الحرس الوطني في السويداء:
    تنظيم محلي ذو طابع عشائري – درزي، تأسس عام 2025 بهدف حماية التجمعات السكانية في محافظة السويداء وضبط الأمن الداخلي، ويحظى بدعم اجتماعي واسع وتمويل ذاتي، وينسق أحيانا مع السلطات الأردنية على مستوى الحدود الجنوبية لمنع تسلل الجماعات المتشددة.

تظهر هذه الخريطة الفصائلية المتنوعة أن الجنوب السوري بات موزع الولاءات والمصالح، حيث تتقاطع فيه تشكيلات محلية ذات دوافع دفاعية مع مجموعات مقاومة عابرة للحدود، وهذا التشظي البنيوي يجعل المنطقة واحدة من أكثر البيئات الأمنية تعقيدا بالنسبة لإسرائيل، التي تواجه خصوما غير نظاميين ومتغيري الهوية والتنظيم، يعملون في نطاقات جغرافية ضيقة لكن متداخلة، يصعب احتواؤها ضمن معادلة ردع واحدة.

الاستراتيجية الإسرائيلية الجديدة: “الأمن ما وراء الحدود”

تبنت إسرائيل منذ مطلع 2026 عقيدة جديدة في إدارة الحدود الشمالية الشرقية، أطلق عليها ضباط الجيش الإسرائيلي اسم الأمن ما وراء الحدود (Beyond-the-Border Security)” وجوهر هذه العقيدة هو نقل خطوط الدفاع داخل الأراضي السورية بعمق يتراوح بين 3 إلى 10 كيلومترات، بهدف:

  • رصد مبكر لأي تحركات معادية.
  • إحباط أي تموضع لفصائل قريبة من خط الفصل.
  • إنشاء نقاط مراقبة واتصالات تعمل عبر وحدات محلية موالية لتل أبيب.

بهذا المعنى، لم تعد “إسرائيل” ترى في خط وقف إطلاق النار حدودا قانونية، بل منطقة أمنية مرنة قابلة للتوسع أو الانكماش بحسب الضرورات التكتيكية.

السيناريوهات المحتملة لعام 2026

تتجه المعطيات الميدانية والسياسية في الجنوب السوري نحو عام حافل بالتحولات غير الحاسمة؛ إذ تتوازن مؤشرات التصعيد مع محاولات الاحتواء الدولي.
وفي ضوء هذا التوازن الهش، يمكن رسم ثلاث مسارات رئيسية تحدد شكل الصراع وحدوده خلال عام 2026.

السيناريو الأول: تثبيت جبهة باردة

في هذا السيناريو، تنجح الجهود الأمريكية – الأردنية في فرض ترتيبات أمنية مؤقتة بين سلطات دمشق و”تل أبيب”، تتضمن:

  • تحديد مناطق منزوعة السلاح موسعة جنوب القنيطرة.
  • انتشار مراقبين دوليين جدد.
  • تنسيق استخباراتي غير معلن بين إسرائيل والفصائل المحلية “الدرزية والعشائرية”.

النتيجة ستكون جبهة باردة ولكن مستقرة نسبيا، تشبه الوضع في جنوب لبنان بين 2006 و2018؛
هدوء هش، وانفجارات محدودة، دون تحول إلى حرب مفتوحة.

  • احتمال التحقق: 50%.
  • الأثر المتوقع:استقرار نسبي، لكنه يرسخ سيطرة “إسرائيل” على مناطق داخل سوريا.

السيناريو الثاني: تصاعد حرب الظل

إذا استمرت إسرائيل في توسيع وجودها داخل الأراضي السورية، فإن فصائل مقاومة قد تنفذ هجمات نوعية ضد نقاط المراقبة الإسرائيلية في القنيطرة ودرعا.
رد تل أبيب سيكون عبر قصف مكثف ومحدد الأهداف داخل العمق السوري، ما سيحول الجنوب إلى ساحة “حرب ظل” متواصلة.

في هذا السيناريو، ستبدو الحدود أشبه بـ “غزة مصغرة” وهجمات متبادلة محدودة، دون انزلاق إلى مواجهة شاملة.

  • احتمال التحقق: 35%.
  • الأثر المتوقع:ارتفاع الخسائر البشرية السورية، وتزايد نشاط المسيرات الإسرائيلية، مع تصاعد الاحتقان الشعبي جنوبا.

السيناريو الثالث: اشتعال شامل محدود

في حال وقوع حادثة كبرى، مثل مقتل ضباط إسرائيليين بكمين داخل الأراضي السورية أو إسقاط طائرة، ترد “إسرائيل” بعملية واسعة تشمل:

  • احتلال مؤقت للقنيطرة وأجزاء من درعا الغربي.
  • ضرب البنية العسكرية لفصائل المقاومة.

لكن من غير المتوقع أن تتوسع الحرب إلى دمشق، لغياب حليف إقليمي قادر على دعم سوريا عسكريا.

  • احتمال التحقق: 15%.
  • الأثر المتوقع:انهيار إضافي للسلطة المحلية السورية، وفتح الباب لتدخل دولي لإعادة ترسيم “المنطقة العازلة”.

التحليل الاستراتيجي العام

يظهر تحليل الاتجاهات لعام 2026 أن “إسرائيل” تميل نحو “إدارة الخطر” وليس إنهاءه، فهي تدرك أن السيطرة الكاملة على الجنوب السوري مكلفة، لكنها تسعى لإبقاء خصومها ضعفاء ومبعثرين، عبر الضربات الوقائية، والتفاهمات الضمنية مع أطراف محلية ودولية.

في المقابل، سوريا الجديدة – بعد النظام – لا تملك بعد بنية سيادية أو أمنية تمكنها من فرض الانضباط على الجنوب، ما يجعل الحدود رهينة للعبة إقليمية متعددة المستويات، يشارك فيها الأردن وإيران وروسيا والولايات المتحدة.

التداعيات الإقليمية

  1. الأردن

يظل الأردن الطرف الأكثر تأثرا بتقلبات الجنوب السوري، إذ يسعى إلى منع انتقال الفوضى أو موجات النزوح إلى حدوده الشمالية، ومن المتوقع أن تعزز عمان تعاونها الأمني والاستخباراتي مع “تل أبيب” خلال عام 2026، مع الحفاظ على مستوى عال من السرية السياسية لتجنب حساسيات داخلية وإقليمية.

  • تركيا

تسعى أنقرة في 2026 إلى استعادة نفوذها السياسي في المشهد السوري الجنوبي من خلال أدوات ناعمة، إنسانية ودبلوماسية، بالتنسيق مع موسكو وواشنطن.
هدفها الأساس منع تشكل أي توازن ميداني جديد يقصيها عن طاولة الحل السوري، وضمان عدم تحول الجنوب إلى منطقة نفوذ مغلقة لـ”إسرائيل” أو لقوى عربية منافسة.

  • دول الخليج

تتحرك دول الخليج، وعلى رأسها السعودية والإمارات وقطر، نحو دور استباقي في إدارة مرحلة ما بعد الصراع جنوب سوريا.
تركز هذه الدول على تقليص النفوذ غير العربي في المنطقة وتعزيز مشاريع “الاستقرار مقابل التنمية”، مع دعم محدود لبعض المبادرات المحلية لإعادة الخدمات والبنى التحتية.
ويتوقع أن تتحول المساعدات الخليجية إلى رافعة سياسية جديدة تسعى من خلالها العواصم الخليجية لإعادة إدماج دمشق تدريجيا في النظام العربي ضمن حدود النفوذ المقبولة دوليا.

  • روسيا

رغم انكفائها النسبي بفعل الحرب الأوكرانية، لكنها تحاول أن تؤدي دور الوسيط الحذر بين سلطة دمشق و”تل أبيب”، حفاظا على موقعها كلاعب ضامن للتوازنات، وكطرف يسعى لإبقاء أي تسوية مستقبلية ضمن الإطار الروسي لا الأمريكي.

نحو جبهة “رمادية” مستدامة

عام 2026 لن يشهد انفجارا شاملا في الجنوب السوري، لكنه أيضا لن يعيد الاستقرار، وستظل الحدود السورية – “الإسرائيلية” مساحة توازن هش بين الردع والانفلات، حيث تستخدم “إسرائيل” الضربات الوقائية كأداة إدارة، وتستغل غياب الدولة السورية لترسيخ قواعد جديدة.

النتيجة المتوقعة هي استمرار ما يمكن تسميته بـالاستقرار العدواني“Aggressive Stability أي حالة من الأمن القائم على الخوف، لا على الاتفاق.

الحدود السورية – الإسرائيلية في عام 2026

الحدود السورية – الإسرائيلية في عام 2026

نحو جبهة رمادية مفتوحة
مع نهاية عام 2025، فقدت الحدود السورية – “الإسرائيلية” طابعها “الساكن” الذي اتسمت به منذ اتفاقية فك الاشتباك عام 1974، وتحولت الجغرافيا الجنوبية السورية إلى مساحة رمادية، فلا حرب شاملة ولا سلام مستقر.
توزيع النفوذ
السيناريوهات
الفصائل المحلية
النفوذ الإقليمي

توزيع النفوذ في الجنوب السوري 2026

السيناريوهات المحتملة لعام 2026

السيناريو الأول: تثبيت جبهة باردة
50%

ترتيبات أمنية مؤقتة بين دمشق و”تل أبيب” مع مناطق منزوعة السلاح ومراقبين دوليين.

السيناريو الثاني: تصاعد حرب الظل
35%

هجمات متبادلة محدودة دون انزلاق إلى مواجهة شاملة، تشبه “غزة مصغرة”.

السيناريو الثالث: اشتعال شامل محدود
15%

عملية إسرائيلية واسعة مع احتلال مؤقت للقنيطرة وأجزاء من درعا.

مقارنة السيناريوهات

الفصائل المحلية في الجنوب السوري

النفوذ الإقليمي في الجنوب السوري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *