سوريا بين الرعاية الأمريكية وهشاشة الدور: قراءة جيوستراتيجية في توازن ما بعد زيارة توم براك

حين زار المبعوث الامريكي توم براك “إسرائيل” في منتصف كانون الأول 2025، بدت لقاءاته جزءا من التحركات الروتينية التي تتبع تصاعد الأحداث في غزة ولبنان، لكن القراءة الاوسع تكشف أنها كانت محطة مفصلية في اعادة تقييم موقع سوريا في المشهد الإقليمي، فبعد سنوات من القطيعة مع واشنطن، تحاول السلطة في دمشق ان تعود الى دائرة الشرعية الدولية، بينما تحاول الإدارة الأمريكية ان تمنحها مساحة مضبوطة لا تتجاوز حدود الدور الوظيفي الذي يخدم استراتيجيتها في منع الانهيار الإقليمي، دون اعادة الانخراط العسكري المباشر.

من هذه الرؤية كانت سوريا حاضرة في المداولات التي جمعت براك ونتنياهو، لا باعتبارها خصما أو حليفا صريحا، بل كملف امني عالق بين الحسابات الامريكية و”الضرورات الإسرائيلية”.

الدولة السورية بين البقاء والوظيفة

رغم التغيرات السياسية العميقة التي شهدتها دمشق خلال عام، ما زالت سوريا في نظر واشنطن دولة قابلة للإدارة أكثر من كونها شريكا استراتيجيا، فهي لا تمتلك بعد مؤسسات قادرة على فرض توازن داخلي مستدام، ولا اقتصادا يستطيع دعم استقلالية القرار السياسي.

تدرك الإدارة الامريكية أن النظام السوري الجديد يحتاج الى رعاية خارجية لضمان بقائه، وأن أي انسحاب سريع من هذا المسار سيعيد البلاد الى مرحلة الفراغ الجيوسياسي، وتتعامل واشنطن مع دمشق كدولة انتقالية داخل نظام إقليمي قيد التشكل، فسوريا لا تزال تتحرك ضمن هوامش رسمتها قوى أخرى، وتفتقر الى القدرة على تحديد موقعها في معادلة المصالح الكبرى.

هذه الهشاشة البنيوية هي ما يجعل من سوريا هدفا للمساعدة من جهة، ومصدر قلق استراتيجي من جهة أخرى، فكل خطوة لإعادة دمجها في النظام الدولي مشروطة بانضباطها ضمن الحدود التي ترسمها واشنطن و”تل أبيب”.

الرؤية الأمريكية، توازن الردع دون استنزاف

لا تسعى الولايات المتحدة الى إحياء النفوذ السوري بالمعنى التقليدي، بل الى تحويل سوريا الى منطقة عازلة مستقرة نسبيا تمنع تمدد الفوضى من الشرق الى الغرب، وتغلق الباب أمام صعود قوى مناوئة كإيران او روسيا.

بعد أكثر من عقد على الصراع السوري، وصلت واشنطن الى قناعة بان الانخراط الميداني لا يحقق أهدافها، وأن النفوذ الذكي عبر الدبلوماسية الأمنية والتمويل المحدود أكثر فاعلية، وهذا ما يفسر تركيز زيارة براك على خطوط التنسيق الأمني مع “إسرائيل” وعلى ضبط الهامش المتاح أمام دمشق في الجنوب السوري.

من منظور جيوستراتيجي، ترى واشنطن في سوريا حلقة وصل بين ثلاث ساحات خطرة؛ الشرق العراقي، والجبهة اللبنانية، والحدود الأردنية “الإسرائيلية”، واستقرارها النسبي مطلوب كشرط لبقاء التوازن الاقليمي، لكن ليس بالضرورة كمدخل لنهضة سياسية داخلية.

“إسرائيل” والقلق من التماهي السوري – الأمريكي

على الضفة الاخرى، تنظر “تل أبيب” بعين الريبة الى الانفتاح الامريكي المتزايد على دمشق، فبالنسبة للقيادة “الإسرائيلية”، أي تقارب أميركي – سوري يحد من حرية الحركة العسكرية في الأجواء السورية، التي شكلت منذ 2017 إحدى ركائز سياسة الردع تجاه إيران.

من هذا المنطلق حملت زيارة براك طابعا توفيقيا بين مطلب “إسرائيلي” واضح بالحفاظ على اليد الطولى في الجنوب، ورؤية أمريكية تحاول تثبيت حد أدنى من احترام السيادة السورية لتسهيل التنسيق الأمني.

تخشى “إسرائيل” أن يؤدي تثبيت الدولة السورية الى خلق واقع جديد يقيّد العمليات الجوية والاستخباراتية التي كانت تجري بحرية نسبية، غير أن واشنطن تدرك أيضا أن كبح النشاط “الإسرائيلي” بشكل كامل يفتح فراغا جديدا في ميزان القوى، وتميل السياسة الأمريكية حاليا الى إدارة ازدواجية مضبوطة تسمح باستمرار الردع “الإسرائيلي” دون إفشال الجهود الدبلوماسية مع سلطات دمشق.

سوريا بين محورين، الاستقلال المؤجل

في الجغرافيا السياسية، لا تولد الدول الجديدة في فراغ، وسوريا التي تحاول اليوم إعادة تعريف دورها تجد نفسها بين محورين متضادين في العمق:

  • محور أمنى غربي تقوده واشنطن يسعى الى تثبيت الحدود ومنع الفوضى.
  • ومحور إقليمي براغماتي يضم تركيا ودولا عربية يسعى لإعادة توظيف سوريا كجسر اقتصادي وسياسي.

لكن المشكلة تكمن في أن سلطات دمشق لا تملك القدرة على صياغة سياسة خارجية متماسكة، فهي تعتمد على شبكات دعم مالية وأمنية متباينة، ما يجعل قرارها عرضة للازدواجية، فبينما تتحدث في المؤتمرات الدولية بلغة الدولة المستقلة، تعتمد عمليا على الضمانات الأمريكية لتثبيت الاستقرار الداخلي.

هذا التناقض بين الخطاب والسياسة يعيد إنتاج هشاشة الدولة السورية، ويمنعها من التحول الى فاعل حقيقي في التوازنات الاقليمية.

الجغرافيا كسلاح في يد الآخرين

إحدى المفارقات في المشهد السوري الحالي هي إن موقع البلاد الجغرافي، الذي كان يوما مصدر قوتها، أصبح اليوم أداة يستخدمها الآخرون لإدارة مصالحهم، فبين الوجود الامريكي شرق الفرات، والتنسيق التركي في الشمال، والرقابة “الإسرائيلية” في الجنوب، لم يبق لسلطات دمشق سوى هامش إداري محدود على مناطق الوسط والساحل.

هذا التفكك المكاني لا يعكس فقط ضعف السيطرة، بل يرمز الى فقدان سوريا لوظيفتها التاريخية كقلب جغرافي للشرق الأوسط، في التحليل الجيوستراتيجي، الدول التي تفقد مركزيتها الجغرافية تفقد تدريجيا دورها السياسي، وتتحول من لاعب الى مساحة تنافس.

الجهود الأمريكية الرامية الى تثبيت الاستقرار في سوريا، رغم ضرورتها، تكرس واقع التجزئة إذا لم ترافقها رؤية تعيد للسوريين القدرة على توحيد قرارهم السياسي والاقتصادي.

الأهداف الأمريكية الواقعية وحدودها

واشنطن تدرك أن إعادة بناء سوريا كدولة قوية موحدة أمر يتجاوز قدراتها الحالية، لذا تكتفي بمشروع أكثر تواضعا ويناسب مصالحها يقوم على ثلاث ركائز:

  1. منع عودة الصراع المسلح عبر اتفاقات أمنية محلية تحت إشراف دولي.
  2. تعزيز الحوكمة الجزئية في مناطق النفوذ المتعددة لتجنب الانهيار الكامل.
  3. إدماج الاقتصاد السوري تدريجيا في شبكات إقليمية تقودها دول حليفة للولايات المتحدة.

هذه المقاربة البراغماتية ربما تحقق استقرارا نسبيا، لكنها تترك سؤالا مركزيا معلقا، هل يمكن لدولة مقيدة أمنيا ومجزأة اقتصاديا ان تستعيد مكانتها الاستراتيجية؟

الجواب الاولي، بحسب تقديرات مراكز الابحاث الامريكية، هو أن سوريا لن تعود دولة قيادية في المدى المنظور، لكنها ستظل نقطة توازن اضطراري بين محاور النفوذ الثلاثة في الشرق الأوسط؛ الأمريكي والتركي والعربي.

هشاشة الدور رغم الدعم

مهما بلغت الجهود الأمريكية من دقة ومرونة، تبقى معضلة سوريا بنيوية، فالدولة التي فقدت عناصر قوتها الذاتية لا يمكن ان تبنى بإرادة خارجية فقط، والدعم السياسي والاقتصادي الغربي يوفر مظلة أمن، لكنه لا يخلق هوية وطنية جامعة ولا شرعية مستدامة.

يخشى بعض الدبلوماسيين في واشنطن من تحول سوريا الى نموذج جديد من الدول شبه المحمية التي تعتمد على الرعاية الدولية دون ان تكتسب استقلالا مؤسساتيا حقيقيا، وفي مثل هذا السيناريو، يمكن أن ينهار الاستقرار بسرعة إذا تراجعت الإرادة الأمريكية أو تغيرت أولويات المنطقة.

هذا ما يجعل الرهان على سوريا الجديدة محفوفا بالمخاطر، فبينما تتعامل واشنطن معها كملف إدارة أزمات، تراها “تل أبيب” ساحة اختبار دائمة لمعادلة الأمن الإقليمي، وفي غياب مشروع وطني داخلي، سيظل الدور السوري هشاً، يتأرجح بين المساعدة والوصاية.

سوريا في معادلة ما بعد الصراع

زيارة توم براك لم تكن مجرد محطة دبلوماسية، بل لحظة تذكير بأن الجغرافيا لا ترحم الفراغ، فسوريا اليوم تشكل قلب منطقة يجري إعادة تصميمها، لكنها ما تزال خارج دائرة الفعل الاستراتيجي المباشر.

ربما تنجح واشنطن في الحفاظ على استقرار هش يخدم مصالحها، لكن بناء دولة سورية قادرة على الصمود يتطلب أكثر من دعم خارجي، فهو يحتاج لإرادة داخلية تعيد تعريف معنى السيادة بعد عقدين من الحرب.

ستبقى سوريا دولة قائمة لكنها غير فاعلة، وموجودة في الخرائط، وغائبة عن القرارات، ترمز الى التوازن أكثر مما تمثله، وتعيش في ظلال النظام الإقليمي الذي أعاد براك رسم خطوطه من القدس.

سوريا بين الرعاية الأمريكية وهشاشة الدور – تحليل جيوستراتيجي

سوريا بين الرعاية الأمريكية وهشاشة الدور

تحليل جيوستراتيجي بعد زيارة توم براك – ديسمبر 2025

دولة انتقالية
حالة الدولة السورية
إدارة أزمات
النهج الأمريكي
نقطة توازن
الدور الجيوستراتيجي
3 محاور
تأثير إقليمي

مستويات النفوذ في سوريا

النفوذ الخارجي
الدولة الفاعلة
تحليل: النفوذ الخارجي مرتفع (8/10) بينما الاستقلال السياسي منخفض (3/10)

توزيع النفوذ الإقليمي

نفوذ مرتفع
نفوذ متوسط
نفوذ محدود
الواقع: الولايات المتحدة وإسرائيل تهيمنان على المشهد مع نفوذ ضعيف للحكومة السورية

الأهداف الأمريكية تجاه سوريا

استراتيجية: إدارة الأزمة بدلاً من الحل، مع تركيز على منع الانهيار الكامل

هشاشة الموقف السوري

تحدي: اعتماد على الدعم الخارجي مع ضعف القدرات الداخلية في جميع المجالات

التناقض الأمريكي الإسرائيلي

معضلة: واشنطن تحاول الموازنة بين حماية إسرائيل والتنسيق مع دمشق

المحاور المؤثرة في سوريا

صراع نفوذ: سوريا محصورة بين محور أمني غربي ومحور اقتصادي إقليمي

تحليل جيوستراتيجي لموقع سوريا بعد زيارة توم براك – كانون الأول 2025

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *