الاتفاقيات السورية–السعودية وإعادة تشكيل ميزان القوة في سوريا

في السياسة الدولية، لا تُقاس التحولات الكبرى بالخطابات ولا بالإعلانات، بل بإعادة توزيع القدرة على التأثير، ومن هذا المنظور، لا يمكن قراءة الاتفاقيات السورية–السعودية الأخيرة بوصفها استجابة تقنية لحاجات اقتصادية، بل كجزء من إعادة ترتيب موازين القوة في سوريا بعد كانون الأول 2024، حين دخلت البلاد مرحلة جديدة من إعادة التموضع الإقليمي والدولي.

منذ ذلك التاريخ، لم تعد سوريا ساحة صراع مفتوح، ولا دولة معزولة بالكامل، بل مساحة تنافس منظم بين قوى إقليمية تسعى إلى تثبيت نفوذ طويل الأمد بأدوات أقل كلفة وأكثر استدامة، فيتحول الاستثمار إلى امتداد مباشر للسياسة، وتصبح العقود بديلا عن القواعد العسكرية.

منطق المرحلة الجديدة: الاستقرار النسبي لا يلغي الصراع

التحولات السياسية التي تلت كانون الأول 2024 أفرزت واقعا مختلفا:

  • انفتاح عربي متدرج على دمشق.
  • تخفيف مشروط لبعض القيود الدولية.
  • انتقال الصراع من العنف الواسع إلى إدارة النفوذ داخل مؤسسات الدولة.

هذا لا يعني أن سوريا خرجت من دائرة التنافس، بل التنافس تبدل في طبيعته وأدواته، ففي بيئات ما بعد الحسم، لا تسعى الدول إلى انتصار نهائي لأنه مكلف وغير قابل للاستدامة، بل إلى منع الخصوم من تحويل نفوذهم إلى سيطرة مكتملة، فينتقل الصراع من الهجوم إلى الضبط، ومن توسيع المكاسب إلى كبح مكاسب الآخرين، فتغدو القوة مرهونة بالقدرة على إدارة التوازن ورفع كلفة النفوذ المنافس، لا بإلغائه.

السعودية: من المقاطعة إلى الموازنة النشطة

دخول السعودية بثقل اقتصادي كبير في هذه المرحلة يعكس قراءة واقعية للبيئة السورية الجديدة، فالرياض لا تسعى إلى الهيمنة، بل إلى منع أي قوة أخرى من احتكار النفوذ، وهذا جوهر السلوك التوازني في النظام الإقليمي.

الاستثمارات السعودية تتركز في:

  • قطاعات سيادية طويلة الأمد.
  • بنى تحتية يصعب استبدالها.
  • مجالات مدنية تؤثر مباشرة في الاستقرار الاجتماعي.

لا تهدف الرياض إلى التأثير المباشر على قرارات سلطة دمشق، بل إلى إعادة هندسة بيئة القرار نفسها، فحين تتشابك المصالح الاقتصادية السورية مع شبكة متنوعة من الشركاء، لا يعود القرار السياسي ناتجا عن اصطفاف واحد، بل عن موازنة مستمرة بين كلف متعارضة، وفي هذه الحالة، يفقد أي طرف خارجي قدرته على فرض إرادته بشكل أحادي، لأن كل خطوة أحادية تترجم فورا إلى خسارة اقتصادية أو اختلال وظيفي، فلا يُشترى القرار ولا يُنتزع، بل يُقيد، ويصبح النفوذ مسألة إدارة حوافز وردع غير مباشر، لا مسألة ولاءات ثابتة.

سوريا: دولة تحاول استعادة هامش القرار

المرحلة التي أعقبت كانون الأول 2024 فتحت أمام سلطة دمشق هامش حركة أوسع، لا لأنها أصبحت أقوى ذاتيا، بل لأن البيئة المحيطة بها أصبحت أكثر تعددية، حيث كان الاعتماد المرتفع على طرف أو محور محدد يضع القرار السياسي في اتجاه واضح ومحدد.

مع دخول أطراف إقليمية متعددة إلى المشهد، لم يعد القرار محصورا بموقف إقليمي محدد، هذا التحول منح الدولة، ظاهريا، فرصة للمفاضلة بين بدائل مختلفة، والاستفادة من تنافس الآخرين، غير أن هذه الإمكانية تبقى مشروطة بإدارة التوازن؛ فالتعدد يعزز الاستقلال النسبي، لكنه يتحول أيضا إلى توزيع نفوذ داخل مؤسسات الدولة نفسها.

الاتفاقيات مع السعودية تمنح سوريا وفق الصورة الأولية

  • تنويعا في مصادر الدعم.
  • قدرة تفاوضية أكبر مع بقية الشركاء.
  • تخفيفا نسبيا للاعتماد الأحادي.

غير أن الخطر في طبيعة الشروط، فالاستثمارات الخارجية تتحول إلى أدوات نفوذ مغلقة، فيتحول مفهوم السيادة إلى إدارة لشبكة نفوذ متعددة، لا إلى تحرر منها، فتعيد الدول توزيع تبعيتها، وفي عالم تحكمه الواقعية، السيادة ليست شعارا، بل قدرة على رفض الإملاء وهذه القدرة لا تُشترى بالأموال وحدها.

تركيا والاقتصاد كأداة نفوذ غير مباشر

في الشمال السوري، لم يترسخ النفوذ التركي عبر الوجود العسكري فقط، بل عبر بنية اقتصادية موازية منشبكات تجارة مرتبطة بالداخل التركي، وتداول واسع لليرة، وسلاسل توريد عابرة للحدود، وخدمات تعتمد على الارتباط المباشر بالاقتصاد التركي، تشكل نموذج نفوذ قائم على فصل اقتصادي تدريجي عن المركز، حيث تصبح الجغرافيا الشمالية أكثر اندماجا بالسوق التركية منها بالاقتصاد الوطني.

الاستثمارات السعودية الواسعة، إذا تركزت في البنية التحتية الكبرى، وإنشاء مراكز شحن وتخليص جمركي داخلية في حلب مرتبطة بالمرافئ البحرية، وإعادة تنشيط حلب كمحور صناعي، فإنها تعيد توجيه التدفقات الاقتصادية نحو الداخل السوري، وعندما تتغير مسارات التجارة والتمويل وسلاسل الإمداد، تتغير معها موازين النفوذ، فالقوة في هذا السياق لا تُقاس بعدد النقاط العسكرية، بل بقدرة من يحدد اتجاه حركة البضائع، ومصدر العملة، ومركز القرار المالي.

إذا أُعيد دمج الشمال في شبكة اقتصادية وطنية مدعومة برأس مال عربي، فإن نموذج “الاقتصاد المنفصل” يفقد تدريجيا عناصر استدامته، ويصبح الارتباط بالمركز أقل كلفة وأكثر ربحية من الاعتماد الحصري على الامتداد الحدودي، فلا يجري تقليص النفوذ التركي عبر مواجهة مباشرة، بل من خلال إعادة تعريف الحوافز الاقتصادية للسكان والفاعلين المحليين، وعندما تتغير الحوافز، يتغير السلوك السياسي أيضا.

يدور الصراع في الشمال حول من يملك القدرة على صياغة البيئة الاقتصادية طويلة الأمد، فهل تبقى المنطقة امتدادا لسوق خارجية، أم تعود عقدة ضمن اقتصاد وطني أوسع؟ الإجابة عن هذا السؤال لا تحدد فقط اتجاه التجارة، بل ترسم ملامح النفوذ السياسي في السنوات المقبلة.

واشنطن وهندسة المجال الجيوسياسي السوري

تلعب الولايات المتحدة في الحالة السورية دورا يتجاوز الحضور العسكري المباشر أو البيانات الدبلوماسية العلنية؛ إنها تمارس ما يمكن تسميته سلطة تنظيم المجال الجيوسياسي، ومن خلال منظومة العقوبات، والتحكم بالدولار، والإشراف غير المباشر على الشبكات المالية العالمية، تحدد واشنطن الإطار الذي يمكن أن تتحرك داخله الاستثمارات السعودية أو غيرها.

لا ترسم واشنطن الخرائط على الورق، لكنها تؤثر في إمكانية تنفيذها، فتصبح سوريا فضاء تتحكم به قوى متعددة، غير أن المجال الذي تتحرك فيه هذه القوى مضبوط بسقف قانوني–مالي تحدده القوة الأميركية.

الأمر لا يتعلق فقط بالسماح أو المنع، بل بإنتاج تراتب في المخاطر؛ من يستطيع الاستثمار، وفي أي قطاع، وبأي عمق، ومن يبقى مترددا بسبب احتمال تبدل المزاج السياسي في واشنطن.

الاقتصاد والصراع الصفري

رغم لغة الشراكة، تظل السياسة الدولية ساحة مكاسب نسبية، فكل توسع اقتصادي لطرف ما يعني تقليص مساحة طرف آخر، والاتفاقيات السورية–السعودية تعيد توزيع النفوذ داخل سوريا، ومن الخطأ اعتبارها مرحلة “ما بعد الصراع” لإنها شكل جديد من الصراع، أقل عنفا وأكثر تعقيدا.

في سوريا ما بعد كانون الأول 2024، لم ينته التنافس الإقليمي؛ إنما تغير شكله، فالاتفاقيات السورية–السعودية تعبر عن هذا التحول بوضوح؛ القوة اليوم تُمارس عبر العقود، لا عبر الجبهات، والسؤال الحاسم ليس حجم الاستثمارات، بل من سيملك القدرة على تحويلها إلى نفوذ مستدام، ومن سيُجبر على التكيف معها. في نظام دولي تحكمه الواقعية، هذه هي المعركة الحقيقية.

الاقتصاد كأداة قوة في سوريا ما بعد إعادة التموضع الإقليمي

الاقتصاد كأداة قوة في سوريا ما بعد إعادة التموضع الإقليمي

في السياسة الدولية، لا تُقاس التحولات الكبرى بالخطابات ولا بالإعلانات، بل بإعادة توزيع القدرة على التأثير. هذا التحليل يتناول استخدام الاقتصاد كأداة نفوذ في سوريا بعد كانون الأول 2024.
منطق المرحلة الجديدة: الاستقرار النسبي لا يلغي الصراع

التحولات السياسية التي تلت كانون الأول 2024 أفرزت واقعاً مختلفاً:

  • انفتاح عربي متدرج على دمشق
  • تخفيف مشروط لبعض القيود الدولية
  • انتقال الصراع من العنف الواسع إلى إدارة النفوذ داخل مؤسسات الدولة

في بيئات ما بعد الحسم، لا تسعى الدول إلى انتصار نهائي لأنه مكلف وغير قابل للاستدامة، بل إلى منع الخصوم من تحويل نفوذهم إلى سيطرة مكتملة.

السعودية: من المقاطعة إلى الموازنة النشطة

دخول السعودية بثقل اقتصادي كبير يعكس قراءة واقعية للبيئة السورية الجديدة. الرياض لا تسعى إلى الهيمنة، بل إلى منع أي قوة أخرى من احتكار النفوذ.

الاستثمارات السعودية تتركز في:

  • قطاعات سيادية طويلة الأمد
  • بنى تحتية يصعب استبدالها
  • مجالات مدنية تؤثر مباشرة في الاستقرار الاجتماعي

الهدف ليس التأثير المباشر على قرارات دمشق، بل إعادة هندسة بيئة القرار نفسها.

سوريا: دولة تحاول استعادة هامش القرار

مع دخول أطراف إقليمية متعددة إلى المشهد، لم يعد القرار محصوراً بموقف إقليمي محدد. هذا التحول منح الدولة فرصة للمفاضلة بين بدائل مختلفة.

الاتفاقيات مع السعودية تمنح سوريا وفق الصورة الأولية:

  • تنويعاً في مصادر الدعم
  • قدرة تفاوضية أكبر مع بقية الشركاء
  • تخفيفاً نسبياً للاعتماد الأحادي

غير أن الخطر في طبيعة الشروط، فالاستثمارات الخارجية تتحول إلى أدوات نفوذ مغلقة.

تركيا والاقتصاد كأداة نفوذ غير مباشر

في الشمال السوري، لم يترسخ النفوذ التركي عبر الوجود العسكري فقط، بل عبر بنية اقتصادية موازية:

  • شبكات تجارة مرتبطة بالداخل التركي
  • تداول واسع لليرة التركية
  • سلاسل توريد عابرة للحدود
  • خدمات تعتمد على الارتباط المباشر بالاقتصاد التركي

الاستثمارات السعودية الواسعة، إذا تركزت في البنية التحتية الكبرى، فإنها تعيد توجيه التدفقات الاقتصادية نحو الداخل السوري.

واشنطن وهندسة المجال الجيوسياسي السوري

تلعب الولايات المتحدة في الحالة السورية دوراً يتجاوز الحضور العسكري المباشر؛ إنها تمارس سلطة تنظيم المجال الجيوسياسي.

من خلال منظومة العقوبات، والتحكم بالدولار، والإشراف غير المباشر على الشبكات المالية العالمية، تحدد واشنطن الإطار الذي يمكن أن تتحرك داخله الاستثمارات السعودية أو غيرها.

الأمر لا يتعلق فقط بالسماح أو المنع، بل بإنتاج تراتب في المخاطر؛ من يستطيع الاستثمار، وفي أي قطاع، وبأي عمق.

الاقتصاد والصراع الصفري

رغم لغة الشراكة، تظل السياسة الدولية ساحة مكاسب نسبية. كل توسع اقتصادي لطرف ما يعني تقليص مساحة طرف آخر.

الاتفاقيات السورية–السعودية تعيد توزيع النفوذ داخل سوريا، ومن الخطأ اعتبارها مرحلة “ما بعد الصراع” لأنها شكل جديد من الصراع، أقل عنفاً وأكثر تعقيداً.

في سوريا ما بعد كانون الأول 2024، لم ينته التنافس الإقليمي؛ إنما تغير شكله. القوة اليوم تُمارس عبر العقود، لا عبر الجبهات.

أدوات النفوذ الاقتصادي للقوى الإقليمية في سوريا
توزيع الاستثمارات حسب القطاعات والجهات الفاعلة
السعودية
استراتيجية الموازنة النشطة عبر الاستثمار في البنى التحتية والقطاعات السيادية طويلة الأمد
تركيا
النفوذ عبر الاقتصاد الموازي، شبكات التجارة، وتداول العملة في الشمال السوري
الولايات المتحدة
هندسة المجال الجيوسياسي عبر العقوبات والتحكم بالشبكات المالية العالمية
سوريا
محاولة استعادة هامش القرار عبر تنويع الشركاء وإدارة التوازن بين القوى الإقليمية
مسار التحول: من الصراع العسكري إلى التنافس الاقتصادي
قبل كانون الأول 2024

مرحلة الصراع المفتوح

سوريا كساحة صراع مفتوح بين قوى متعددة مع اعتماد كبير على الأدوات العسكرية والعنف المباشر.

كانون الأول 2024

نقطة التحول الرئيسية

دخول سوريا مرحلة جديدة من إعادة التموضع الإقليمي والدولي، مع انفتاح عربي متدرج وتخفيف مشروط للقيود.

ما بعد كانون الأول 2024

مرحلة التنافس المنظم

انتقال الصراع من العنف الواسع إلى إدارة النفوذ داخل مؤسسات الدولة باستخدام الأدوات الاقتصادية.

الحاضر والمستقبل

اقتصاد كأداة قوة

تحول الاستثمار إلى امتداد مباشر للسياسة، والعقود إلى بديل عن القواعد العسكرية في إطار تنافس أقل عنفاً وأكثر تعقيداً.

الخلاصة التحليلية: الاقتصاد كساحة صراع جديدة

  • التحول من العسكري إلى الاقتصادي: لم يعد الصراع في سوريا يعتمد على الجبهات العسكرية، بل تحول إلى تنافس على النفوذ عبر الاستثمارات والبنى التحتية.
  • استراتيجية الموازنة: دخول السعودية بثقل اقتصادي يهدف إلى منع أي قوة من احتكار النفوذ، وإعادة هندسة بيئة القرار السوري.
  • إعادة تعريف السيادة: في ظل التموضع الإقليمي الجديد، تتحول السيادة إلى إدارة شبكة نفوذ متعددة، لا إلى تحرر منها.
  • الصراع الصفري المستمر: رغم لغة الشراكة، يظل التنافس اقتصادياً صفرياً، حيث يعني كل توسع اقتصادي لطرف تقليص مساحة الطرف الآخر.
  • القوة عبر العقود: في سوريا ما بعد إعادة التموضع الإقليمي، تُمارس القوة عبر العقود والاستثمارات أكثر مما تُمارس عبر التصريحات أو المواجهات المباشرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *